مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني


يُنتظر أن يشهد واقع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي انعطافة حادة في شهر سبتمبر/أيلول المقبل، قد يكون لها ما بعدها، آثارا ونتائج وتداعيات.

فالسلطة الفلسطينية برئاسة أبو مازن تصرّ على حمل ملف "الدولة الفلسطينية" لإقراره أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول المقبل، إثر عقدين عجاف من العمل التفاوضي البائس الذي لم يثمر شيئا ذا بال للفلسطينيين وقضيتهم.

وإذا ما جرت الأمور على نسقها الراهن، وحمل أبو مازن موقفه الحالي إلى حلبة المؤسسة الأممية، فإن تضاريس العلاقة الفلسطينية الإسرائيلية من جهة، والفلسطينية الأميركية من جهة أخرى، سوف تشهد تبدلات إستراتيجية على الأرجح، وتهيئ لمرحلة جديدة من الصراع، مجبولة بالأزمات، قد تفتح معها المنطقة على احتمالات صعبة وسيناريوهات قاتمة، تتأسس على حدود الإمكانيات الواسعة للسياسة الإسرائيلية المدعومة أميركيا وأوروبيا، ويدها العسكرية العليا التي لا تتورع عن البطش في مختلف الاتجاهات متى أرادت.

"
استحقاق سبتمبر/أيلول كما يحلو للسلطة أن تسميه، يشكل إحدى نقاط ومفاصل العمل السياسي الفلسطيني في سياق معترك الصراع الدائر مع الاحتلال
"
"استحقاق" سبتمبر/أيلول كما يحلو للسلطة أن تسميه، يشكل إحدى نقاط ومفاصل العمل السياسي الفلسطيني في سياق معترك الصراع الدائر مع الاحتلال، وكما حدث مع مفاصل العمل السابقة التي تبنتها السلطة، فإن استحقاق سبتمبر/أيلول لم يصدر عن إجماع وطني فلسطيني أولا، ولم تتهيأ له أسباب الدراسة المنهجية والفحص العميق، التي توازن بين المكاسب والخسائر المتوقعة، وتنظر في الأعماق والمآلات، ثانيا.

اعتلى أبو مازن شجرة استحقاق سبتمبر/أيلول، ولم يكن يتخيل –أدنى تخيل- أن تمسكه بهذا الموقف طيلة الأشهر الماضية، دون رؤية سياسية ثاقبة أو تفكير منهجي عميق، سوف يجلب عليه وبال المواقف الأميركية والأوروبية، ويضع مستقبل ومشروع السلطة الفلسطينية برمتها على المحك.

حين يتحرك أبو مازن سياسيا فإنه يتحرك من وحي قناعاته الفكرية وخياراته السياسية التي أصابها العقم الكامل والإفلاس التام، وحين يبادر إلى تفعيل أي موقف أو قرار فإنه يلتمس ذلك خروجا من ورطاته المتعاقبة وأزماته المتلاحقة.

يشعر الرئيس الفلسطيني بالإحباط الكبير الممتزج بالارتباك التام هذه الأيام، فهو يعاين بأم عينه فشل نهجه ومشروعه السياسي الذي راهن على خيار المفاوضات كسبيل أوحد لا بديل عنه، ويتجرع في كل يوم مرارة المواقف الإسرائيلية المتشددة، والأميركية المنحازة، التي خذلته كثيرا وأصابته في العمق والصميم، وأعلت –في المقابل- من شأن برنامج خصومه السياسيين، وعلى رأسهم حركة حماس، في ذات الوقت الذي فوجئ فيه مؤخرا بحجم الورطة السياسية التي سقط في حبائلها إزاء إصراره غير المدروس على المضيّ في خيار اللجوء إلى الأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول، وعجزه عن النزول عن الشجرة إثر التهديدات الإسرائيلية والضغوط الأميركية، التي تكتسي طابعا جديا وخطيرا هذه المرة.

مشكلة أبو مازن أنه فرّ من "موات" المفاوضات إلى أزمة أخرى دون أن يحسن اختيار التوقيت، أو يعدّ للأمر عدّته، أو يبرمج خياره ليتكيف مع الأولويات الوطنية، وهي ليست المرة الأولى التي يشكل فيها الإخفاق عنوان حركة أبو مازن السياسية، وفي كل مرة كان الثمن باهظا والتداعيات بالغة.

اليوم، يعيش الواقع الفلسطيني الداخلي أزمة عميقة بفعل تداعيات الانقسام وطول أمد القطيعة الوطنية، وتتجلى تعقيداتها في تفاصيل الحياة الفلسطينية المختلفة، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا، وما لم يُفرد لإصلاح الوضع الفلسطيني عبر تفعيل وتسريع آليات المصالحة أولوية قصوى فإن الأزمة الداخلية ستبقى تراوح مكانها، وها هنا يغدو طرح خيار سبتمبر/أيلول والتمسك به أمرا خارج السياق، وجهدا بلا طائل، وعملا فاقدا لمعاني القيمة والاستثمار الإيجابي.

لسوء حظ الفلسطينيين فإن خيار سبتمبر/أيلول ليس خيارا وطنيا خالصا، بل تشترك فيه النوازع الشخصية لأبو مازن بالخلفيات السياسية والقناعات الفكرية ذات البعد المصلحي، دون أن تكون للرؤية الوطنية الحقة والمدروسة أي موقع أو مكان.

يرغب أبو مازن في إنهاء حياته السياسية بإنجاز وطني مشهود يُشار إليه بالبنان، ويكون قادرا على التغطية على حقبة الفشل السياسي ومرحلة الانقسام التي أعادت القضية الفلسطينية سنوات طويلة إلى الوراء، وأحدثت معاناة هائلة لدى الفلسطينيين، والتي يتحمل أبو مازن مسؤولية مركزية فيها بحكم رئاسته للسلطة وحركة فتح ومنظمة التحرير طيلة الأعوام الماضية.

في ذات الإطار فإن الرجل يُعمل قناعاته الفكرية وخياراته السياسية على أكمل وجه، فهو لا يؤمن إلا بخيار التفاوض سبيلا وحيدا لمعالجة الصراع مع الاحتلال، فإن فشلت فمزيد من المفاوضات، وإن فشلت فمزيد ومزيد من المفاوضات إلى أبد الآبدين، وفق نظرية "الحياة مفاوضات" التي تلخص حال ومسار أبو مازن وفريقه التفاوضي وقيادته المتنفذة في القرار الوطني الفلسطيني.

"
عندما يلجأ أبو مازن إلى استدعاء خيار سبتمبر/أيلول فإنه يستدعي طوق نجاته وأداة تحسين صورته وطنيا، كي يخرج بسيرة وطنية مشرّفة
"
فعندما يلجأ أبو مازن إلى استدعاء خيار سبتمبر/أيلول فإنه يستدعي طوق نجاته وأداة تحسين صورته وطنيا، ويضع ذلك بموازاة جهود المصالحة الداخلية، كي يخرج –في نهاية المطاف- بسيرة وطنية مشرّفة تلغي، أو على الأقل، تغطي على سواد وتردّي المرحلة السابقة التي تورط فيها حتى النخاع.

ومع ذلك، فإن سيناريوهات ما بعد سبتمبر/أيلول تشكل هاجسا مخيفا لأبو مازن وقيادات السلطة، فهم يخشون تبعات التهديدات الإسرائيلية والأميركية، ولا يسقطون من حساباتهم إمكانية إيقاف ضخّ المساعدات المالية، ورفع الغطاء السياسي عن السلطة ومشروعها ككل، ولا يستبعدون لجوء إسرائيل إلى استخدام القوة العسكرية، واستباحة الضفة الغربية، وعليه، فإن قرارهم ليس موحدا، وتغزوهم الخلافات، ويستبدّ بهم انقسام الرأي والموقف، وسط حالة من الحرج الوطني لم يسبق لها مثيل.

مكمن الخطورة في خيار سبتمبر/أيلول لا ينحصر في كونه انعكاسا لمأزق أبو مازن وفشل مشروعه السياسي، وإنما لكونه يستجلب من المخاطر والمحاذير ما يلحق الضرر البالغ بالشعب الفلسطيني وقضيته، في ظل ظرف محلي وإقليمي ودولي حساس وغير مواتٍ لخطوة غير مدروسة ومفرغة من جدواها الوطني وقيمتها السياسية بالمنظور الإستراتيجي.

أول الأخطار التي يحملها مشروع سبتمبر/أيلول أنه يسبغ –حال نجاحه في الأمم المتحدة- صفة الدولة على الحالة الفلسطينية المشوهة الراهنة، ويجعل الصراع بين الفلسطينيين وبين الاحتلال صراعا بين دولتين بالمعنى القانوني وفقا لشرعة ومواثيق الأمم المتحدة.

ما الذي تملكه السلطة الفلسطينية من أسس ومقومات الدولة حتى تحرق المراحل، وتتجاوز البدهيات، وتمارس القفز العبثي في الهواء؟!

نجاح مشروع سبتمبر/أيلول إذا تم ذلك رغم محدودية فرصه، يحمل في باطنه شرا مستطيرا للفلسطينيين وقضيتهم، فهو سيحقق لهم كسبا سياسيا وإعلاميا على كيان الاحتلال على المدى التكتيكي القصير ليس أكثر، لكنه يكرس خسارة سياسية ووطنية كبرى في بعده الإستراتيجي على المدى المتوسط والبعيد.

لم يدرك أبو مازن ومستشاروه وأركان قيادته أن العديد من قادة الاحتلال يرحبون بشكل غير معلن بخطوة السلطة في سبتمبر/أيلول، وأن إسرائيل تستعد الآن لاستشراف مرحلة نموذجية تتخلص فيها من عبء وتبعات احتلالها للأراضي الفلسطينية حال موافقة الأمم المتحدة على مشروع إعلان الدولة المنتظر، وأن يوم إعلان الدولة قد يكون يوما من أسعد أيامها، رغم موقفها الظاهر الذي يبدي تشددا مبالغا فيه في مواجهة الموقف الفلسطيني السلطوي غير المحسوب.

سؤال المستقبل المبهم يشكل خطرا آخر لا يقل أهمية عن سابقه، وينتصب ليس في وجه أبو مازن وسلطته فحسب، بل في وجه الكل الوطني الفلسطيني، فلا أبو مازن أو أي فلسطيني يمكنه تصور ما بعد سبتمبر/أيلول، فلا خطة ولا رؤية ولا موقف فلسطينيا للتعاطي مع مسألة إعلان الدولة وتبعاتها المستقبلية، أو توقع ماهية رد الفعل الإسرائيلي والأميركي الذي قد تتجاوز عقوباته المفروضة حدود المألوف العام إلى اجتراح مواقف وإجراءات حاسمة ذات بعد إستراتيجي، في ظل الارتباك الفلسطيني الحاصل والعجز عن قراءة أبعاد ومستقبل قرار إعلان الدولة في سبتمبر/أيلول.

ما الذي سيترتب فعليا على إعلان الدولة في سبتمبر/أيلول؟! وأين حساب الجدوى الوطنية الفلسطينية في ذلك؟! وهل تنقص الفلسطينيين الأسماء والشعارات والألقاب في حين واقعهم المزري تحت الاحتلال كما هو دون أي تغيير؟!

للأسف أن أبو مازن يضرب الأولويات والمصالح الوطنية الفلسطينية في العمق والصميم، ولا يتورع عن المغامرة والمجازفة بالمصير الفلسطيني، في حين تستمرئ الفصائل الفلسطينية الجدل العقيم حول آليات تطبيق المصالحة، وتغفل عن التحديات الخطيرة التي تتربص بالواقع الفلسطيني نذر الاستهداف، حاليا ومستقبلا.

لكن احتمال انكفاء أبو مازن وسلطته عن خيار إعلان الدولة في سبتمبر/أيلول يبدو واردا، إذ إن الرجل يقف على أرضية سياسية رخوة في مواجهة مطرقة الضغوطات الأميركية والتهديدات الإسرائيلية من جهة، وسندان الخلاف الداخلي وانقسام الموقف حيال جدوى هذا الخيار داخل أروقة السلطة ذاتها، من جهة أخرى.

"
ما يسمى باستحقاق سبتمبر/أيلول ينبغي أن يُطوى إلى أن يحين أوانه مستقبلا، وأن يُطوى بإرادة فلسطينية خالصة خيرٌ من أن تُطوى صفحته تحت الضغط الإسرائيلي والأميركي
"
ومما يبدو، فإن الشكوك سوف تظل لصيقة بموقف أبو مازن إزاء إمكانية الاستمرار في رهانه على خيار سبتمبر/أيلول، فالرجل، كما علمتنا التجارب، أضعف من أن يبادر بمنازلة كبرى، من هذا القبيل، يتصدى فيها للموقفين الإسرائيلي والأميركي، اللذين يتحكمان في مصير السلطة ويملكان "الفيتو" حول وجودها وبقائها السياسي والإداري.

في كل الأحوال، فإن ما يسمى باستحقاق سبتمبر/أيلول ينبغي أن يُطوى إلى أن يحين أوانه مستقبلا، وأن يُطوى بإرادة فلسطينية خالصة نابعة من مراجعة حقيقية لظروف وخيارات المرحلة خيرٌ من أن تُطوى صفحته تحت ضغط الإرهاب الإسرائيلي والقهر الأميركي، فالأولوية الآن –بلا منازع- لحسم المصالحة وعدم تأجيل بحث وإنجاز ملفاتها، والتغاضي عن صغائر الأمور لصالح القضايا الكبرى والتحديات الإستراتيجية.

وأيا يكن الأمر، فإن خيار سبتمبر/أيلول يشكل أحد تجليات الفشل الفلسطيني في إدارة المعركة مع الاحتلال، وما لم تتبلور مراجعة فلسطينية حقيقية باتجاه صوغ إستراتيجية وطنية موحدة للمّ شعث السياسة الفلسطينية الراهنة، فإننا سنجترّ مزيدا من الفشل والارتباك، ولربما مزيدا من المآسي والنكبات.

المصدر : الجزيرة