بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح, أكاديمي وباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية


اختبار الاستفتاء الدستوري
محنة الانتخابات البرلمانية
أسباب التراجع

رغم ما بدا عليه أداء أحزاب المعارضة التركية الرئيسية من صحوة ظاهرية في السنوات القليلة المنقضية، تجلت في نزوع جاد ورغبة ملحة من قبل بعض رموزها وقياداتها لإعادة صياغة برامجها وترتيب أوضاعها الداخلية بما يعينها على العودة إلى ساحة المنافسة السياسية مجددا، أثبتت أقرب اختبارات سياسية حقيقية لتلك الصحوة أنها لم تسفر عن تحسن ملموس في الأداء السياسي لأحزاب المعارضة بما يؤثر إيجابيا على وضعها التنافسي.

اختبار الاستفتاء الدستوري
فإبان الاستفتاء على حزمة التعديلات الدستورية التي طرحها الحزب الحاكم في سبتمبر/أيلول الماضي، فشلت أحزاب المعارضة التركية، التي عارضت غالبية التعديلات الـ26، في انتزاع رفض الجماهير التركية لإقرارها.

فقد أظهر تأييد 58% من الأتراك لتلك التعديلات أن المعارضة التركية لا تزال أسيرة للجفاء مع الجماهير على نحو حال دون تمكنها من إقناعهم برفض التعديلات بعد إذ عجزت الأحزاب المعارضة، التي تحالفت ضد حزب العدالة والتنمية في معركة الاستفتاء، عن التواصل مع الناخبين عبر شرح تفاصيل التعديلات الدستورية وتقويمها على نحو موضوعي وإبراز إيجابياتها وسلبياتها، بينما تؤكد الاستطلاعات أن 40% من الأتراك يصوتون بناء على قناعاتهم الذاتية وليس استنادا إلى انتماءاتهم السياسية أو الأيديولوجية.

"
فشلت أحزاب المعارضة التركية، التي عارضت غالبية التعديلات الـ26، في انتزاع رفض الجماهير التركية لإقرارها
"
لقد ارتكنت المعارضة إلى تكييل انتقاداتها لحزب العدالة والتنمية وتلك التعديلات معتبرة إياها خطوة لتعزيز قبضة أردوغان على السلطة في البلاد تمهيدا لأسلمه الدولة والمجتمع لاسيما أن القضاء، الذي سعت التعديلات لتقليص دوره السياسي، ظل يمثل خط الدفاع الأخير للمعارضة للحيلولة دون ذلك، بعد تراجع الدور السياسى للجيش جراء الإصلاحات السياسية لحزب العدالة والتنمية.

كما حذرت المعارضة من إمكانية استفادة قوى "انفصالية" كردية من هذه التعديلات، مما يشكل خطرا على وحدة البلاد، ومن ثم عدت المعارضة تلك التعديلات بمنزلة انقلاب أبيض على آلية إدارة مؤسسات البلاد التي تمثل الإرث السياسي للأتاتوركية.

وفي حين دعا حزب السلام والديمقراطية الكردي، الذي كان ممثلا وقتها في البرلمان بعشرين عضوا، إلى مقاطعة الاستفتاء، وقام مناصروه بأعمال عنف لمنع الجماهير المؤيدة للتعديلات من الإدلاء بأصواتها، كون التعديلات جاءت خالية من أي بنود من شأنها ملامسة جوهر المشكلة الكردية، حيث تجاهلت تعديل المادة الخاصة بكون تركيا بلدا ذا لغة واحدة وقومية واحدة، لم تلق تلك الادعاءات كما دعوة الحزب الكردي لمقاطعة الاستفتاء الاستجابة الكاملة من الأكراد، الذين بلغت نسبة المشاركة بينهم 35% صوت حوالي 90% منهم لمصلحة إقرار التعديلات.

وربما يعود ذلك الانفصام بين الأحزاب الكردية وغالبية الأكراد في تركيا إلى إخفاق هذه الأحزاب في تقديم شيء ملموس لمواطنيهم لا بخصوص مشاريع البنية التحتية التي تعانى المناطق الكردية من ندرتها فحسب، ولكن فيما يتصل بالقضية الكردية.

ففي حين طرح حزب العدالة والتنمية رؤية شاملة لحلها في إطار وحدة الدولة التركية وعلى أسس منفتحة تتجاوز سلبيات السياسات القومية المتشددة التي مارستها الحكومات الكمالية منذ تأسيس الجمهورية، وأدت إلى تهميش المناطق الكردية، انشغلت الأحزاب الكردية بالعمل على توسيع رقعة تمثيلها السياسي ولم تفعل شيئا للأكراد، الذين بات الكثيرون منهم يرون أن حزب العدالة والتنمية هو الأقدر على استيعابهم في النظام السياسي وحل مشكلاتهم على أسس ديمقراطية.

ويرى الكاتب التركي خير الدين طوران أن "توجّه حكومة أردوغان للحوار مع زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان المعتقل في السجون التركية قد سحب من حزب السلام والديمقراطية ورقة هامة كان يضغط بها على أنقرة"، خصوصا بعد أن عكف الحزب على استخدام الأجنحة الكردية المسلحة والمعارضة للزعيم الكردي عبد الله أوجلان والمتمركزة في شمال العراق ورقة ضغط على حكومة حزب العدالة والتنمية".

محنة الانتخابات البرلمانية
جاء الاختبار الثاني الأهم لمدى نجاعة مساعي أحزاب المعارضة الرئيسة من أجل تفعيل دورها والعودة إلى المشهد السياسي، في الانتخابات البرلمانية التي شهدتها تركيا في 12 يونيو/حزيران الماضي.

فبينما حصد حزب العدالة 326 مقعدا مكنته من تشكيل الحكومة منفردا للمرة الثالثة على التوالي بعد أن اقتنص 50,2% من أصوات الناخبين ليكون ثالث حزب يفعلها في تاريخ التجربة الديمقراطية التركية، تراجعت حصيلة مقاعد حزب الحركة القومية في البرلمان من 70 مقعدا في انتخابات العام 2007 إلى 53 مقعدا في الانتخابات الأخيرة، لم تنم الزيادة التي حققها حزب الشعب الجمهوري في عدد مقاعده البرلمانية من 112 في انتخابات العام 2007 إلى 135 هذه المرة، فضلا عن تلك التي حققها المستقلون الأكراد من 20 مقعدا عام 2007 إلى 36، عن تحسن حقيقي في أداء المعارضة التركية وتعزيز وجودها على الساحة السياسية، بقدر ما جاءت انعكاسا لتطورات ومتغيرات جديدة دلفت إلى العملية الانتخابية هذه المرة إثر تعديلات أدخلتها حكومة العدالة على القوانين المنظمة لها.

وقد تمثلت هذه التعديلات في: زيادة عدد الناخبين والمرشحين بعد تخفيض سن الانتخاب والترشيح وإعادة تنظيم بعض الدوائر الانتخابية، علاوة على تقاعس مرشحى حزب العدالة والتنمية في بعض الدوائر الانتخابية لاسيما تلك القريبة من المناطق الكردية والمجاورة لأوروبا، والتي تذهب غالبيتها لمرشحى الأكراد وحزب الشعب، فضلا عن إمعان حزب العدالة والتنمية في الرهان على عجز أحزاب عديدة عن تخطي حاجز 10% من الأصوات لدخول البرلمان.

"
ضعف أحزاب المعارضة شكل فرصة ذهبية أمام حزب العدالة والتنمية لتأكيد هيمنته على المشهد السياسي التركي بجدارة، فيما جاءت أهم الأحزاب المنافسة بعده بفارق كبير
"

ويمكن الادعاء بأن ضعف أحزاب المعارضة قد شكل فرصة ذهبية أمام حزب العدالة والتنمية لتأكيد هيمنته على المشهد السياسي التركي بجدارة، فيما جاءت أهم الأحزاب المنافسة بعده بفارق كبير، إذ حل حزب الشعب الجمهوري ثانيا في الانتخابات بحصوله على نسبة 26% من الأصوات، أي ما يزيد قليلا عن نصف الأصوات التي نالها حزب العدالة والتنمية ما منحه 135 مقعدا، رغم أنه قطع آلاف الكيلومترات في الحملة الانتخابية يفوق ما قطعه أردوغان كما تبنى مواقف مغايرة ومثيرة حيال التدين والقضية التركية والاتحاد الأوروبي، فتحت عليه أبواب الجحيم داخل الحزب.

ثم جاء ثالثا حزب الحركة القومية بنسبة 13.24% من الأصوات، أي 53 مقعدا، ثم المستقلون الأكراد بنسبة 6.6% أي 36 مقعدا، بينما أخفقت أحزاب أخرى عديدة من بين 17 حزبا سياسيا خاض مرشحوها الانتخابات في تخطي عتبة 10% من الأصوات. ولم يكتف حزب العدالة بحصد غالبية أصوات الناخبين الأتراك في الداخل فقط، وإنما انتزع غالبية أصوات أتراك الخارج، حيث حصد 61% منها، في حين حصل حزب الشعب الجمهوري على 26%، وحزب الحركة القومية على 8%.

وفيما خسر حزب الشعب الجمهوري الأتاتوركي عددا من أصوات أهم قلاعه كأنطاليا ومرسين وهاتاي بعد أن ذهبت إلى حزب العدالة والتنمية، بدأت تتعالى أصوات مناهضة لسياسات ومواقف رئيسه الجديد كمال كليشدار أوغلو مطالبة بعقد مؤتمر حزبي طارئ للإطاحة به والعودة إلى السياسة والمبادئ القديمة للحزب الملتزمة بأيديولوجيا أتاتورك، بحجة فشل التغييرات والإصلاحات المثيرة للجدل التي انتهجها كليشدار في تحقيق النتيجة الطموح المرجوة في الانتخابات التي وعد بها كليشدار، إذ لم تسفر إلا عن زيادة نسبة الأصوات التي حصدها الحزب بواقع ثلاث نقاط فقط.

أسباب التراجع
يعود تواضع أداء المعارضة التركية في الانتخابات البرلمانية الأخيرة لأسباب عديدة أهمها:

- جمود برامجها وأفكارها، فقد أبت تلك الأحزاب إلا التماهى مع الجيش، كما بقيت أسيرة التوجه التقليدى المتمثل في هدف إقصاء حزب العدالة والتنمية عبر تخفيض نسبة نجاحه والحيلولة دون تمكنه من البقاء في الحكم، ومباشرة سياسة تخويف الشعب وتفزيع الخارج من سياسة حزب العدالة والتنمية و"أجندته الخفية" الرامية إلى أسلمه الدولة التركية وتقويض أركانها العلمانية.

ولم تتردد أحزاب المعارضة في الدفاع عن "الدولة العميقة" أو "الخفية" ممثلة في عصابة أرغنيكون، التي أقامت دولة داخل الدولة، وتألفت من العناصر القومية المتعصبة وبعض كبار الضباط في الجيش وعصابات المافيا التي مارست التصفيات الجسدية بحق من عدتهم خطرين على الأيديولوجيا الطورانية المتشددة.

وقد دافع زعيم حزب الشعب الجمهوري المعارض عن المعتقلين من أرغنيكون، رغم تورطهم في جرائم وخطط غير شرعية للإطاحة بحكومة العدالة والتنمية وتصفية قوى وشخصيات كردية ويسارية وإسلامية.

"
تناهض أحزاب المعارضة الخطوات التي قامت وتقوم بها حكومة العدالة للانفتاح على دول الجوار والتقارب مع الاتحاد الأوروبي والسعي في حل المشكلة الكردية
"

كما تناهض أحزاب المعارضة الخطوات التي قامت وتقوم بها حكومة العدالة للانفتاح على دول الجوار والتقارب مع الاتحاد الأوروبي والسعي في حل المشكلة الكردية.

ولا تتورع عن اتهام الحكومة بالعمالة للغرب وأميركا والتفريط بالسيادة الوطنية والاستسلام أمام حزب العمال الكردستاني والخنوع للوبي الأرمني.

وتعزف هذه الأحزاب على وتر التعصب القومي والاعتزاز بالعرق التركي، ومن ثم تمضي في إهانة القوميات غير التركية والاستخفاف بلغاتها وثقافاتها وتراثها، وتبرر ذلك بكبح جماح مساعيها لتدمير الأمة التركية.

وبذلك، عجزت أحزاب المعارضة التركية عن تجاوز ذلك المقصد الضيق وتقديم تصور شامل أو رؤية متكاملة لتسوية مشاكل البلاد وملامسة تطلعات ومطالب الجماهير، مثلما فعل حزب العدالة، الذي طرح برنامجا انتخابيا طموحا تضمن رؤية متكاملة لتحديث تركيا وتنميتها سياسيا واقتصاديا حملت شعار "الهدف جاهز: تركيا 2023"، وهو العام الذي سيترافق مع الذكرى المئوية لتأسيس الجمهورية التركية الحديثة على يد مصطفي كمال أتاتورك.

- تفاقم الفساد في صفوف المعارضة، ففي حين كان حزب العدالة يطهر صفوفه من الفاسدين والانتهازيين ولا يتورع عن تجديد دمائه عبر تغيير 60% من كوادره الذين خاضوا الانتخابات مفسحا المجال أمام النساء والشباب والأقليات، ظلت الفضائح الأخلاقية تحاصر أحزاب المعارضة.

فقبل شهر من إجراء الانتخابات البرلمانية الأخيرة، تواصلت عملية سقوط رموز المعارضة على أثر تورطهم في فضائح جنسية مصورة، بدأت مع رئيس حزب الشعب السابق دنيس بايكال قبل عام مضى، حيث استقال خمسة أعضاء بارزين في حزب الحركة القومية، الذي يمثل أقصى اليمين، على خلفية فضائح جنسية وسياسية، ليرتفع بذلك عدد الأعضاء الذين قدموا استقالتهم من الحزب بسب تلك الفضائح إلى تسعة، إذ نشرت مجموعة غامضة من النشطاء تسمي نفسها "القوميين المختلفين" صورا فاضحة على الإنترنت لأربعة أعضاء آخرين في الحزب، مما دفعهم لتقديم استقالاتهم، وهو ما تسبب في إرباك ثاني أكبر قوى المعارضة في البلاد بينما كان يستعد للانتخابات البرلمانية.

- لا تزال الصحوة التي أظهرتها أحزاب المعارضة الرئيسية في العامين الأخيرين منحصرة في مجرد خطب وتصريحات ومشاريع على الورق فقط، كما لم تتوغل الإصلاحات التي شهدتها بعض تلك الأحزاب في أعماقها المفعمة بالمشاكل والهموم المزمنة.

فحزب الشعب الجمهوري الذي تسلم السلطة عام 1925 بعدما حظرت الأحزاب السياسية الأخرى، وأمضى فيها ربع قرن كامل قبل أن يطيح به الحزب الديمقراطي بزعامة عدنان مندريس في العام 1950 ويبقى في السلطة حتى العام 1960، فشل في العودة إلى الحكم مرة أخرى بعد انشقاقات وأزمات داخلية، ولم يعد للسلطة إلا من خلال انقلابات عسكرية ودخول الجيش على خط اللعبة.

ومع ظهور حزب العدالة والتنمية ووصوله للسلطة عام 2002، توارى الحزب الجمهوري عن الساحة ولم يتسن له الإطاحة بحزب العدالة والتنمية عبر عملية انتخابية ديمقراطية، كما فشل في عرقلة مسيرة حزب العدالة والتنمية الإصلاحية ولم تفلح مساعيه لإبعاده عن السلطة أو تجميد نشاطه من خلال القضاء.

"
يمكن إرجاع أزمة حزب الشعب إلى الفضائح والإفلاس السياسي وهيمنة "البيكالية" على مراكز القرار والإدارة فيه لسنوات طويلة
"

ويمكن إرجاع أزمة حزب الشعب إلى الفضائح والإفلاس السياسي وهيمنة "البيكالية" على مراكز القرار والإدارة فيه لسنوات طويلة، فضلا عن اتساع الهوة بينه وبين الجماهير التركية بسبب إخفاقه في الاقتراب من مشاكلهم وغرقه في الدفاع عن العلمانية والكمالية من خلال تحالفه أو زواجه الكاثوليكي الذي بات ممقوتا مع كل من الجيش والقضاء.

ورغم الإطاحة ببايكال إثر فضيحة جنسية ومجىء كليشدار أوغلو، لم يتمكن حزب الشعب من تجاوز أزماته المزمنة بسبب الصراع الداخلى الذي تأجج بين كليشدار والأمين العام للحزب أوندير صاف، الذي لم يتقبل انتخاب كمال كيليتشدار أوغلو لزعامة الحزب واستمر يتصرف كوصي عليه تمهيدا للإطاحة به والحلول محله، ليبدو الأمر داخل الحزب وكأنه معركة كسر عظام بين تيارين رئيسيين: أحدهما تجديدي يتزعمه كليشدار أوغلو، ويحاول تقريب الحزب من الجماهير لا سيما الفئات العلمانية المعتدلة منها توطئة للحصول على دعمها بغية اللحاق بحزب العدالة والتنمية الإصلاحي ووضع حد لهيمنته على السلطة. والآخر خطاب تقليدي يمثله أوندير صاف، ويريد إبقاء صورة الحزب الصارمة في دفاعها عن القيم العلمانية المتشددة ومنع سقوط البلاد في قبضة الإسلاميين.

وبذلك بدت المعارضة التركية كمن يسبح عكس التيار أو يغرد خارج السرب، ما حملها على الإخفاق في وقف مسيرة حزب العدالة نحو تحقيق إنجاز تاريخي والاحتفاظ بالسلطة منفردا للمرة الثالثة على التوالي وبحصيلة أصوات متنامية، وهو ما يخوله المضي قدما في مواصلة العزف المنفرد لإرساء دعائم جمهورية جديدة في تركيا.

المصدر : الجزيرة

التعليقات