ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني


تجليات الحراك الشبابي
محاكاة التجربة الفيسبوكية
التناغم مع القيم والطرائق النضالية
إغناء المحتوى الديمقراطي

منذ اندلاع الثورات الشعبية العربية، التي جاءت على حامل شبابي، بدا أن ثمة شيئا جديدا يشتعل، وأفقا جديدا ينفتح عند الفلسطينيين، وبالأخص لدى قطاعات الشباب عندهم.

ورغم ظروفهم الخاصة، الصعبة والمعقدة، فقد حاول شباب فلسطين استلهام الثورات العربية، والتناغم معها، إنْ من خلال القيم التي حملتها، أو من خلال الأدوات التي اشتغلت عليها. وقد تجلى ذلك في الحراكات الشبابية التي تمركزت حول عدة أهداف وشعارات من مثل: "الشعب يريد إنهاء الانقسام" و"الشعب يريد إنهاء الاحتلال" و"الشعب يريد العودة" و"الشعب يريد إسقاط الفصائل" و"الشعب يريد التمثيل" (أي الانتقال من نظام المحاصّة الفصائلي إلى النظام الانتخابي التمثيلي).

تجليات الحراك الشبابي
وقد شهدنا أن هذه الحراكات توّجت بخطوات عملية، جريئة وشجاعة ومباشرة، إذ إن الحراك الشبابي من أجل إنهاء الانقسام في الساحة الفلسطينية، والذي تمثل في مظاهرات واعتصام في الأراضي المحتلة (يوم 15/3) للضغط على قيادتي فتح وحماس، توّج مؤخرا باتجاه الطرفين المعنييْن لعقد اتفاق المصالحة الوطنية.

أما الحراك من أجل حق العودة فقد تمثل بتحرك مجموعات كبيرة من الشباب الفلسطينيين إلى الحدود (في لبنان وسوريا والأردن وفي مصر وكذا في الضفة والقطاع ومناطق 48) في مظاهرة رفعت فيها الأعلام وأطلقت فيها الشعارات، ووصل الأمر حد قيام عشرات الشبان باقتحام الحدود، رغم أنف الجيش الإسرائيلي، والدخول إلى بلدة مجدل شمس (في الجولان السورية المحتلة)، بل إن أحد الشباب وصل إلى مدينة والديه (يافا).

"
الحراكات الشبابية من أجل إنهاء نظام المحاصّة لم تهدأ، وثمة دعوات وشبكات على الفيسبوك تدعو الفلسطينيين إلى وضع حد نهائي لهيمنة الفصائل على النظام الفلسطيني
"
أيضا، فإن الحراكات الشبابية من أجل إنهاء نظام المحاصّة لم تهدأ، وثمة دعوات وشبكات على الفيسبوك تدعو الفلسطينيين إلى وضع حد نهائي لهيمنة الفصائل على النظام الفلسطيني، وإقامة نظام سياسي جديد يتأسس على التمثيل، على أساس الانتخابات، بما يؤسس لحياة ديمقراطية فلسطينية سليمة.

بدورها فإن الهبة الشعبية التي حدثت يوم 6/6 في مخيم اليرموك (قرب دمشق)، التي تخللتها أعمال عنف مؤسفة ومدانة، رفعت شعار "الشعب يريد إسقاط الفصائل"، في نوع من التبرّم من حال الفصائل العاجزة، التي باتت مستهلكة، وكردة فعل غاضبة على ما تم اعتباره استهتارا منها بحياة الشباب، الذين قضى 23 منهم (وجرح حوالي 300) في محاولتهم تكرار التجربة الأولى للعودة عبر الجولان السورية.

ومعلوم أن الجماهير الغاضبة استفزها أيضا قيام بعض القياديين بمحاولة إلقاء كلمات في نهاية تشييع الشهداء، حيث ردت على ذلك بطريقة عنيفة، الأمر الذي استدعى قيام بعض المرافقين والحراس بإطلاق النار في الهواء، مما أشعل غضبة شعبية عارمة وعنيفة، نجم عنه مصرع عدة أشخاص وحرق مقر لأحد الفصائل.

محاكاة التجربة الفيسبوكية
بديهي أن الحراكات الشبابية الفلسطينية تحاول التناغم مع التجارب الشبابية في الثورات العربية على مختلف الأصعدة، وضمن ذلك استثمار الطاقة الهائلة على التواصل والتفاعل، والتعبئة والتنظيم والتحشيد، التي تتيحها الشبكة العنكبوتية (فيسبوك وتويتر ويوتيوب). والحاصل أن هذه الشبكة الإلكترونية باتت بمثابة حزبية فعالة، بل ربما إنها باتت بمثابة الشكل الجنيني للأحزاب المعاصرة.

وتتميز هذه التجمعات (الحزبية) الافتراضية بأن عضويتها مفتوحة وغير مشروطة، وأنها تضمن أعلى قدر من الديمقراطية لمنتسبيها، وأنه لا توجد هرمية أو تراتبية قيادية فيها، فهنا العضوية أفقية، متساوية ومتكافئة.

ومعلوم أن الأحزاب الشمولية بنيّت بطريقة هرمية لترسيخ الروح الفوقية والوصائية والاستبدادية، بحيث حلّ الحزب محل الشعب، والمكتب السياسي محل الحزب، والزعيم محل المكتب السياسي، الذي لا يتغير فيه الزعيم إلا بقضاء الله وقدره (وهذا ما حصل في تجربة الاتحاد السوفياتي والصين وكوبا واليمن الديمقراطي لمن يريد أن يتذكره!).

ويتميز الانتماء إلى هذه الجماعات والشبكات في الفضاء الافتراضي الإنترنيتي، بأنه لا ينطوي على امتيازات معينة، وأنه ينبني على الانضواء للدفاع عن مصالح عامة وقيم إنسانية، وأنه يقلص الزمان والمكان، ويتجاوز الحدود الدولتية والهوياتية، ولا يفترض الكثرة العددية. أيضاً، فإن ميزة هذه الشبكات والجماعات أنها تعطي حرية المبادرة لكل الأعضاء والمنتسبين، وتتيح لأصحاب المبادرة البروز والتميز (لا القيادة)، بغض النظر عن السن والجنس والقوة والهوية والدين والمستوى الاجتماعي والدرجة العلمية.

"
الشباب الفلسطيني، ومن خلال مشاركتهم في شبكات التواصل الاجتماعي، استطاعوا التحايل على واقع التشظّي الجغرافي والسياسي
"
هكذا يمكننا أن نشهد أن ثمة قطاعات واسعة من الشباب الفلسطيني باتت موجودة على شبكات التواصل الاجتماعي، وهي من خلال ذلك تحاول أن تعوض عن الفراغ السياسي والتنظيمي الذي تعيش فيه، بسبب عجز كياناتهم السياسية وترهلها، وأيضا بسبب عدم ملاءمتها لاستيعاب ثقافتهم وطموحاتهم.

وبديهي فإن الشباب الفلسطيني، ومن خلال مشاركتهم في شبكات التواصل الاجتماعي، استطاعوا التحايل على معضلتين أساسيتين، بالنسبة لهم، تتمثلان بواقعي التشظّي الجغرافي والسياسي.

التناغم مع القيم والطرائق النضالية
لم يتبن الشباب الفلسطينيون في حراكاتهم طرائق التجارب الشبابية في الثورات العربية، وإنما تبنوا، أيضا، القيم التي طرحوها في هذه التجارب.

مثلا تبنى الشباب الفلسطينيون في حراكاتهم الطرائق السلمية والديمقراطية في التعبئة والضغط من أجل التغيير. صحيح أن الفلسطينيين اعتمدوا هذا النمط إبان انتفاضتهم الأولى (1987-1993)، ولكن الثورات الشعبية العربية هي التي حضتهم على العودة إلى هذا الاتجاه، وتكريسه كشكل نضالي، إن في مواجهة إسرائيل، أو من أجل إحداث تغييرات إيجابية في النظام السياسي الفلسطيني.

وعبر شبكات التواصل الاجتماعي الإلكترونية هذه، بات للفلسطينيين "سلاح" جديد، يمكن لهم استخدامه في كفاحهم من أجل حقوقهم، وهو شبكة الإنترنت بتفرعاتها، وأهمية مثل هذا السلاح أنه متاح للجميع، فهو سلاح فردي وجماعي بنفس الوقت، فضلا عن أنه سهل وغير مكلف، ولا يتضمن تبعات معينة، لا مادية ولا جسدية.

عدا عن كل ما تقدم، فنحن نتحدث هنا عن سلاح شرعي، وعلني، وديمقراطي، وسلمي، وهو سلاح مؤثر إلى درجة أنه يحيّد الآلة العسكرية الإسرائيلية، ويجعلها غير ذات قيمة في مواجهته، وأنه يخترق كل الحدود والتحصينات والحواجز الجغرافية والبشرية والسياسية.

ماذا يعني ذلك؟ هذا يعني أن هذه الشبكات، التي تجاوزت السلطة والفصائل، يمكن أن تصنع انتفاضة ثالثة من نوع آخر، حيث ثمة تحليلات إسرائيلية تحذر من أن رياح الثورة والتغيير، التي هبت على العالم العربي، لن تقف عند حدود فلسطين، فماذا ستفعل إسرائيل في مواجهة طوفان من ثورة شعبية سلمية، وهادئة، ذات ملامح ديمقراطية، وعابرة للحدود؟ ولعله من المفيد تجربة ذلك فعلا.

إغناء المحتوى الديمقراطي

"
شبكات الإنترنت مكنت جمهور الشباب الفلسطيني، وقبله الشباب العربي، من تجاوز الأطر السياسية المتكلسة والمتسيدة منذ عقود من الزمن
"
منذ البداية بدا واضحا تبني الحراكات الشبابية الفلسطينية مبدأ الديمقراطية، كقيمة ثقافية وسياسية، إن بشأن إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني، أو فيما يتعلق باعتماد الديمقراطية كأساس ناظم للحياة السياسية عند الفلسطينيين، في علاقاتهم البينية، وبالنسبة لمفهومهم عن الحل النهائي لصراعهم مع عدوهم.

والحاصل أن هذه الشبكات مكّنت جمهور الشباب الفلسطيني، وقبله الشباب العربي، من تجاوز الأطر السياسية المتكلسة، المتسيدة منذ عقود من الزمن، مما يسهل ويمهد لخلق أطر جديدة قد تتجاوز ما هو موجود من حيث الخطابات والبنى وأشكال العمل (كما دلت على ذلك تجارب تونس ومصر واليمن).

هكذا فمع هذه الشبكة العنكبوتية، وتفرعاتها من فيسبوك وتويتر ويوتيوب وسكايب وغوغل، ذات الأبعاد التواصلية والتفاعلية، يحاول النشطاء الفلسطينيون إعادة بناء مجالهم المجتمعي والسياسي، بالصوت والصورة والكلمة المكتوبة، على الشبكة الافتراضية، بعد أن حرموا منها على أرض الواقع، بسبب وجود إسرائيل، وجمود الحال السياسية في الساحة الفلسطينية، وطغيان حال الاختلاف والانقسام فيها.

طبعا، لا يعني ذلك أن الفيسبوك، وما شابهه، يمكن أن يحل محل الإطارات السياسية، أو محل المؤسسات في المجتمع، أو محل النضال الشعبي ضد الاحتلال على الأرض، لكن القصد هنا لفت الانتباه إلى حقيقة مفادها أن الفلسطينيين كانوا، على الدوام، محكومين بالواقع الافتراضي، وأنهم ظلوا يسعون لتحويل الحالة الافتراضية إلى واقعية.

كما يمكن تلمس أثر القيمة الديمقراطية في تحول الفلسطينيين نحو إضفاء طابع تحرري ديمقراطي إنساني على خطاباتهم لاستعادة حقوقهم. صحيح أن هذه المفاهيم لم تغب تماماً عن خطاباتهم، خصوصاً في الخيارات المتعلقة بحل الدولة الواحدة الديمقراطية العلمانية، لكنها باتت اليوم أرسخ، وأقوى، بعد أن تحولت إلى خطابات شبه شعبية، يتم تداولها عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بين أجيال الشباب التي تتوق لمحاكاة العالم.

"
الانتفاضة الثالثة، إن جاز التعبير، ستكون في اتجاهات عدة، أي ليست ضد إسرائيل فحسب، وإنما هي موجهة أيضاً إلى النظام الفلسطيني
"
هكذا لم يعد المفهوم الإقليمي (الأرض) للتحرر الوطني، والذي يتمحور حول الاستقلال في دولة في الضفة والقطاع فقط، كافياً أو مقنعاً للأجيال الشابة والمتعلمة. فتجربة دول الاستقلالات العربية لا تشجع على ذلك تماماً، ثم إن هذا لا يحل كل الأمور، ولا يلبي المطالب المتعلقة بالتحرر والديمقراطية والعدالة.

والمعنى أن الحراكات الشعبية، والشبابية أساسا، هي بمثابة إرهاصات لتوليد حركة وطنية جديدة، أو نظام سياسي فلسطيني جديد، وأن هذه الولادة مرهونة بمدى تجاوب أو معاندة القديم للجديد، وبمدى معاندة وقوة المولود الجديد.

وعليه فإن الانتفاضة الثالثة، إن جاز التعبير، ستكون في اتجاهات عدة، أي ليست ضد إسرائيل فحسب، وإنما هي موجهة، أيضاً، إلى النظام الفلسطيني وشكل الحركة الوطنية ونمط التفكير السياسي الفلسطيني.

الشباب قادمون في الساحة الفلسطينية أيضا.

المصدر : الجزيرة

التعليقات