بشير الأنصاري

بشير الأنصاري

بشير الأنصاري


وتداعت الأكلة إلى قصعتها
فرص النجاح والفشل
أرجوحة الموازنة الإستراتيجية

في اليوم الذي كان وزير الداخلية الإيراني مصطفى محمد نجار يزور العاصمة الأفغانية (8 مارس/ آذار 2011) ليلتقي بالمسؤولين الكبار في كابل وليدق جرس الإنذار على مسامعهم محذرا من عقد معاهدة تسمح للقواعد العسكرية الأميركية بالبقاء في أفغانستان، ظهر الرئيس حامد كرزاي ليشير إلى فكرة عقد معاهدة إستراتيجية مع الولايات المتحدة الأميركية.

وتداعت الأكلة إلى قصعتها
بعد مرور شهر من تلك الإيماءة عقد مؤتمرا صحفيا في 11 أبريل/ نيسان ليعلن عن استكمال المشاورات بشأن الوثيقة المتعلقة بالعلاقات الإستراتيجية بين البلدين وعن الاتفاق حول أسماء الذين يقومون بتعيين المشاركين في المجلس القبلي الأعلى "لويه جرغا" الذي من المتوقع أن يعقد خلال الأشهر الثلاثة القادمة للتصديق على هذه المعاهدة.

وبعد مرور أقل من أسبوع (16 أبريل/ نيسان) على هذا الإعلان قام يوسف رضا جيلاني رئيس وزراء باكستان والوفد الباكستاني المشكل من وزراء حكومته وقادة الجيش بزيارة إلى العاصمة الأفغانية طالبا عقد معاهدة إستراتيجية باكستانية أفغانية.

ثم لم يمض شهر على هذه الزيارة وإذا برئيس الوزراء الهندي مانموهان سينغ يزور أفغانستان (12 مايو/ أيار) ليضع أسس التعاون الإستراتيجي بين الهند والدولة الأفغانية. وفي 14 مايو/ أيار وبعد مرور يومين فقط من زيارة الوفد الهندي شهدت العاصمة كابل وصول رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي السناتور جون كيري  ليبحث تفاصيل المعاهدة الإستراتيجية بين الولايات المتحدة وأفغانستان.

"
في أقل من شهر شهدت العاصمة الأفغانية زيارة ثلاثة وفود عالمية للتنافس على عقد معاهدات إستراتيجية مع أفغانستان
"
وهكذا وفي مسافة زمنية أقل من شهر شهدت العاصمة الأفغانية زيارة ثلاثة وفود عالمية للتنافس على عقد معاهدات إستراتيجية مع أفغانستان أهمها الاتفاقية الأميركية الأفغانية التي أثارت جدلا واسعا في داخل أفغانستان وخارجها.

السؤال الذي يمكن طرحه: ما هي فرص نجاح أو فشل مشروع المعاهدة؟ وما هي الدروس والعبر التي يمكن استخلاصها من تجربة المعاهدات الإستراتيجية بين الحكومات الأفغانية السابقة والقوى الدولية الكبرى لقرن وربع قرن من الزمان استقراء للماضي واستشرافا للمستقبل؟

فرص النجاح والفشل
لقد طرح الرئيس كرزاي خلال سنوات حكمه وفي أكثر من مناسبة فكرة المعاهدة الإستراتيجية مع الولايات المتحدة ليجس نبض الرأي العام الأفغاني وفي كل مرة لم يوفق في تمرير المشروع ولو حتى في صفوف أنصاره ومؤيديه وأعضاء حكومته مثل وزير الطاقة محمد إسماعيل خان بالإضافة إلى عدد كبير من أعضاء البرلمان.

والبرلمان حسب المادة رقم 81 من الفصل الخامس للدستور الأفغاني يعتبر أعلى سلطة تشريعية تبلور إرادة الشعب، ومن صلاحيته حسب المادة 90 التصديق على المعاهدات والمواثيق الدولية أو فسخ عضوية البلاد فيها.

وبما أن توقيع المعاهدات مسألة حقوقية تندرج تحت صلاحيات السلطة التشريعية، وبما أن عددا من أعضاء السلطة التشريعية أبدوا استياءهم من هذه المعاهدة وقام البرلمان باستدعاء رئيس مجلس الأمن القومي وعدد من الوزراء الآخرين لجلسات الاستماع حول الموضوع، قام الرئيس كرزاي بالقفز فوق الدستور والبرلمان وكلف وزير ماليته الأسبق أشرف غني أحمد زي لبدء إجراءات عقد لويا جرغا "المجلس القبلي الأعلى" لتمرير المعاهدة، وهو يدرك جيدا أن أعضاء المجالس القبلية الأعلى ينتخبون بطرق بدائية وأساليب قديمة تفتقد الشفافية والنزاهة مما أتاح للحكومات الأفغانية على امتداد تاريخ البلاد أن تؤثر في اختيار أعضائها وعلى قراراتهم ومن ثم تستخدمها مطية لتحقيق أغراضها.

إذا نجحت الحكومة الأفغانية في تمرير المعاهدة عن طريق المجلس القبلي "لويا جرغا" وتمكنت من إسكات الأصوات المعارضة في داخل النظام فإنها لن تقدر أن تتغلب على التحديات الخارجية المتمثلة في القوى الإقليمية التي أعلنت رفضها لهذه المعاهدة.

فقد جاء الرد الإيراني على لسان الناطق باسم وزارة الخارجية الإيرانية حيث اعتبر المعاهدة مضرة بأمن المنطقة. أما الجار الباكستاني فقد بعث وفدا يقوده رئيس الوزراء حاملا مشروعا إستراتيجيا بين البلدين وطالبا فتح المجال أمام اللاعب الصيني للدخول في حلبة الصراع والحلول محل اللاعب الأميركي.

وعندما قوبل العرض الباكستاني بالبرود، جاء الرد قويا حسب تصريح وزير الداخلية الأفغاني خلال جلسة الاستماع أمام لجنة شؤون الدفاع في البرلمان حيث قال إن الحديث عن توقيع اتفاقية المعاهدة الإستراتيجية بين أفغانستان والولايات المتحدة الأميركية يعتبر من العوامل الأساسية التي أدت لارتفاع وتيرة الهجمات في الفترة الأخيرة.

وأما فيما يتعلق بالجار الروسي الذي ظل يحتفظ بنفوذه في الجمهوريات الإسلامية المحاذية للحدود الأفغانية، فقد أبدى معارضته الشديدة لمعاهدة تعطي مشروعية قانونية لإنشاء القواعد الأميركية الدائمة على تراب أفغانستان. وإذا نجح الرئيس كرزاي ومجموعته في إعطاء المعاهدة غطاء تشريعيا في الداخل فإن من المتوقع أن تواجه حكومته تحديات قاتلة.

"
إذا نجح الرئيس كرزاي ومجموعته في إعطاء المعاهدة الإستراتيجية مع أميركا غطاء تشريعيا في الداخل فإن من المتوقع أن تواجه حكومته تحديات قاتلة من الخارج
"
إن أفغانستان من الدول القليلة في العالم التي تفتقد المنافذ البحرية ومن السهل أن تواجه حصارا من الجار الجنوبي/ الشرقي "باكستان" والجار الغربي "إيران" بالإضافة إلى إمكانية قطع خطوط الإمداد عبر الجمهوريات الإسلامية في الشمال والتي مازالت تدور في فلك روسيا.

هذا الحصار يمكن أن يخنق قوات التحالف والحكومة الأفغانية معا. كما أن قطع الطاقة الكهربائية التي تستورد من هذه الجمهوريات لتزويد العاصمة ومدن أفغانية أخرى بالكهرباء يمكن أن يسدل ستار الظلام على كابل ومدن أخرى بأكملها.

ومن الممكن للجيران الثلاثة، باكستان وإيران والصين، أن يضعوا نهاية لفكرة مشروع أنبوب الطاقة الأميركي الذي يراد منه ربط آسيا الوسطى بالمحيط الهندي عبر الأراضي الأفغانية والباكستانية وبذلك يفتح الطريق أمام المشروع الإيراني المنافس الذي سمي بأنبوب السلام والذي من المقرر أن يربط كلا من إيران وباكستان والصين.

أرجوحة الموازنة الإستراتيجية
إن الفلسفة الوجودية للدولة الأفغانية التي أسست على يد الأمير عبد الرحمن خان في نهاية القرن التاسع عشر قامت على مبدأ الحياد في علاقاتها الدولية وأريد منها أن تلعب دور الجدار الفاصل والمنطقة العازلة بين القوتين العظميين، الهند البريطانية وروسيا القيصرية.

وباستقرائنا لمدة قرن وربع قرن من تاريخ البلاد يمكننا استخلاص العلاقة المباشرة بين حياد الدولة الأفغانية في علاقاتها الدولية من طرف والأمن القومي من طرف آخر؛ ومن ثم درجة الاستقرار تتحدد حسب قدرة الدولة على الاحتفاظ بعلاقاتها الخارجية المتوازنة.

فأول معاهدة أمنية خلال القرن وربع القرن الأخير تمت بين الأمير شيرعلي خان وروسيا القيصرية، وهو الأمير الذي حكم البلاد لفترتين منفصلتين بين عامي (1963) و(1979) الميلادية واقترب من الروس على حساب الإنجليز، ولكنه لم يستطع الصمود أمام خصمه عبد الرحمن (1880-1901) الذي راعى التوازن في بداية حكمه بين القوتين العظميين ولكنه سرعان ما بدأ يميل إلى الجانب البريطاني مقابل معاهدة أمنية ودعم مالي وعسكري لبناء الجيش والشرطة والإدارة. فخلال حكم عبد الرحمن وابنه حبيب الله (1901-1919) لم تكن للبلاد علاقات خارجية إلا مع بريطانيا العظمى التي كانت تزودهما بالمال والسلاح.

"
باستقرائنا لمدة قرن وربع قرن من تاريخ أفغانستان يمكننا استخلاص العلاقة المباشرة بين حياد الدولة في علاقاتها الدولية من طرف والأمن القومي من طرف آخر
"
وبعد مقتل الأمير حبيب الله جاء ابنه أمان الله خان (1919-1929) ليحول وجهة البلاد نحو الروس والثورة البلشفية بقيادة لينين. وفي أعقاب الانتفاضة الشعبية ضد سياسات أمان الله المعارضة للدين وبعد الفترة القصيرة لحكم الأمير حبيب الله الكلكاني ظهر نادر شاه (1929-1933) على مسرح الأحداث مرجحا كفة بريطانيا التي دفعت به إلى سدة الحكم بالمال والسلاح إلا أنه اغتيل ودفع ثمن انحيازه للدولة البريطانية.

ومن بعده تولى الحكم ابنه ظاهر شاه (1933-1973) الذي أدرك أهمية التوازن في علاقات البلاد الخارجية واستطاع أن يحافظ على حياد أفغانستان أثناء الحرب العالمية الثانية وطوال فترة حكمه التي استمرت لأربعة عقود من الزمان، وهي أطول فترة يحكمها ملك في تاريخ البلاد الملطخ بدماء الملوك والسلاطين.

بعد إسقاط الملك ظاهر شاه جاء ابن عمه محمد داود ومن بعده قادة الحزب الشيوعي (1973-1992) ليضعوا البلاد مرة أخرى في مدار الاتحاد السوفياتي. وبعد أربعة عشر عاما من الجهاد وهزيمة الجيش الأحمر جاء المجاهدون ثم ظهرت حركة طالبان (1992-2001) لتدخل أفغانستان مرحلة اللااستقرار في علاقاتها الدولية.

وبعد إسقاط إدارة طالبان وحكومة المجاهدين (2001) اللتين تزامن سقوطهما: الأول عن طريق الآلة العسكرية الأميركية والثاني بواسطة الدبلوماسية الأميركية؛ جاء الرئيس كرزاي ليفتح أبواب البلاد أمام قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأميركية مضحيا بحياد البلاد ومخلا بعلاقاتها الخارجية المتوازنة.

في أعقاب حادثة 11 سبتمبر/ أيلول لعام 2001 تمكنت الدبلوماسية الأميركية والآلة الإعلامية الغربية من خلق أجواء فتحت الطريق أمام قوات الاحتلال وذلك بحجة "الحرب على الإرهاب" وقتل بن لادن واجتثاث "القاعدة" ومن ثم أعطت دول المنطقة ضوءا أخضر للقوات الأميركية على حدودها لأنها جاءت لتنهي المهمة ثم ترحل، ولم تكن تشكل خطرا إستراتيجيا على مصالحها الوطنية الكبرى حسب قناعتهم آنذاك.

أما إقامة قواعد عسكرية دائمة ونصب آلات حربية غير تقليدية على المرتفعات الأفغانية المشرفة على الصين وباكستان وإيران وعلى حدود دائرة النفوذ الروسي فإنه يمكن أن يثير حساسية غير عادية في هذه الدول التي أعلن البعض منها أن مبرر البقاء للقوات الأميركية في المنطقة زال بعد مقتل زعيم القاعدة. إن التوقيع على هذه المعاهدة يمكن أن يوسع زاوية الخلاف بين الولايات المتحدة من طرف ودول المنطقة مثل باكستان وإيران وروسيا من طرف آخر.

لقد أعلن رئيس مجلس الأمن القومي في جلسة البرلمان أن الهدف من إبرام هذه المعاهدة هو ضمان الأمن والاستقرار الدائمين، والدولة الأفغانية ليست بحاجة إلى التشاور مع دول الجوار، ولا يحق لدول الجوار أن تستخدم "الفيتو" ضد توقيع المعاهدة.

والشواهد تقول بأن المعاهدة لا يمكن أن تحل مشكل الأمن بل يمكن أن تضع البلاد على فوهة بركان ناشئ من فعل المؤسسات الأمنية للدول المجاورة من جانب والشعور الشعبي المنبعث من تجربة الأفغان التاريخية في عقد المعاهدات الإستراتيجية مع القوى الكبرى من جانب آخر. وإن ارتفاع وتيرة العمليات ضد الحكومة الأفغانية وقوات حلف شمال الأطلسي خلال الشهرين الأخيرين الذي لم يسبق له مثيل منذ الإطاحة بنظام طالبان نهاية العام 2001، لخير شاهد على صحة هذا القول.

"
أرجوحة اللعبة الكبرى في المنطقة لا تتوقف إلا باعتدال العلاقات وتوازن السياسة الخارجية للدولة التي أراد القدر لجبالها الشاهقة أن تلعب دور الجدار العازل
"

وبعيدا عن ساحات الحرب هناك جهود دبلوماسية تبذلها قوى إقليمية لدفع الدولة الأفغانية إلى الدخول في معاهدات إقليمية. فقد أبدى وزير الخارجية الروسي ارتياحه من اشتراك الدولة الأفغانية كعضو مراقب في مؤتمر منظمة شنغهاي التي تجمع كلا من روسيا والصين وكزاخستان وقرغيزستان وطاجيكستان وأوزبكستان. كما أن باكستان قامت بإبرام اتفاقية التجارة والعبور مع أفغانستان وتم التوقيع عليها في 31 يونيو/ حزيران في كابل.

من الملاحظات الأساسية التي يمكن أن نسجلها من خلال استقرائنا للتاريخ الأفغاني أن أرجوحة اللعبة الكبرى في المنطقة لا تتوقف إلا باعتدال العلاقات وتوازن السياسة الخارجية للدولة التي أراد القدر لجبالها الشاهقة أن تلعب دور الجدار العازل بين القوى الإقليمية والدولية، تلك الجبال والقمم التي أطلق عليها الرحالة الإيطالي الشهير ماركوبولو اسم "سقف العالم".

المصدر : الجزيرة

التعليقات