مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول


صراع فلسفي عميق
الشرقي التركي الديمقراطي

العرب المتعطشون..إنهم يغنون
قطار الانتظار المستمر
الإقليم الآخر معادٍ

عدة مسارات شكلت ذلك الخطاب الوجداني العميق الذي ألقاه رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان ليل الأحد 12 يونيو/حزيران الجاري في كلمة النصر التي ينتظرها الشعب التركي بعد إعلان نتائج الانتخابات، وسَجلت لأول مرة فوز حزب تركي بثلاث دورات متتالية للتصدر, فضلا عن تسجيل الحزب لأكبر كتلة تصويتية ناخبة بلغت 50% من أصوات الناخبين، وهي نسبة نادرة في العملية الديمقراطية شرقا وغربا.

وكانت هتافات الشعب التركي مع الطيب رجب كما يحب العرب تسميته تَعبُر مضيق البسفور لتعلن تحدي الديمقراطية الشرقي الجديد لتسمعه أوروبا المستعلية وتعبر هناك مع صوت أذان منائر إسطنبول تقول للشرق الإسلامي عُدنا لمعانقتكم لكن بثوب التقدمية الإسلامي لا أساطيل العثمانيين إنما حنينهم وتضامنهم هكذا أعلنها العثمانيون الجدد.

صراع فلسفي عميق
وكان العالم يشهد صراعا غير معلن بين الهذر الكلامي النقيض للعدالة الإنسانية والمساواة التقدمية والكلمة الفاعلة لصناعة مشروع الديمقراطية الشرقي الجديد, فصورة الرئيس أوباما المتحدث الذي فأجا العالم ببلاغته أضحت أمام ترانيم أردوغان لحرية شعبه والشرق الإنساني اختبارا محرجا لتلك المواسم التي انتهت لدى واشنطن بأسوأ صورتين قدمهما للعالم الشرقي، وانهارت شخصية الرجل الذي أضحى بالفعل أنموذج جديد للإمبريالية الأميركية، لكن بلون بشرة سمراء كانت في التاريخ الإسلامي القديم تعامل أسلافه على أنهم سلاطين ورؤساء دول لا فرق بينهم وبين سلاطين البيض حين طافت لهم رسائل الدعوة والخلاص الإنساني.

"
سقط أوباما ليس فقط بما فعله مع بن لادن وإيباك وأفغانستان, بل بنفاق واشنطن مع الثورات التي اضطرت إمبراطورية البيت الأبيض لنفاقها بعد أن كانت أم الدعم لقاتليها
"
غير أن أوباما عاد مهزوما من هذه الرحلة فتفوّق البيت الأبيض الظالم للعالم الآخر على هذرة المحامي المتشدق بالإنسانية، وكان يؤكد ذلك في كل هتاف تصفق له إيباك الإسرائيلية يحيي فيه قتل شعب وتهجيره ويسخر من عودته لأرضه ويلغي 11 ألف أسير عند محتليه ويعلن الكرسي الأعظم تضامنه وتنديده بالجندي القاتل للأطفال والسارق للأرض ولا عزاء لديه للأطفال الشهداء.

ولذلك تحول المحامي الخطيب إلى أقصى درجات التشفي وإلغاء حق الأمم التاريخي الذي يحترم بعضها بعضا في قتلى الصراعات واغتال أسامة بن لادن وشوّه جثته ورفض أن يُدفن في الأرض أو أن يُسلّم لأهله, والغريب أن قوات المحامي الخطيب الذي دافع عن إمبريالية جيشه أخفت آخر شريط لأسامة بن لادن قبل استشهاده وحديثه عن الثورات وكانوا يظنون أنه لم يصل إلى خارج محيطه واتهموه بأشرطة رذيلة لا يتفوه بها أي محاربٍ نبيل.

ثم حين صدر الشريط على الجزيرة كانت المفاجأة أن لغة بن لادن لأول مرة تتحد مع مضامين الثورة المدنية الشعبية لدى العرب وتخاطبهم بكل مودة وتلغي أي برنامج عنيف دأبت القاعدة عليه دهرا، وكأنما كان يقول إنما كنت أسعى للحرية ويعتذر عن جرائم مقاتليه، في حين تشفّى زعيم البيت الأبيض من خلال طريقة قتله ورمي جثمانه في البحر على أمل أن ينسى الناس الحقيقة ويسمعهم جولة هذر جديدة عن الحرية والعدالة.

لكن أوباما سقط ليس فقط مما فعله مع بن لادن وإيباك وأفغانستان والقائمة تطول، بل بنفاق واشنطن مع الثورات التي اضطرت إمبراطورية البيت الأبيض لنفاقها بعد أن كانت أم الدعم لقاتليها ولمحرقي شعبها.

الشرقي التركي الديمقراطي
هنا يبرز لنا قائد الشرق الجديد فهو لم يَعُد يردد موقفه من أسطول الحرية الأوحد عالميا لكنه يعبر من الداخل التركي, يحاكي الشعب والخصوم والإنسانية ولا يسأم من تكرار نداء الحرية للشرق الحزين سوى أنه يطبقه تنفيذيا فيصطف الشباب والصبايا إسلاميين وعلمانيين يسمعون نبض الزعيم ويتراقصون على أغنيته التي أضحت أساس دستوره العملي وهنا الفرق.. سلام أيها الشعب أنا خادمكم لا سيدكم.

هذا النداء كان يقرؤه الأتراك في كل زاوية في حقوقهم الدستورية في مستواهم المعيشي في قيمتهم الحضارية في علوهم الإنساني بين الأمم بعد أن حوّل أردوغان نصره على الاستبداد العلماني والطغيان العسكري منهجا تنفيذيا لا يُقدّس حزبه بل يُعظّم شعبه ويهتف بهم ولهم.. إنه "مشروع الحرية لا أساوم عليه لأجل تركيا ولأجلكم" .

العرب المتعطشون..إنهم يغنون
وكانت انتخابات تركيا أهم لكل الشعوب العربية تحت الاحتلال القمعي أو المتطلعة لحصاد الحريات من أي انتخابات أخرى, كان الشارع العربي يخفق نبضه بغالبيته ماذا فعل أردوغان؟

والغريب أن إسلامييه وعلمانييه ووطنييه ورأيه العام البسيط كان ينتظر أردوغان المنتصر وكأنما يتساءل هل جاء الوعد المنتظر, فلقد شكّلت حركة الديمقراطية التركية والتقدمية الإسلامية بركانا ثوريا وجدانيا في المحيط الإقليمي وأسقطت قصة الدين الثيوقراطي القمعي أو التأليه الطائفي الخرافي , فكأن المنار التركي الجديد للشرق الإسلامي يقول إن مرتزقة هؤلاء وهؤلاء يرددون حفنة من الأكاذيب.. إننا لا نناور باسم الحرية بل نغامر في سبيلها ..إنهم يكذبون عليكم حين يسحقون حقكم وحريتكم باسم الدين المزيف.. إننا لا نزال مسلمين نهتف للحرية والعدالة والقانون.

"
شكلت حركة الديمقراطية التركية والتقدمية الإسلامية بركانا ثوريا وجدانيا في المحيط الإقليمي وأسقطت قصة الدين الثيوقراطي القمعي أو التأليه الطائفي الخرافي
"
هذا الصوت لفارس الشرق الجديد كان يخفِق في أبواب البؤس والحرمان التي ترزح تحت كهنوت الطغيان، ولذلك كان الرأي العام العربي لا ينتظر رياح الحرية فقط لتركيا التي يعلم أن تركيا الحرية كانت لفلسطين أقرب وإلى الشرق أحَنّ والى الثوار اخلص, ولو كانت لها مصالحها لكنّها بقيَت قريبة الأمل والعمل, ولنا أن نتصور تلك الحشود من الأطفال والنساء في جسر الشغور من كان يؤويهم لولا قصة الحرية في تركيا.

لكن ذلك كله لا يلغي حلم العرب القديم في أن هذه التجربة التركية التقدمية والإسلامية في أصولها بحكم الهوية الفكرية لمناضليها أن تقترب فتنبسط على أراضيهم رياح الديمقراطية الحقيقية، وهنا يعود لنا الفرق بين قصة ديمقراطية أميركا المزيفة التي شُكّلت للسلوك الغربي وللسلام مع تل أبيب وعانقت النظام الديكتاتوري العربي وبين إعلانات التجربة التركية العملية لجنّة الحرية.

قطار الانتظار المستمر
ندرك أن تركيا دولة إقليمية مركزية لها مصالح وحسابات، لكن ذلك لا يبرر حلقة التشكيك المركزية في مشروع أردوغان وإلغاء أي توجه إنساني إسلامي شرقي يحمله خطابه بل يستشعره الناس نحو قضايا العرب, خاصة في هذا التوقيت الدقيق الذي شكّلت فيه جريمة الحرب المروعة ضد الشعب السوري مسارين خطيرين، الأول حجم الاستباحة التي ينفذها النظام على الشعب مع الخيانة المركزية لتواطؤ القيادات العربية, والثاني خشية تدخل الأطلسي بأطماعه.

ولذلك توجه الرأي العام السوري والعربي الذي يعتمد أولا بعد الله بثقته في قيادة الثورة السورية المتطور والوحدوي والحضاري إلى مواقف داعمة نوعية من تركيا المتجددة بقيادة أردوغان, وتركيا هذه لديها قدرة فاحصة بعزل أي رؤى أطماع كانت تراود العسكر القديم مع الغوث الإنساني والسياسي والإعلامي والحقوقي الذي ينتظره العرب من أردوغان.

خاصة بعد تفاقم العلاقة بين نظام دمشق وحزب العدالة والتنمية والتي نظر لها كلا الشعبين والرأي العام العربي نظرة ارتياح مع خروج تصريحات أنقرة عن مراعاة نظام الأسد.

"
ندرك أن تركيا دولة إقليمية مركزية لها مصالح وحسابات لكن ذلك لا يبرر حلقة التشكيك المركزية في مشروع أردوغان وإلغاء أي توجه إنساني إسلامي شرقي يحمله
"
إن هذه القراءة هي من منظور رصد سياسي وإستراتيجي لمصلحة الشعب والثورة السورية وفقا للقاعدة المعرفية في التاريخ الإنساني، وهي أن تستفيد من أقرب وأصدق محيط لقضيتك لنصرتك، فكيف في حالة الاضطرار والحصار الذي تواجهه الثورة السورية, ومع ذلك تخترق الحصار فإذا ما التقاها الدعم التركي الذي ذكرناه حقق مفصل الانطلاق الأخير لحركة التحرير, وهذا الدعم أيضا يُعزّز عزل أي تدخل غربي لاستثمار أو احتواء الثورة والذي أظهرت قيادتها الميدانية وعيا مهما له في بيانها الذي عرض المرحلة الانتقالية, وفي ذات الوقت يترك النظام أمام الضغوط العالمية دون سداد لها تلزم به الثورة السورية.

فتركيا في هذه المعادلة مركز الرحى وتجربة العدالة والتنمية تتطابق مع هذا المنهج الذي لا يسعى للتورط العسكري المركزي، وهذا ما جرى مع الوحدات العسكرية التركية في أفغانستان -مع الفارق-، حيث سحبت من خطوط القتال مع المقاومة الأفغانية وطلب منها التفرّغ للإسناد التعليمي والصحي وتطور ذلك التحسن مع تزايد قدرات أردوغان التي لم تكتمل مع الجيش.

الإقليم الآخر معادٍ
وتعزز هذا التوازن التركي مع موقف إيران والحزب الموالي لها في لبنان الذي شدد على دعم النظام ومشروعه ضد الثورة والشعب وأعلن عداءه بصورة لم يسبق لها مثيل, وبأدوات تنفيذية إعلامية وسياسية ولوجستية.

فهذا التدخل الإيراني ضد الشعب عزز حيوية الإسناد الإنساني والإعلامي والسياسي لتركيا لمصلحة الشعب المحاصر, وهو في الحقيقة هتاف الضمير العربي اليوم المتسائل أمام جبال الضحايا والشهداء في سوريا ليطرح عليه أغنية المطر والنصر الشهيرة ويهتف في سمعه.. أردوغان أين نصرة الحق والعدل النبيلة؟

المصدر : الجزيرة

التعليقات