محمد إبراهيم المدهون

محمد إبراهيم المدهون

محمد إبراهيم المدهون


بلورة رأي عام
كيف ترى إسرائيل المعركة؟
سبيل نزع الشرعية

مجزرة أسطول الحرية يوم 31 مايو/أيار 2010 تعد يوما فارقا في مشهد الحصار الإنساني للكيان الصهيوني، ونقطة تحول في تدرج تاريخي من صورة غزة المحاصرة إلى دولة كيان محاصرة، وتسقط عنها رويدا رويدا صورة الشرعية الهشة التي منحها بلفور وبعض القرارات الأممية وحالة الأمة المستضعفة عبر منظومة الاستبداد المتهاوية.

بلورة رأي عام
لقد اعتمدت الحركة الصهيونية إستراتيجية قبل قيام إسرائيل هي "نسج رأي عام عالمي" من خلال فهم طبيعة تفكير الرأي العام للصراعات حول العالم, واستفادت إسرائيل من ذلك أكبر فائدة بعد الحرب العالمية الثانية في استعطاف العالم والرأي العام بأنهم شعب معذب مضطهد يحتاج مساعدة من أجل إقامة دولته.

وتدور الدائرة اليوم، حيث إن التعاطف العالمي الأوروبي تحديدا -وحتى الأميركي الصامت- من الرأي العام مع الشعب الفلسطيني. ومثلت النظرة إلى إسرائيل كدولة إرهاب وعدوان خاصة في الفترة الأخيرة منذ الحرب على غزة وما تبعها من حصار لأكثر من 1.5 مليون وسط ظروف غير إنسانية لمدة تزيد عن أربع سنوات واعتداءات خاصة مجزرة أسطول الحرية.

وحيث إن المجتمعات الغربية تتعامل مع الأزمات والصراعات حول العالم من منطلق دافع إنساني وتعاطف وهم لا يلتفتون ولا يهتمون بمعرفة تفاصيل الصراع ومن صاحب الحق وهم يرون القمع المتعمد للقيم الأخلاقية الإنسانية ويدفعهم ذلك للتوحد مع محنة الإنسانية التي ترتكبها إسرائيل في غزة وفي عرض البحر.

"
يرى قادة الكيان أن القدرة على الانتصار في الحرب الناعمة ضدها متجذّرة في الجهود الناجحة التي بذلت لوصفها بأنها دولة احتلال وكيان عدواني
"
ويتمثل الرفض في المظاهرات والاحتجاجات ضد العدوان الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني وتخرج مجموعات كبيرة من أنصار البيئة ومناهضي العولمة وحتى من الفئات والأقليات المضطهدة في بلادها, فهم يتعاملون مع الصراع كقضية إنسانية ويناصرون الشعب الفلسطيني من منطلق أنه أصبح رمزا لشعب مظلوم محاصر, حتى إن غزة تصبح رمزا يمثل المظلومية في العالم يلتفون حوله.

يرى قادة الكيان أن القدرة على الانتصار في الحرب الناعمة ضدها متجذرة في الجهود الناجحة التي بذلت لوصفها بأنها دولة احتلال وكيان عدواني يتجاهل ويحتقر حقوق الإنسان والقانون الدولي.

في المقابل، وصف منظمو الأسطول بالتجاوب الأخلاقي مع "الأزمة الإنسانية" في غزة، والامتثال للقانون الدولي في إطار مقاومة "الاحتلال" و"الاضطهاد" والدفاع عن السلام وعن حقوق الإنسان. وبما أنه جرى تأطير الصراع في هذا السياق، كانت هزيمة إسرائيل في ميدان العلاقات العامة حتمية.

كيف ترى إسرائيل المعركة؟
معهد "ريئوت" المختص بالسياسات العامة للكيان اعتبر أن أسطول الحرية جزء من حملة "نزع الشرعية" التي أضعفت مناعة الكيان الإستراتيجية رغم القوة العسكرية والتفوق النوعي، واعتبر المعهد أن الكيان يتعرض لهجوم عالمي منهجي شامل وأن هذا الهجوم يكتسب زخما وهدفه النهائي نزع شرعية إسرائيل تمهيدا لانهيارها داخليا أسوة بجنوب أفريقيا والاتحاد السوفياتي، وأن على إسرائيل بناء إستراتيجية تحت عنوان "تحدي نزع شرعية إسرائيل".

وترى إسرائيل أن حماس بدأت من خلال قوافل التضامن خاصة بعد أسطول الحرية الأول اعتماد إستراتيجية "منطق الانفجار الداخلي" و"استنفاد قوى إسرائيل"، وذلك من خلال تطوير شبكة نزع الشرعية وهدفها تحويل إسرائيل إلى "دولة منبوذة" وأن هذه الشبكة عددها صغير ولكنه منتشر جغرافيا وتحرض للطعن في شرعية إسرائيل بوصفها "دولة احتلال عنصرية".

وإسرائيل كما يعتقد قادتها تتعرض لحملة تحريض مبرمجة، وعبر عن هذا التحريض بشكل واسع من خلال التغطية التي تقوم بها وسائل إعلام عربية مثل الجزيرة التي لحقت بها وسائل إعلام غربية, ومن ثم مؤسسات دولية قدمت مقترحات لفرض مقاطعة تجارية مع إسرائيل خاصة في أوروبا، كذلك طرحت قضية فرض المقاطعة على الأكاديميين الإسرائيليين في الجامعات والمؤتمرات الدولية، واتخذت خطوات قضائية في أوروبا عند زيارة كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين لهذه الدول.

"
يرى بعض الخبراء الإسرائيليين أن إسرائيل تواجه مشكلة إستراتيجية تتمثل في أنها طليقة الحركة على المدى القصير، لكن أفعالها تغير الإطار الإستراتيجي الذي تعمل من خلاله على المدى الطويل
"
تعتقد الجهات الرسمية في دولة الاحتلال بضعفهم في معركة نزع الشرعية، حيث، كما يقولون, لا توجد بوزارة الخارجية الإسرائيلية وأجهزة الأمن الإسرائيلية جهات مختصة بهذا الموضوع قادرة على إدارة الصراع الإعلامي، فوزارة الخارجية الإسرائيلية مختصة في شرح سياسة إسرائيل، أما الجيش الإسرائيلي فمهمته شرح الإجراءات العسكرية. وعليه، لا توجد سياسة فعالة على المستوى السياسي لمواجهة الحرب الإعلامية التي تشن ضد إسرائيل كما يعتقدون.

إسرائيل كما يرى خبراء الشأن فيها, تواجه مشكلة إستراتيجية تتمثل في أنها طليقة الحركة على المدى القصير، لكن أفعالها تغير الإطار الإستراتيجي الذي تعمل من خلاله على المدى الطويل.

كما أن التهديد الأعظم للكيان ليس الرأي العام العالمي، برغم تأثيره، ولكنه غير حاسم. لكن التهديد الحقيقي هو أن أفعال دولة الكيان تطلق العنان لقوى الشباب في العالم العربي، والتي رويدا رويدا تغير ميزان القوى في نهاية المطاف, وبالتالي فإن العواقب السياسية للرأي العام ومن ثم العسكرية هي القضية الأساسية.

سبيل نزع الشرعية
من الضرورة بمكان وجود جسم غير رسمي واع وناضج وشامل ومنتشر جغرافيا يركز على تحقيق الإنجاز في معركة نزع الشرعية عن الاحتلال، وأن يمنح هذا الجسم الإمكانيات المادية والبنية المطلوبة للقيام بهذا العمل. ويعمل هذا الجسم في مجالات متعددة عبر القانون الدولي والسياسي والإعلام والتحريض وخطط التعليم ... إلخ.

وعلى هذا الجسم أن ينسق مع الجهات الرسمية المعنية للتعاون مع المنظمات الدولية والشخصيات العامة العاملة في هذا المجال. وكذلك مهمته البحث بصورة منهجية بأساليب الدعاية الصهيونية، وأن تبث رسالة الشعب الفلسطيني في أنحاء العالم وبكل لغات الدنيا عبر منظومة معلومات متواترة وأبحاث علمية متنوعة لمواجهة الدعاية الإعلامية الصهيونية.

إن الوصول إلى لحظة المحاكمة الإنسانية لدولة الكيان باعتبارها دولة خارج الشرعية الإنسانية يحتاج إلى إدارة ذكية للصراع الإعلامي، وذلك بإعداد الخطط الإعلامية المتكاملة لمستويات منسقة وجبهات متعددة ومهمتها المساهمة في تشكيل الرأي العام العالمي بأن إسرائيل حقا هي مصدر الشر والإرهاب في العالم عبر رواية إعلامية تحمل الحقيقة للعالم من خلال جبهة إعلامية بكل اللغات والوسائل المؤثرة.

"
تتطلب معركة نزع الشرعية مراقبة شاملة لسلوكيات دولة الكيان وتوثيقا مهنيا قانونيا لضبط المخالفات القانونية ونقض المواثيق والأعراف
"

كما تتطلب معركة نزع الشرعية مراقبة شاملة لسلوكيات دولة الكيان وتوثيقا مهنيا قانونيا لضبط المخالفات اليومية للقانون الدولي والدولي الإنساني ونقض المواثيق والأعراف الإنسانية.

ويحتاج ذلك إلى استثمار القوانين والتشريعات في بعض الدول من أجل تحقيق ملاحقة قضائية فاعلة لجرائم انتهاك حقوق الإنسان وجرائم الحرب التي تمارسها إسرائيل.

كما تتطلب المعركة العمل بشكل منهجي لنزع الشرعية عن دولة الكيان عبر حملة منظمة وشاملة وإستراتيجية من خلال تدريب كادر نوعي على العمل الدبلوماسي الدولي عبر مراكز نشاطات رسمية وأهلية تعمل على نزع الشرعية عن الكيان في مختلف أنحاء العالم وتكريس موارد كافية لتحقيق هذا الهدف من إبراز صورة إسرائيل بشكلها الحقيقي وتسليط الضوء بشكل مركز على تجاوزاتها الإنسانية وعدوانها الدائم مما يسهم في تحقيق إنجاز سريع لنزع الشرعية.

في إطار معركة نزع الشرعية مطلوب حوار أوسع وأشمل مع النخب الليبرالية الدولية من أجل حشد طائفة من الجماعات الليبرالية والنخب التقدمية والناشطين وإقناعهم بتبني خطوات عملية لفضح العدوان وكشف سوءة الاحتلال. وذلك أيضا عبر بناء مجموعة من العلاقات الشخصية مع النخب المحلية عبر القنوات الرسمية والمنظمات الخاصة والأفراد. ودون نسيان للتحاور البناء مع مؤيدي السياسات الإسرائيلية، ونخص بالذكر المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان، عبر ضمان التواصل معهم وتقديم ردود تستند إلى الحقائق الموثقة لإظهار حالة الخروج الصهيوني عن الشرعية الإنسانية.

وجزء من هذه المعركة كذلك تسمية منتهكي حقوق الإنسان من قيادة الاحتلال والتشهير بهم وفضح نشاطاتهم لعزلهم وتهميشهم. والعمل على دعم حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات على الاحتلال خاصة في المجال السياسي والاقتصادي والأكاديمي والرياضي.

في هذا الإطار يحتاج الشعب الفلسطيني إلى عمل خارجي كبير للاستفادة من التغيرات الواقعة في الغرب من خلال مناصرة القضايا الإنسانية العادلة بما يسبب تضاربا في العلاقات مع أطراف الصراع. وكذلك التحرك ودعم النكبات والأزمات التي تحصل حول العالم بإرسال فرق طبية في حالة الزلازل أو الفيضانات, وتقديم المساعدة والدعم في مشاريع خيرية حول العالم, ويصاحب ذلك توفير دعم إعلامي لصالح قضايا الإنسانية العادلة.

علاوة على ذلك, المطلوب فلسطينيا المشاركة في المناسبات العامة، سواء التغير المناخي وحقوق الإنسان وخلافه، من أجل تجسيد حضور الشعب الفلسطيني في المحافل الدولية.

"
مثل اكتشاف أهمية الساحة الدولية في الصراع عبر آلاف المتضامنين وعشرات القوافل إمكانية محاصرة دولة الكيان وملاحقته أخلاقيا وقانونيا وإنسانيا
"
وأخيرا يمكن القول في ذكرى مجزرة أسطول الحرية "1" السنوية وفي استحضار المشهد لأكثر من 500 متضامن من 37 دولة جاؤوا إلى غزة رافضين للظلم والحصار, يتعزز المشهد اليوم بعد عام من المجزرة لمحاصرة الاحتلال بتقديم أكثر من مليون تركي, وأكثر من نصف مليون آخرين حول العالم أنفسهم للمشاركة في أسطول الحرية "2" المنطلق إلى غزة في 20 يونيو/حزيران 2011.

وتنظر دولة الكيان لرحلتي الأسطول الأولى والثانية على أنهما أبرز تجليات هجوم منهجي شامل من أجل تقويض شرعية إسرائيل. ولقد مثل اكتشاف أهمية الساحة الدولية في الصراع عبر آلاف المتضامنين وعشرات القوافل خلال أكثر من أربع سنوات من تشديد الحصار إمكانية محاصرة دولة الكيان وملاحقته أخلاقيا وقانونيا وإنسانيا, ورويدا رويدا تتحول "واحة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط" إلى "مستنقع العنصرية الوحيد" في العالم في القرن الحادي والعشرين و"دولة الأبرتهايد" التي تتقوقع بيهوديتها "دولة يهودية" وتتشرنق بجدرها "وظَنُّوا أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ اللَّهِ" [الحشر:2].

دولة الكيان اليوم تدخل مرحلة الانهيار الأولى في "نزع الشرعية" وما سماه الله تبارك وتعالى "إساءة الوجه" في مقدمة للاندحار الشامل "لِيَسُوؤُواْ وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُواْ الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً" [الإسراء:7].

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك