منى عبد الفتاح

منى عبد الفتاح

كاتبة وصحفية سودانية


لا يمكن النظر إلى علاقة السودان بالاتحاد الأوروبي بمعزل عن مرارات الماضي التي لعبت فيها بريطانيا الدور الأعظم. فالسودان بوصفه التاريخي مستعمرةً بريطانية، يختلف في علاقته مع بريطانيا عن بقية دول الاتحاد لأن بريطانيا ساكنة في عقول ووجدان السودانيين فضلاً عن تاريخهم.

وعلى الرغم من القطيعة التي استمرت لأكثر من عقدين من الزمان، فإن لبريطانيا علاقة خاصة مع السودان تتمثل في امتزاج الموروث الثقافي الحضاري السوداني مع تجربة الحكم والإدارة البريطانية في السودان بحلوها ومرّها. فإنْ تم التقارب فيما بين الاتحاد الأوروبي والسودان فقد يكون في القرب شفاءٌ من مرارات وجراح أهل السودان المثخنة.

أهمية بريطانيا بوصفها إحدى دول الاتحاد الأوروبي بالنسبة للسودان تأتي من ذلك التاريخ ثم امتداده بعد استقلال السودان عبر التعامل معه بوصفه دولة ذات سيادة. تجذرت علاقتهما عبر التمثيل الدبلوماسي والعلاقات السياسية والتعاون الثقافي والاقتصادي المشترك.

ذاك الموروث الثقافي الحضاري السوداني قابله في الاتجاه الآخر استعلاء من جانب الإدارة البريطانية. لخّصت بريطانيا تاريخ الشعب السوداني ونضاله ضد الاستعمار ونهب ثروات البلد، في أنها جاءت لتخلّص السودان العربي الأفريقي من تجارة الرقيق.

"
عندما دخلت بريطانيا السودان (1899-1956م) كانت تحمل في طيات حضارتها غرور سلطانها وتوسع إمبراطوريتها التي لا تغيب عنها الشمس
"
لم يكن ذاك بغريب على الإمبراطورية العظمى، فحينما دخلت بريطانيا السودان (1899-1956م) كانت تحمل في طيات حضارتها غرور سلطانها وتوسع إمبراطوريتها التي لا تغيب عنها الشمس.

لم تكرّس بريطانيا اهتمامها بظلم الإنسان لأخيه الإنسان، حسبما أعلنت عند مجيء الحاكم العام للسودان تشارلز غردون (1875–1879م)، وذلك بعد فترة خضوع السودان لسيادة الحكم العثماني.

في تلك الفترة بذلت إدارة الحكم البريطاني في السودان مجهودات للحد من تجارة الرقيق، ولكنها سرعان ما تناست كل ذلك من فرط دهشتها من ثروات البلاد الخام الطبيعية والبشرية. ساعد على ذلك افتتاح قناة السويس عام 1869م، فانفتحت شهية القنصليات الأجنبية الموجودة في السودان مثل قنصليات بريطانيا وفرنسا والنمسا والولايات المتحدة الأميركية.

تلك القنصليات مكّنت منتسبيها من الحصول على امتيازات الحماية الأجنبية تحت ظلها، فازدهرت تجارة الرقيق. ولم تفلح البعثات التبشيرية التي مرّت على السودان والتي هدفت إلى إدخال أهل جنوب السودان في المسيحية ومحاربة تجارة الرقيق، من تحقيق هدفها الثاني وذلك لمقاومة الإدارات المحلية التي نشطت على يديها تلك التجارة.

ذلك التدخل لم يحمِ السودانيين من أهوال تجارة الرقيق، الممارسين للتجارة والضحايا، وإنما حكم عليهم بالدونية المقيتة التي جاء ذِكرها في رواية رئيس الوزراء البريطاني الأسبق ونستون تشرشل "حرب النهر" التي وصف فيها السودانيين بأنهم أعداء الله.

إن التفوق المعرفي والمادي لا يغفر مرارات الماضي وإنما تصبح معه الضريبة ناجزة لدفع استحقاقات الإخاء الإنساني. علاقة بريطانيا التاريخية بالسودان تحمّلها عبء تبني مواقف مُعلنة في مجلس الأمن والاتحاد الأوروبي بغرض تحقيق السلام أو خفض حدة الفقر لمساعدة السودان، وليس دعم مواقف متشددة كموقف البارونة كوكس قائدة الحملات في مجلس اللوردات البريطاني التي تتهم السودان الشمالي بأثر رجعي بممارسة تجارة الرقيق.

من هنا نجد أن دور بريطانيا يفوق دور كل دول أوروبا مجتمعة. فعلى سبيل المثال فإن فرنسا باعتبارها ملهمة الحريات والحقوق النابعة من الثورة الفرنسية عام 1789م، ومن فكر فلاسفتها من مثل مونتسكيو في "روح القوانين" وجان جاك روسو في "العقد الاجتماعي" وغيرهما مما صاغه المفكرون الفرنسيون من أفكار ساهمت في التحولات السياسية في أفريقيا والعالم، إلا أن السودانيين لم ينسوا أن أكبر تجار الرقيق في عهد الحكم التركي المصري (1821-1885م) كانوا من الفرنسيين وكانوا ينقلون الرقيق إلى مصر في ظل الراية الفرنسية.

أما اليونانيون فقد اشتهروا بأنهم الأكثر عدداً من طبقة التجار، حيث مارسوا نشاطهم التجاري المتنوع في عدد من مدن السودان، وحفظ لهم السودانيون مودتهم وحلو معشرهم. واقتصرت فعاليتهم في المجال التجاري على معاش الناس وملبسهم وعلى بعض الجوانب الاجتماعية.

"
ما حصلت عليه دول العالم الثالث وأفريقيا بما فيها السودان بعد نيل الاستقلال، هو فتات اتفاق تم توقيعه بعد الحرب العالمية الثانية بين أكثر دول العالم ثراءً
"
ما حصلت عليه دول العالم الثالث وأفريقيا بما فيها السودان بعد نيل الاستقلال هو فتات اتفاق تم توقيعه بعد الحرب العالمية الثانية بين أكثر دول العالم ثراءً التي قامت باقتسام رئاسة المؤسسات الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد الدولي فيما بينها، بينما عقدت نوعاً آخر من الاتفاقيات التعاونية.

من هذه الاتفاقيات ذات الطبيعة المزدوجة، اتفاقية كوتونو التي تم توقيعها في العام 2000م في كوتونو عاصمة دولة بنين، وقد تم تعديلها لتحل محل اتفاقية لومي التي بدأت منذ العام 1975م في لومي عاصمة توغو، وهي اتفاقية للتعاون الشامل بين دول الاتحاد الأوروبي من جهة والدول الأفريقية جنوب الصحراء والكاريبي والباسيفيك من جهة أخرى.

تختلف اتفاقية كوتونو عن اتفاقية لومي في أنها ربطت فيما بين التعاون التجاري والسياسات الاقتصادية والتنمية بموجب الحوار حول حقوق الإنسان، وتحقيق السلام والحكم الراشد. وباستثناء اتفاقية السلام الشامل بين الحركة الشعبية لتحرير السودان ونظام الإنقاذ، فإن بقية شروط الاتفاقية لم تُسفر عن تقدم يُذكر في السودان، بل زاد عليها فتح جبهات في دارفور وشرق السودان ومنطقة جبال النوبة، ما زالت تشهد صراعات على اقتسام السلطة والثروة وحول حقوق الإنسان.

ليس هذا فحسب، بل إن السودان قد قام بسحب توقيعه على التعديلات التي تم إجراؤها مؤخراً على اتفاقية كوتونو لتضمنها مواد مثل المادة 11 التي تشير إلى تبني القوانين التي تساعد في الانضمام إلى ميثاق روما والمحكمة الجنائية الدولية، بالإضافة إلى أن الرئيس السوداني عمر البشير -الذي رفض التوقيع على تعديلات اتفاقية كوتونو- أصبح مطلوبا لدى المحكمة الجنائية الدولية بتهم ارتكاب جرائم الحرب والإبادة الجماعية.

فيما قبل كانت دول الاتحاد الأوروبي وأميركا قد رهنت علاقتها بالسودان بحل مشكلة الجنوب وإحلال السلام في السودان. فالولايات المتحدة الأميركية الحليف الإستراتيجي لأوروبا وبفضل ضرورات السياسة، نجحت في ضم الاتحاد الأوروبي إلى صفها بشأن العلاقة مع السودان إن لم تكن عملت على تحييد بعض دوله في أحسن الأحوال.

وعندما أوقفت الولايات المتحدة الأميركية الدعم العسكري والتنموي للسودان منذ فترة الديمقراطية الثالثة (1985-1989م)، زاد من سوء الحال استلام نظام الإنقاذ للحكم في السودان عام 1989م بانقلاب عسكري.

تبعت دول الاتحاد الأوروبي الولايات المتحدة الأميركية نتيجة لسياسات الإنقاذ المتعنتة، فتوقف التعاون في كل المجالات تقريباً، بل أصبح السودان أكثر دول العالم ديوناً حيث قُّدّرت ديونه بحوالي 37.5 مليار دولار حسب محافظ بنك السودان، ولم يستطع الاستفادة من مبادرات إعفاء الديون لأنه لم يستوفِ متطلبات الإعفاء لأسباب سياسية.

جاءت اتفاقية ماستريخت الأوروبية عام 1992م التي ربطت التعاون التنموي باحترام حقوق الإنسان والديمقراطية، ولما لم تكن معظم الدول الأفريقية على قدر تحقيق التغيير السياسي المطلوب فقد توقف التعاون بين معظمها وبين الدول الأوروبية.

ولم يكن السودان استثناءً من هذه القاعدة وإنما كان على رأس الموقوفين من التعاون الأوروبي، وزاد من ذلك قيام الحرب في دارفور فانفتحت طاقة أخرى من نار الحروب تدعم الموقف الغربي.

"
يتوقع السودان من أوروبا والغرب أنهما سيضمنان حوار المرحلة المقبلة في تطبيع العلاقات معه، لذا تم مؤخراً تكوين ما سمي بالشبكة الأوروبية لاستدامة السلام في السودان
"
كان لا بد للسودان من توقيع اتفاقية السلام الشامل التي تمت عام 2005م. لم تظهر أي تطورات جديدة، لأن الأسباب التي دفعت الاتحاد الأوروبي لمقاطعة السودان ما زالت قائمة في أطراف أخرى من السودان، فيمكنه التمسك ببند سلام دارفور لتبقى الوعود الأوروبية بتقديم الدعم أو التطبيع مع السودان رهينة بما يمكن أن تظهره الحكومة السودانية من التزامها بتحقيق السلام.

بعد تنفيذ اتفاقية السلام الشامل وانفتاحه على العالم بغرض تحسين صورته وجلب منافع أخرى، قرر السودان أن يتجه بقضاياه شمالاً ليطرح مسألة ديونه الخارجية المتعسرة، ثم البحث في قضايا التنمية واستدامة السلام وفرص التعاون المحتملة.

يتوقع السودان من أوروبا والغرب أنهما سيضمنان حوار المرحلة المقبلة في تطبيع العلاقات معه، لذا تم مؤخراً تكوين ما سُمي بالشبكة الأوروبية لاستدامة السلام في السودان التي تهدف إلى بناء شبكة للتواصل مع أوروبا والغرب عموماً.

الاتجاه شمالاً يتمثل في الإعفاء من الديون أولاً ثم تحقيق الطموح في التعاون الاقتصادي بعد ذلك. فما زال بعض الخبراء الاقتصاديين ينظرون إلى الشراكات مع دول آسيا كالهند والصين وبعض دول الخليج بأنها بالونة كبيرة وليست طفرة استثمارية حقيقية.

فاستثمار هذه الدول اقتصر على القطاعات الخدمية مثل الاتصالات والمصارف ولم يدخل القطاعات التنموية الحقيقية كالصناعة والزراعة لخوف رأس المال الأجنبي من المغامرة وللعراقيل المرتبطة بالإجراءات الإدارية لتجارب الاستثمار في السودان.

يمكن القول إن الحصار الاقتصادي المفروض على السودان لم يلبِ ما ذهبت إليه الولايات المتحدة الأميركية خاصة بعد دفعه بقوة شرقاً باتجاه الصين. حيث جذبت الصين حبل الاستثمار النفطي في السودان، وإن كانت أداة لأوروبا في عقر الدار السوداني فقد بلعته الحكومة السودانية طُعماً في ظاهره حلاوة الاستثمار وفي باطنه توالد الديون التي يجب سدادها للصين والبالغة قيمتها ملياريْ دولار أميركي.

مكّن ذلك الحصار من تبرير حكومة الإنقاذ احتكارها للسلطة كونها البديل المتاح الوحيد في الساحة في ظل غياب المعارضة عن الساحة السياسية. استطاع الرئيس السوداني عمر البشير أن يحوّل صراع الغرب معه من مجرد صراع مع رئيس مطلوب للعدالة الدولية إلى معركة كرامة أمة وسيادة وطن، رضي المعارضون عما يسوّقه حزب المؤتمر الوطني الحاكم أم أبوا.

أما طلب الحكومة الآن أو بالأحرى استجداؤها تطبيع العلاقات مع الاتحاد الأوروبي وواشنطن فلا يجد استجابة سريعة، لأنه عندما خطا الاتحاد الأوروبي وواشنطن نحو التطبيع بعد تحقيق اتفاقية السلام الشامل، انفتحت كوة النار من أبيي وبقية القضايا العالقة بين دولتي الشمال والجنوب السوداني. وإن كانت قضايا الحدود والجنسية والعملة يمكن حلها عبر الحوار السوداني، فإن قضية الديون ينبع تعقيدها من تعدد أطرافها الدوليين.

وبعيداً عن تعميم التصريحات فإن بريطانيا أعلنت مؤخراً على لسان رئيس وزرائها ديفد كاميرون أن هناك سياسات ستأخذ حيزاً مقدّراً للعلاقات بين بريطانيا والسودان.

في الجانب السوداني فإن الظروف الآن مناسبة لإعادة تفكير جذرية، لأن السودان الغني بثرواته معرّضٌ للإفلاس من فرط ديونه، أما حكومتا الشمال والجنوب فتتلمسان الطريق من أجل التوصل إلى حل.

"
يتوجب على حكومة الشمال أن تعمل على تحوّل في توجهاتها ومواقفها غير الداعمة لتحقيق السلام، لأن مرض السودان الاقتصادي الطويل صنعته السياسة وأهلها
"
وحتى يحدث ذلك يتوجب على حكومة الشمال أن تعمل على تحوّل في توجهاتها ومواقفها غير الداعمة لتحقيق السلام، لأن مرض السودان الاقتصادي الطويل صنعته السياسة وأهلها.

هناك فرصة تدفع بالمجتمع الدولي للمساعدة لو أوفى السودان بالشروط التي تؤهله لمعالجة ديونه الخارجية عبر مبادرة الدول المثقلة بالديون (الهيبك)، ولو التزم السودان بإنفاذ البرنامج الاقتصادي وإعداد إستراتيجية الفقر التي قال إنها في مراحلها النهائية.

كلّفت الحروب السودان كثيرا، واقتصاده اليوم بحاجة إلى المساعدة لإعادة عجلة التنمية ولن يتحقق ذلك في ظل عقوبات مفروضة وديون مستحقة، فإن عملت الحكومة على إشاعة السلام سيتم رفع العقوبات وإعادة هيكلة الديون حتى تنتهي هذه الحالة، التي ربما تنهي معها آخر العهود الدكتاتورية في السودان.

المصدر : الجزيرة

التعليقات