غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري


إستراتيجية السلطة
إستراتيجية الثورة.. ضبط وتصدير

تشير مسارات الحدث السوري إلى وجود إستراتيجيات متصادمة تتحكم بصيرورته وتتكفل بإخراجه بالصورة التي تراها أعين المراقبين والمتابعين، ورغم أن الحدث بدا في بداية تخلقه مفاجئا لطرفيه (السلطة والثوار)، فإن تطورات الأيام التالية واستمرارية الحدث وتصاعد وتيرته دفع بأطرافه إلى النزول إلى غرف العمليات لإدارة التطورات المتسارعة والتحكم بوجهة مصائرها، بما يتناسب وأهداف وغايات كل طرف.

ولا بد من الاعتراف، وانطلاقاً من متابعة عيانية فضلاً عن قراءة موضوعية للمشهد السوري قبل 15 مارس/آذار الماضي، وهو تاريخ بدء الاحتجاجات، بأن البلاد لم تكن مرشحة لمثل هذا الحدث، أو هي استعجلته على الأقل، ولولا ذلك الزخم الهائل الذي قدمته درعا  وإصرارها الذي دام لأكثر من شهر كامل على الاستمرار، وقيام وجهائها برفع حزمة مطالب ذات صبغة وطنية، لبقي الحراك السوري في الإطار الافتراضي، لا لشيء وإنما لصعوبة العمل السياسي في سوريا الذي أنتج بدوره صعوبة تأمين بيئة مناسبة لانطلاق الحراك وضمان ديمومته وتثمير نتائجه.

وعلى الرغم من أن البيئة العربية وفرت شرعية سياسية للحراك في سوريا، انطلاقاً من تشابه أسس وركائز العملية السياسية في البلدان العربية، وسوريا لم تكن استثناءً، لتشابه المعطيات العامة وتقاطعها مع الحالة العربية عموماً من حيث وجود نظام سياسي مغلق وجهاز أمني يفيض عن الحاجة، ونظام اقتصادي ينحاز للشريحة الرأسمالية للبلاد، رغم ذلك، نامت السلطات في سوريا على حرير وهْم اعتقادها باستثنائيتها المبنية على مقولة الممانعة... كما أن الشارع، المنكوب بفقدانه للقوى المنظمة والمحركة، ظل يراكم شحنات الرفض والاحتجاج انتظاراً لشرارة قد يوفرها أي احتكاك مع السلطة.

من هنا، أخذت الاستجابات الأولى للحدث، سلطويا وشارعا، طابعاً فوضويا غير منظم وبغير إستراتيجيات ورؤى تدير الحدث وترسم مستقبله، غير أن استمرار الحدث فرض وجود إدارة له، وإن بدت متعجلة ونزقة.

إستراتيجيات السلطة

"
ينطلق التعامل السوري في المستوى السياسي من مبدأ احتواء الاحتجاجات بالدرجة الأولى، والحد ما أمكن من الخسائر الدستورية المؤسسية كخيار وحيد وممكن
"
بنت السلطة في سوريا إستراتيجيتها لمعالجة الأزمة تحت ضغط الأحداث المتواترة والمنتشرة أفقيا بشكل سريع، وبعد انتقال عدوى الاحتجاجات إلى مناطق إستراتيجية وخطيرة: ريف دمشق الذي يطوق العاصمة، ومدن الساحل التي تشكل الجناح الغربي للجغرافية السورية، وحمص التي تقع ضمن كثافة سكانية كبيرة وسط البلاد، ويمتد تأثيرها إلى الشرق (الرقة، والحسكة، ودير الزور) حيث توجد سلسلة عشائر مترابطة وموحدة (العكيدات، وبنو خالد، وشمر، والبقارة، وطي)، كما يمتد تأثيرها إلى الشمال (حلب، وإدلب) نتيجة التواصل الديمغرافي مع هذه المناطق.

ويمكن قراءة إستراتيجية السلطة على ثلاثة مستويات، مترابطة ومتداخلة بنفس الآن، تشكل في مجموعها آليات السلطة في التعامل مع الحدث:

المستوى السياسي: وينطلق التعامل في هذا المستوى من مبدأ احتواء مفاعيل الاحتجاجات بالدرجة الأولى، والحد ما أمكن من الخسائر الدستورية المؤسسية والمعنوية  كخيار وحيد وممكن، ثم بعد ذلك التعامل مع الحدث من حالة تسمح بإعادة تموضع النظام وإظهاره في موقع من يقود التغيير، وهو ما لمّح به الرئيس بشار الاسد في خطابيه بعد الأحداث من أن النظام كان قد أقر الإصلاحات في المؤتمر العام لحزب البعث الأخير وكان ينتظر الفرصة المناسبة لتطبيقها.

ويجري تصريف هذه الإستراتيجية وفق تكتيكات تعتمد تقديم تنازلات محددة، لم تلامس حتى اللحظة جوهر المشكلة، كما أنها في نفس الوقت لا تشكل أي مخاطر تذكر على البنية السلطوية للنظام، وخاصة من الناحية الدستورية التي توفر له شرعية التحكم في الحياة السياسية السورية وخصوصاً المادة الثامنة من الدستور التي تعطي لحزب البعث الحاكم حق قيادة الدولة والمجتمع، وغيرها من حزمة المواد الدستورية والمراسيم التشريعية التي تقيد الحياة السياسية في سوريا، وتعطي للنظام الحاكم هامشاً كبيراً من القوة في مواجهة المجتمع، وتحديدا القوى الرافضة فيه.

ويحاجج النظام السياسي في سوريا بأن قائمة التغيرات المطلوبة كبيرة جداً وأن التسرع في إنجازها بدون دراسة معمقة واتخاذ التدابير المناسبة لإدراجها في البنية القانونية وتطبيقها في المجالين السياسي والاجتماعي من شأنه أن يجلب الفوضى ويؤدي إلى ما لا تحمد عقباه، وهو ما يرفضه المحتجون ويرونه مجرد تسويف ومحاولة للالتفاف على الثورة.

المستوى الأمني: تتعدد تعبيرات هذا المستوى وتكثر إجراءاته، فقد تم تجهيز حزمة من الإجراءات يجري التعامل بها على هذا المستوى:

"
عمد الأمن السوري إلى تقطيع أوصال المدن التي تشهد احتجاجات، وذلك بهدف منع حصول تجمعات كبيرة، وحصر الاحتجاجات في مناطق بعينها
"
- إستراتيجية منع التواصل: فقد عمد الأمن السوري إلى إجراء تقطيع أوصال المدن التي تشهد احتجاجات، مثل درعا وحمص وبانياس، وذلك عبر إقامة الحواجز الترابية والإسمنتية، والحواجز الأمنية الثابتة والمتنقلة، وذلك بهدف منع حصول تجمعات كبيرة، وحصر الاحتجاجات في مناطق بعينها. وفي خارج المدن، عمدت قوى الجيش إلى إقامة حواجز ثابتة لمنع إمداد الريف للمدن بالمحتجين.

- إستراتيجية خنق الحراك: وقد بدا ذلك واضحاً في مدينتي دمشق وحلب، حيث يعمل الوجود الأمني المكثف والمبالغ فيه في هاتين المدينتين على قمع أي فرص للحراك في مهده، ويلاحظ في دمشق الاعتماد على الكثافة الأمنية المتنقلة، وخاصة في يوم الجمعة، حيث يجري نقل أعداد كبيرة من رجال الأمن، وبسرعة فائقة إلى المناطق التي تشهد مظاهرات، ناهيك عن الوجود الأمني الكثيف في المناطق التي يتوقع حصول مظاهرات فيها.

- إستراتيجية إضعاف الحراك: وتقوم هذه الإستراتيجية على تفكيك قوى الحراك من خلال لوائح اعتقالات ينفذها الأمن بحق الناشطين والمحركين الأساسيين، وهو ما قامت أجهزة الأمن بتنفيذه بعد "الجمعة العظيمة" في العديد من المناطق التي شهدت مظاهرات.

المستوى الإعلامي: تقوم إستراتيجية السلطة في المستوى الإعلامي على مبدأ تفنيد رواية المعارضين في تعامل السلطة مع المحتجين، وقد أجهدت وسائل الإعلام الرسمية نفسها في تفنيد سيل الصور والوثائق التي تبثها الفضائيات العربية، ومحاولة إظهار التناقض والمزاعم فيها.

كما يتبنى الإعلام السوري روايات السلطة، المتعددة والمتغيرة، التي ترمي تهمة الحراك مرة على المندسين، أو العصابات المسلحة، وأخيرا على السلفيين، وتحاول صياغة رواية متماسكة تقنع المشاهد السوري بذلك. وقد حاول وزير الإعلام الجديد إحداث تغيير في هذا المسار عبر نقله بعض صور المظاهرات، لكن لم يستطع الإعلام تغيير توصيفاته للمتظاهرين (متآمرين وعصابات).

"
القيادة السورية أوكلت إدارة مسرح الأحداث إلى رئاسة الأركان العامة، بما يعنيه ذلك من تولي الجيش نفسه عملية السيطرة على الوضع في مختلف المناطق
"
المستوى العسكري: وقد أفادت مصادر معارضة بهذا الخصوص بأن القيادة السورية أوكلت إدارة مسرح الأحداث إلى رئاسة الأركان العامة، بما يعنيه ذلك من تولي الجيش نفسه عملية السيطرة على الوضع في مختلف المناطق.

وبحسب هذه الإفادات، لا يعني أن أجهزة المخابرات لم يعد لها علاقة بمسرح الحدث أو أنها ستنسحب من الميدان، ولكن يعني أن القرارات الأساسية أصبحت تتخذ في شعبة العمليات العسكرية التابعة للأركان العامة وليس من قبل أجهزة المخابرات، بينما ستتولى هذه الأخيرة مهمة جمع المعلومات والعمليات السرية الخاصة بالمداهمة والاعتقال والأعمال المتممة الأخرى.

وقد فسر ناشطون سوريون بأن توكيل المهمة إلى الجيش ينطوي على مغزيين، أحدهما تقني يعني أن السلطة باتت تتعامل مع الحالة على أنها شبيهة بحالة حرب، والثاني وطني مغامر يعني وضع الجيش في مواجه الشعب مباشرة.

إستراتيجية الثورة.. الضبط والتصدير
لم تكن للحراك السوري في بدايته إستراتيجية واضحة المعالم، وهذا يعبر عن حقيقة محتواه وطبيعة محركاته، فهو انطلق في مدينة درعا كحركة احتجاجية عفوية على ممارسات موظفين محليين، غير أن رد السلطة العنيف، وضرورة وجود جهة تنظم الحراك وتوجهه بعيدا عن العنف والتخريب، دفع ببعض الشخصيات النافذة والمعروفة في درعا إلى واجهة الحدث.

وقد تشكلت لجنة تنسيقية مكونة من أطياف وخلفيات سياسية واجتماعية متعددة (يساريين، وإسلاميين، وقوميين، ونشطاء مدنيين، ووجهاء محليين)، وكان الهدف الأولي والملح لها في بداياتها ضبط الحراك وصياغة مطالبه من السلطة، وقد عبرت لائحة المطالب التي تم رفعها للسلطات عن فهم سياسي عميق لطبيعة الأزمة، وهو ما تجلى بصبغ المطالب بصبغة سياسية وطنية عامة، وليست مجرد مطالب خدمية محلية.

ويبدو أن هذا النمط من القيادة السياسية للحراك قد وجد طريقه للظهور في مناطق عدة، وخاصة ريف دمشق وحمص، وقد عبر عنه بيان "اللجان التنسيقية الأول"، الذي دعا إلى إحداث تغييرات نوعية في الحياة السياسية السورية، تؤدي إلى إنهاء احتكار حزب البعث للسلطة، وتفكيك الأجهزة الأمنية وتركيزها في جهاز أمني واحد مهمته حماية الوطن من الخطر.

غير أن قيادة الحراك طورت إستراتيجيتها التحركية عبر انتقالها إلى مرحلة تصدير الثورة، وخاصة إلى دمشق وحلب، وذلك بهدف إرباك النظام وتخفيف الضغط على المدن الطرفية، لتعزيز قدرتها التساومية في مواجهة النظام، والانتقال بالحراك إلى حالة ثورية وطنية شاملة.

"
حتى لا يتم حرمان المعارضة من رمزية مشاركة العاصمة دمشق، كان لا بد من  تحريك الأحزمة العشوائية التي تلف دمشق ويقطنها مئات آلاف البؤساء
"

وقد بدا ذلك واضحاً من خلال نقل المظاهرات إلى حي الميدان الدمشقي، ومحاولة توريط دمشق بالثورة، بعد أن وصل الكثير في سوريا إلى قناعة مفادها أن دمشق التي تنتمي الشريحة الكبرى من سكانها إلى الطبقتين التجارية الوسطى والغنية، والمستفيدة من الأوضاع الحالية، لن تتحرك، وحتى لا يتم حرمان المعارضة من رمزية مشاركة العاصمة، فلا بأس من تحريك الأحزمة العشوائية التي تلفها والتي يقطنها مئات آلاف البؤساء من مختلف محافظات سوريا، في هذه الحالة سيحسب الحراك على دمشق ولو لم يشارك الدمشقيون أنفسهم.

وبناءً على ما سبق ذكره، يمكن القول بوجود إستراتجيتين متعارضتين ومتصادمتين في قلب الحدث السوري، وتتكفل تطورات المشهد السوري بصياغتهما وتطويرهما، وثمة حديث بدا يظهر في سوريا عن وجود خيارات وبدائل سياسية يجري فحصها ودراسة جدواها، وقد طرح المفكر طيب تيزيني بعض ملامحها على هواء "فضائية الجزيرة"، وهو ما يتمنى أغلب السوريين أن يتم أخذه في عين الاعتبار ويصار إلى إدراجه في صلب إستراتيجيات السلطة والثورة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك