عبد الغفار عزيز

عبد الغفار عزيز

كاتب ومحلل سياسي باكستاني


الغموض سيد الموقف
باكستان أمام مخاطر جديدة
علاقة متأزمة ومتوترة

كنت في المكتب –والكلام لخورشيد قصوري وزير الخارجية في حكومة برويز مشرف– حيث زارني بعض كبار الضباط وفي أيديهم مجموعة من الصور، ما أن وقع بصري على الصور حتى قفزت من مقعدي وأرسلت وابلاً من الأسئلة: ما هذا؟ من أين؟ كيف؟ متى؟ كانت الصور لأسامة بن لادن مكبلا ويحيط به عدد من الجنود والشرطة الباكستانيين.

تبسم الضباط وقالوا إنهم تلقوا معلومات من الاستخبارات الأميركية مدعمة بصور لابن لادن التقطت بواسطة القمر الفضائي، يظهر فيها وهو يستقل السيارة ويجلس إلى جوار السائق. حددنا موقع السيارة وخلال فترة وجيزة استطعنا إلقاء القبض عليه.

جالت في خاطري جوانب عدة للموضوع وبدأت سيناريوهات مختلفة تترى على البال ولكن الضباط كانوا هادئين وقطعوا علي حبل الأفكار قائلين تحققنا من الأسير الأهم كما تحقق منه الأميريكان وثبت بعد قليل أنه ليس "الهدف" بل رجل يشبهه إلى أقصى حد.

أورد الوزير السابق هذه القصة أثناء تعليقه المتلفز على العملية الأميركية في إبت آباد ولسان حاله يقول كم مرة اعتقلوه وكم مرة اغتالوه وكم تختلف فعلا هذه المرة عن سابقاتها.

الغموض سيد الموقف
بعد مرور عدة أيام على عملية إبت آباد ما زال الغموض هو سيد الموقف. التصريحات الرسمية الباكستانية والأميركية تزيد هذا الغموض، فبعد حوالي اثنتي عشر ساعة من العملية قالت السلطات في باكستان إن اجتماعاً طارئا عقد في القصر الرئاسي، حضره رئيس الدولة ورئيس الوزراء ورئيس الجيش ورئيس الاستخبارات وغيرهم من المسؤولين، ولكن الموقف الرسمي سوف تعلنه وزارة الخارجية، ثم أطلت الناطقة باسم الخارجية وصرحت بأن العملية تمت نتيجة لمعلومات استخباراتية قدمتها باكستان وأنها نفذت بالتنسيق مع الجهات الأمنية الوطنية.

التصريحات الأميركية خاصة تصريح الرئيس أوباما كذلك أشادت بالدور والتعاون الباكستاني وبالمعلومات التي قدمتها باكستان. المبعوث الشخصي للرئيس الأميركي مارك جراس مان التقى القيادة الباكستانية في نفس يوم تنفيذ العملية وأكد على التعاون الاستخباراتي الباكستاني للوصول إلى أسامة بن لادن.

"
رئيس الاستخبارات الأميركية وجه لطمة مدوية للحكومة الباكستانية عندما قال إن عملية مقتل بن لادن كانت أميركية بحتة
"
كما أشاد رئيس الوزراء الباكستاني يوسف رضا جيلاني في لقائه مع جراس مان بتصريحات الرئيس أوباما المقدرة للدور الباكستاني، واعتبر جيلاني اغتيال بن لادن فتحا ونصراً عظيما.

أما الرئيس زرداري فكتب مقالاً في جريدة واشنطن بوست تحت عنوان "باكستان قامت بدورها"، قال فيه إن القضاء على بن لادن قد أغلق الباب الرئيسي للشر وإن اغتياله نتيجة للتعاون الثنائي بين باكستان وأميركا.

في خضم هذه العنتريات جاء تصريح رئيس الاستخبارات الأميركية ليون بينيتا ليوجه لطمة مدوية إلى الحكومة الباكستانية. قال إن عملية إبت آباد كانت أميركية بحتة وإن السلطات الباكستانية لم تعلم بها إلا بعد إتمامها وبعد عودة القوات الأميركية إلى قواعدها, وأضاف أننا لم نخبر السلطات الباكستانية بالعملية خشية أن تتسرب المعلومات إلى الهدف أي إلى بن لادن. أليست هذه هي قمة الثقة المتبادلة بين البلدين؟

ثم خرجت الناطقة باسم الخارجية الباكستانية مرة أخرى خلال أربع وعشرين ساعة فقط لتقول إن عملية إبت آباد أحادية الطرف وإن طريقة تنفيذها أثارت قلق وتحفظات الحكومة وإن هذا الأسلوب الأميركي سوف يضر بالسلام العالمي.

وقالت إن المروحيات الأميركية اخترقت الأراضي الباكستانية وهي على ارتفاع منخفض جدا عبر المناطق الجبلية ومن ثم لم تظهر على الرادارات، ولكن رغم ذلك تابعتها الطائرات الباكستانية النفاثة خلال الدقائق الأخيرة من العملية، الأمر الذي اعترف به المستشار الأمني الأميركي جان برينن عندما قال في الإجابة على أسئلة أحد الصحفيين: إننا حاولنا وخططنا بصورة لا نصطدم فيها مع القوات الباكستانية، وإن طائراتنا خرجت من الأراضي الباكستانية عندما كان الباكستانيون يقومون برد الفعل على عملية في إبت آباد كانت مجهولة بالنسبة لهم.

باكستان أمام مخاطر جديدة
ليس الغموض والتصريحات المتضاربة والإحباط العام فقط هو ما يقلق الشارع الباكستاني، بل هناك تهديدات مباشرة ومستمرة توجه إلى باكستان ومن جهات مختلفة. الإعلام الأميركي، والساسة الأميركيون، والإسرائيليون، والهنود، والحكومة الأفغانية كلهم علقوا على عملية إبت آباد وبصوت واحد بأن باكستان تدعم الإرهاب وتؤوي زعماء القاعدة وطالبان ولا بد أن تعاقب على ذلك.

قالها الأميركان بصورة دبلوماسية قاسية وقالها الآخرون بصراحة شامتة. فهذا رئيس اللجنة الاستخباراتية في مجلس الشيوخ الأميركي دياني فين أستين يقول إن اللجنة سوف تستجوب رئيس وكالة الاستخبارات (CIA) عن دور باكستان الحقيقي في الحرب على الإرهاب، وقال إنه قد ثبت الآن أن باكستان كانت تعلم بوجود أسامة في أراضيها.

وقال رئيس لجنة مكافحة الإرهاب الأميركية جون برينن إننا نبذل قصارى جهودنا لنعرف كيف تمكن بن لادن من المكوث في هذه المنطقة كل هذه الفترة الطويلة ودون أن يعرف عنه أحد، سوف ننظر من أين كان يحصل على الدعم اللازم، إننا سوف نتكلم في هذا الصدد مع باكستان بصورة رسمية وصريحة.

أما رئيس لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأميركي سوسان كولنز فاتّهم باكستان باللعب على الحبلين، ودعا إلى قطع المساعدات المالية. الموقف نفسه كان لعضو مجلس النواب الأميركي فرينك لاؤتن برغ إذ قال إنه يجب قطع الإمدادات عن باكستان حتى تثبت أنها حليفتنا الحقيقية وأنها لا تؤوي الإرهابيين.

أما التصريحات غير الأميركية فلا تبقي ولا تذر. سلمان رشدي الكاتب الهندي الأصل والمعروف بقذارته "آيات شيطانية" نشر مقالا في صحيفة أميركية في اليوم التالي من عملية إبت آباد يقول فيه حسب جريدة "إندين إكسبريس": "لقد آن الأوان لإعلان باكستان دولة إرهابية وأن الشريط المكرر من قبل السلطات الباكستانية بأنها لا تعرف شيئا عن مكان بن لادن يجب أن لا يخدع العالم ويجب أن لا تسمح الولايات المتحدة الأميركية بنشر هذه الأكاذيب.

فأميركا تعرف أن باكستان تلعب معها لعبة مزدوجة وأن باكستان تدعم شبكة حقاني التي قتلت المئات من الأميركيين في أفغانستان. والهند كذلك تتلقى ضربات دامية من باكستان خاصة من قبل لشكر طيبة وجيش محمد المنظمتين الإرهابيتين اللتين تتلقيان دعماً رسمياً من السلطات الباكستانية".

"
ثمة تهديدات مباشرة ومستمرة توجه إلى باكستان من جهات مختلفة  بأن باكستان تدعم الإرهاب وتؤوي زعماء القاعدة وطالبان ولا بد أن تعاقب على ذلك 
"
أما المسؤولون الهنود فكثرت تصريحاتهم النارية في هذا الصدد، وقال رئيس سلاح الجو الهندي بي. وي. نائيك "إن الهند كذلك يمكنها أن تقوم بعمليات مشابهة للعملية الأميركية ضد الإرهابيين".

وفي نفس اليوم قام وزير الدفاع أي. كي. أنثوني ورئيس أركان الجيش الهندي وي. كي. سنغ بتفقد الخطوط الأمامية على الحدود مع باكستان، وألقى وزير الدفاع الهندي كلمته أمام الجنود الهنود طالب فيها الحكومة الباكستانية بإغلاق مخيمات تدريب الإرهابيين على أراضيها.

هذا من ناحية الشرق، ومن الحدود الغربية خرج كرزاي معربا عن فرحته لقتل بن لادن ومكرراً ما قاله في عديد من المناسبات إن جميع الأهداف المطلوبة في الحرب على الإرهاب توجد خارج الأراضي الأفغانية ويجب أن يكون تركيز الولايات المتحدة الأميركية على هذه المناطق، أي على باكستان.

هذه التصريحات وغيرها كثير تنذر بالأيام الصعبة القادمة على باكستان. فأميركا -التي من أجلها ضحت باكستان بجميع مصالحها الوطنية وقتل أكثر من اثنين وثلاثين ألف مدني من رعاياها وحوالي أربعة آلاف من جنودها- لا تراعي فيها إلاّ ولا ذمة.

علاقة متأزمة ومتوترة
بعد عملية إبت آباد خرج الناطق باسم البيت الأبيض جي كارني ليقول إن أميركا لن تعتذر لباكستان على اختراق أراضيها. وقال إن العلاقات الثنائية بين باكستان وأميركا هامة ولكنها معقدة.

نفذت عملية إبت آباد ليلة الأحد والغريب أنه في يوم الجمعة كانت هناك نقاشات إعلامية حادة في أميركا وباكستان فحواها أن الرئيس الجديد لوكالة الاستخبارات الجنرال بترايوس سوف يخوض أولى حروبه في باكستان وليس في أفغانستان.

وأوردت صحيفة كريستيان ساينس مونيتر الأميركية أن أميركا وباكستان أصبحتا حليفتين تكره إحداهما الأخرى، وأن الدولتين تشهدان حربا حقيقية بينهما لزيادة نفوذهما في أفغانستان، في فترة بعد انسحاب القوات الأميركية من هناك.

لو درسنا هذه التصريحات مجتمعة فسنرى علاقة متأزمة ومتوترة بين باكستان وأميركا في المستقبل، لكن يبدو أنها لن تصل إلى الانقطاع في الفترة المقبلة على الأقل. لأن أميركا غارقة في وحل أفغانستان ولا يمكنها الاستغناء عن باكستان في حربها على ما تسميه الإرهاب.

ويرى عديد من المحللين أن أياما صعبة تنتظر أميركا في أفغانستان وأن اغتيال أسامة بن لادن سوف يزيد الطين بلة للأميركيين.

إن الطريقة التي نفذت بها عملية إبت آباد أوصلت نسبة السخط الشعبي ضد أميركا إلى أعلى حد. فرغم أن معظم القنوات الإعلامية والصحف اليومية استخدمت كلمات مثل"قتل" و"هلك" و"اغتيل" ورغم أن صحفا معدودة فقط استخدمت كلمة "استشهد"، فإن استطلاعات ودراسات الشارع تؤكد أن الأغلبية الساحقة من الشعب الباكستاني أحست بالغصة بشأن عملية إبت آباد.

"
الباكستانيون يتساءلون: ألا يمكن لأية دولة إرهابية أخرى أن تحدد أي هدف تريده ثم تقوم بعملية مماثلة وفي حالة وجوم من القوى الأمنية؟
"
تجمعات كبيرة عقدت لأداء صلاة الغائب واجتماعات واحتجاجات كثيرة تشهدها باكستان في الأيام القادمة تنديدا لصلف الأميركان. لكن أكثر ما يقلق الشارع الباكستاني بجميع طوائفه وتوجهاته أن باكستان فقدت دفاعاتها.

فالدولة النووية السابعة في العالم تشهد أكبر عملية اختراق إرهابية لأراضيها، وتبقى الطائرات المهاجمة والجنود المسلحون في الأراضي الباكستانية لأكثر من ساعتين(المجيء، وتنفيذ العملية، والعودة) دون أن تعلم السلطات الأمنية.

الجميع هنا يتساءل: ألا يمكن لأية دولة إرهابية أخرى أن تحدد أي هدف تريده ثم تقوم بعملية مماثلة وفي حالة وجوم من القوى الأمنية؟ كيف يمكن لنا أن ندعي أن مفاعلاتنا النووية (الهدف الأهم للصهاينة والهندوس والأميركان) لن تصاب بسوء؟ حتى معارضو أسامة بن لادن بدؤوا يقولون "صدق بن لادن، الأميركان لا يمكن أن يكونوا أصدقاء المسلمين".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك