عبد الحسين شعبان

عبد الحسين شعبان

كاتب ومفكر عراقي


"انتبهوا الوقت ينفد في واشنطن!!".. هذه هي العبارة التي وجهها وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس للمسؤولين العراقيين لحثّهم على الاستعجال في طلب التمديد للقوات الأميركية في العراق، وذلك خلال زيارته المفاجئة إلى بغداد في شهر أبريل/نيسان 2011 بمناسبة الذكرى التاسعة لغزو العراق.

وكان من المفروض أن تنسحب القوات الأميركية من العراق حسب الاتفاقية الموقعة بين بغداد وواشنطن في شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2008 ضمن جداول زمنية تنتهي في أواخر العام 2011. وبالفعل وبناءً على قرار الرئيس الأميركي باراك أوباما، فقد تم سحب 91 ألف جندي في شهر أغسطس/آب 2010، لكن جدلاً عراقيا وأميركياً أخذ يدور حول استكمال خطوة الانسحاب أو الإبقاء على بضعة آلاف من الجنود الأميركان بعد انتهاء مدّة الاتفاقية، الأمر الذي يحتاج إلى اتفاقية جديدة لتنظيم بقائها قانونياً.

"
إذا كان مطلب التمديد بالبقاء قد بدا أميركيا، فهو في الوقت نفسه قد يكون عراقياً، وباستثناء كتلة الصدر فلا وجود لجهة سياسية تطالب وتصرّ على انسحاب كامل للقوات الأميركية
"
وإذا كان مطلب التمديد قد بدا أميركيا، فهو في الوقت نفسه قد يكون عراقيا، وباستثناء كتلة السيد مقتدى الصدر فلا وجود لجهة سياسية تطالب وتصرّ على انسحاب القوات الأميركية كاملة، بل بالعكس فإن بعض الجهات تدعو علناً لبقائها، كما تفعل كتلة التحالف الكردستاني في البرلمان، وكذلك تعلن صراحة حكومة إقليم كردستان ذلك.

ويتفاوت موقف بعض الأطراف بين السكوت أو إبداء شيء من الممانعة أو انتظار موقف الحكومة الرسمي، لا سيما وأن خطوة إبرام اتفاقية جديدة تتطلب مناقشتها في البرلمان لإقرارها فيما إذا اتخذت الحكومة قراراً بشأنها.

ويرى السفير الأميركي السابق في العراق رايان كروكر الذي عمل في بغداد بين عامي 2007 و2009 أن على واشنطن أن تتبع سياسة "الصبر الإستراتيجي" في المرحلة القادمة إزاء العراق، ولم يعد بإمكانها القيام بخطوات أحادية بعد الآن، لكن إذا طلب العراقيون إعادة تقويم الوضع بشكل مشترك لما بعد العام 2011، فسيكون من مصلحة الإدارة الأميركية إستراتيجيا أن تردّ على الطلب بالإيجاب.

وبهذا المعنى تريد واشنطن أن تضع الكرة في ملعب العراقيين، وعلى الرغم من انقسامات المجموعات السياسية فإنها مع الاستثناء الذي ذكرناه يمكن أن تتفق على بقاء محدود للقوات الأميركية مع بعض القواعد التي تتمركز فيها ولمدة محددة كأن تكون سنتين أو ثلاث سنوات، وقد تكون قابلة للتمديد وقد تستبدل باتفاقية أخرى، لا سيما إذا اقتضت الحاجة ذلك.

وقد كانت الدهاليز السياسية تتداول بعض الإشاعات القوية عن تحضيرات متبادلة لإبرام اتفاقية جديدة تنظّم العلاقات السياسية والعسكرية والأمنية وغيرها بين واشنطن وبغداد.

وعلى الرغم من بعض التحفظات والمشاغلات، وهو ما سبق أن حصل إبان إبرام اتفاقية العام 2008 التي "اضطر" الجميع تقريباً في نهاية المطاف للموافقة عليها، وعلى أمل عرضها للاستفتاء الشعبي، الذي لم يحصل حسبما هو مقرر، فإن عقد اتفاقية جديدة قد ينحو المنحى ذاته، علما بأن بعض القوى لا تريد المبادرة، وبعضها ينتظر من يبادر، والكل يريدون "أكل الثوم بفم الغير"، حتى من برّر أن الاتفاقية السابقة باعتبارها "أحسن الحلول السيئة" وذلك في تصريح للأمين العام للحزب الشيوعي حميد مجيد موسى.

ومع الإقرار بالنواقص والثغرات الأمنية وعدم استكمال بناء قوات مسلحة قادرة على مجابهة التحدّيات الخطيرة الخارجية والداخلية، فإن أولويات واشنطن لا تتوقف عند هذا الحد، بل تربط وجود اتفاقية جديدة مع العراق بملفات مهمة وملحّة مثل: الملف الإيراني لا سيما الشق النووي، وموضوع انسحاب وإعادة انتشار قوات أميركية من أفغانستان، والعلاقة المعقّدة مع باكستان، وآفاق السلام بعد التغيير، لا سيما استمرار تعنّت الموقف الإسرائيلي والارتياب من المصالحة الفلسطينية بين فتح وحماس، والأزمة الاقتصادية والمالية العالمية وانعكاساتها على الولايات المتحدة، خصوصاً وأن الأرقام التي نشرها جوزيف ستيغلز الأستاذ في جامعة كولومبيا وبلميز ليندا الأستاذة في جامعة هارفرد تشير إلى أن واشنطن صرفت على حرب العراق أكثر من 3 مليارات دولار حتى أواخر العام 2008، وهو ما صدر ضمن تقرير عن وزارة الخارجية الأميركية (عام 2009). كل ذلك يأتي بعد الانتفاضات الشعبية للعديد من بلدان المنطقة وبعد قتل أسامة بن لادن في عملية خاصة لوكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في إسلام آباد.

وفي كل الأحوال فإن الإبقاء على بضعة آلاف من القوات الأميركية (المرجح أن العدد يتجاوز العشرة آلاف) له ما يبرّره أميركيا وعراقياً على صعيد الحكومة وشركائها، لا سيما أن هذه القوة مدرّبة وبجاهزية عالية ولديها كل ما تحتاجه للقتال تقنيا، وذلك تحت باب تدريب وتجهيز القوات العراقية، وتقديم المشورة لها والقيام بعمليات محدودة مشتركة لمكافحة الإرهاب، بما يتفق مع الالتزامات العراقية والأميركية.

يضاف إلى هذه القوة العسكرية وجود أميركي مدني قوي في العراق، خصوصاً وأن السفارة الأميركية في بغداد هي أكبر السفارات الأميركية في العالم، ولديها قنصليتان في البصرة وأربيل، إضافة إلى مكاتب في كركوك والموصل وتضم نحو 2400 موظف، وتتعاقد هذه مع شركات أمنية توفّر لها حماية قانونية خاصة لحماية مجمّعاتها الخمسة في العراق، إضافة إلى حماية الشخصيات الرسمية المدنية والعسكرية الأميركية.

"
ماذا لو قررت واشنطن لحساباتها الخاصة، وضغط الرأي العام الأميركي والدولي، الانسحاب من العراق، هل ستتركه فريسة لدول الجوار لا سيما لإيران؟
"
وبما أن القوات المسلحة العراقية غير قادرة حتى الآن على حماية الأجواء العراقية وكذلك المياه الإقليمية إزاء التحديات الخارجية، فالأمر يتطلب وجودا عسكريا أميركيا لتأمين ذلك، وهو المبرر ذاته الذي "رضخت" إليه القوى السياسية بقضّها وقضيضها تقريباً، لا سيما المشاركين في العملية السياسية لتبرير موافقتهم على اتفاقية العام 2008 وقبلها مذكرة التفاهم وعلى تمديد القرارات الدولية ومهمّات قوات التحالف في العراق ودفع تعويضات لواشنطن في اتفاقية التسوية بلغت 400 مليون دولار بعد إغلاق صندوق تنمية العراق الذي تأسس طبقاً لقرار مجلس الأمن الدولي 1483 يوم 22 مايو/أيار 2003.

ولكن ماذا لو قررت واشنطن لحساباتها الخاصة، ولا سيما تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية وضغط الرأي العام الأميركي والدولي، الانسحاب من العراق، فهل ستتركه فريسة لدول الجوار، لا سيما لإيران التي اتّسع نفوذها إلى حدود كبيرة؟ وحتى الولايات المتحدة التي احتلت العراق، اضطرت إلى التوافق معها بشكل مباشر أو غير مباشر على تشكيل الحكومة العراقية القائمة، لاعتقادها أن فرض مرشح عنها سيعني فشلاً مؤكداً لسياساتها الفاشلة بالأساس.

لكن واشنطن حتى لو انسحبت من العراق فلن تترك الحبل على الغارب وتهرب إلى الأمام، وفي الوقت نفسه تبحث عن انسحاب "مشرّف" ومسؤول كما أسماه الرئيس الأميركي أوباما، وفي ذلك واقعية سياسية، خصوصاً بعد هزيمة المشروع الأميركي الشرق أوسطي الكبير أو الجديد، والغرق في الوحل العراقي حتى العنق، وهنا لا بدّ من الاستعاضة عن الوجود العسكري والقواعد المباشرة (فيما إذا حصل الانسحاب) بقواعد عسكرية موجودة وقائمة في الخليج، خصوصاً وأن هناك قاعدتين عسكريتين في الكويت، ومقر الأسطول الخامس الأميركي في البحرين، إضافة إلى قاعدة إمداد ضخمة في قطر، ومنشأتي طوارئ في عُمان ودولة الإمارات العربية، وباستطاعة واشنطن أن تنشر بسرعة قوات أرضية، إضافة إلى قدرات جوية وصاروخية وقوات بحرية، لردع أي هجوم ولمواجهة أي احتمال خارجي.

وإذا كان المشهد العراقي ملتبساً فإن الوضع الأميركي لا سيما العسكري معقد، فعلى الجبهة العراقية تتخوف بعض القوى من الانسحاب الأميركي، وإذا كانت الحركة الكردية تريده ضماناً للمكاسب التي أحرزتها ومساعداً في حل مشكلة ما تسمى المناطق المتنازع عليها، لا سيما "عقدة كركوك"، فإن بعض الأطراف السياسية ممن يصطفون تحت اسم "العرب السنّة" يبدون حذراً إزاء الانسحاب الأميركي، وإن كانوا لا يعبّرون عن ذلك صراحة، خوفاً من احتمال تمدد القوى الشيعية المهيمنة، خصوصاً باختلال معادلة وجود طرف موازن، والأكثر من ذلك أن بعض الجماعات المعارضة للوجود الأميركي هي الأخرى عبّرت عن مخاوفها من انسحاب أميركي.

فقد صرّح وزير خارجية العراق الأسبق والقيادي في حزب البعث طارق عزيز من محبسه بأن على أميركا مسؤولية أن لا تترك العراق بيد "الذئاب"، والمقصود بذلك القوى المهيمنة على الحكم، الأمر الذي يثير الكثير من المفارقات والتداعيات حول "واقعية" الانسحاب ومواقف القوى منه، بما فيها القوى المهيمنة التي قد يتعاظم قلقها فيما إذا حصل الانسحاب.

وبالقدر الذي تريد بعض القوى تعبئة الشارع لمناوئة مواقف الحكومة بالدعوة إلى الانسحاب، فإنها في حقيقة الأمر تريد بقاء القوات الأميركية، خوفا من اختلال معادلة التوازن لصالح طهران التي يعتبرها أخطر من الاحتلال الأميركي، فهي ستسارع لدعم أصدقائها، وكان الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد قد صرّح بخصوص الفراغ الأمني قائلاً إن إيران وغيرها من دول المنطقة مستعدة لملء الفراغ المتوقع، في سيناريو يبدو أقرب بالكابوس لبعض الجهات المشاركة في العملية السياسية أو من خارجها.

كما أن هناك من يعتقد أن مجرد الموافقة على الانسحاب الأميركي سيدفع البلاد مجدداً إلى أتون الحرب الأهلية، حيث ستصل العملية السياسية إلى انسداد الأفق وقد تنهار ويتحوّل الصراع الحالي، الذي عطّل الدولة ومهماتها الأساسية في توفير الأمن والخدمات الصحية والتعليمية وتأمين العمل للعاطلين ومحاربة الفساد، من صراع سياسي إلى صراع مسلح قد تتشظى البلاد بسببه.

والأكثر من ذلك هناك من يقول إن "التمذهب" والتفتت العراقي قد ينتقل إلى دول الجوار، التي تعيش أوضاعاً صعبة، لا سيما أن الانتفاضات الشعبية أثبتت رخاوة الكثير من الأنظمة، الأمر قد يؤدي إلى انفلات الأوضاع في ظل بيئة مشجعة إقليمياً ودولياً، وهكذا يمكن أن تعمّ الفوضى أكثر من بلد انطلاقاً من العراق.

"
مثلما ظلّ الغموض والإبهام يحيطان باتفاقية العام 2008 ونصوصها, فإن الغموض والسرية لا يزالان يحيطان بالموقف من الانسحاب الأميركي
"
من جهة أخرى واستكمالاً لسيناريو الانسحاب الأميركي، فإن تعويضاً آخر يمكن أن يحلّ محله وهو استمرار التعاقد مع الشركات الأمنية، التي هي جيش خفي وسرّي تديره مؤسسات خاصة تتعاقد مع الجيش الأميركي وتضم مرتزقة لمهمات خاصة وهي تخدم من يدفع لها، ويمكن لهذه الشركات القيام بدور القوات الأميركية الضاربة، إضافة إلى حماية المنشآت والمرافق الأميركية في العراق وما يمكن حمايته مثل آبار النفط وخطوط إمداده وغيرها.

ومثلما ظلّ الغموض والإبهام يحيطان باتفاقية العام 2008 ونصوصها التي لم تنشر إلاّ بعد إبرامها ولم يطّلع عليها أعضاء البرلمان، الذين وجب عليهم مناقشتها، إلاّ عند عرضها عليهم، فإن الغموض والسرية لا يزالان يحيطان بالموقف من الانسحاب الأميركي، الأمر الذي يضاعف القلق من احتمال تدهور الوضع نحو المزيد من التعويم وعدم الشعور بالثقة والاطمئنان والأمن.

ومثلما حذر رئيس هيئة أركان الجيش الأميركي في وقتها مايكل مولن الحكومة العراقية من أن عدم التوقيع على الاتفاقية سيؤدي إلى عواقب كارثية، فهناك من يقول، لا سيما من الجانب الأميركي وبعض المسؤولين العراقيين، إن الانسحاب سيعرّض الوضع العراقي إلى انهيار متوقع، فما أشبه اليوم بالبارحة؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك