محمد عباس ناجي

محمد عباس ناجي


تناقض الموقف الإيراني
استقرار النظام السوري مصلحة إيرانية
سوريا تستقطب عروض المتخاصمين

حالة من التناقض تبدو جلية في تعامل إيران مع الثورات والاحتجاجات الشعبية التي اجتاحت العديد من الدول العربية. فعندما بدأت هذه الظاهرة في طرق أبواب عدد من الأنظمة السياسية العربية، مثل النظامين التونسي والمصري، أبدت إيران دعما ملحوظا لها، واعتبرتها "أحد تجليات الثورة الإيرانية" التي أطاحت بنظام الشاه محمد رضا بهلوي في عام 1979.

وبدا التأييد الإيراني أكثر وضوحا في حالة البحرين لدرجة وضعتها في مواجهة مكشوفة مع دول مجلس التعاون الخليجي التي بدأت، ربما لأول مرة، في تقليص حدة التباينات في مواقفها تجاه إيران.

لكن حينما جاء الدور على سوريا لتشهد انتفاضة على النظام الحاكم بدأت تتسع تدريجيا بسبب الإجراءات القمعية التي يتخذها النظام للتعامل مع الأزمة، تغيّر موقف إيران إلى النقيض، حيث دعمت النظام ونددت بمطالب المحتجين.

تناقض الموقف الإيراني
هذا التناقض الواضح في الموقف الإيراني يطرح دلالة مهمة مفادها أن إيران تتعامل مع التطورات السياسية التي تشهدها كثير من الدول العربية بمنطق الدولة التي تعي مصالحها وليس الثورة التي تلتزم بسقف أيديولوجي.

ولذا باركت طهران الثورات التي أطاحت بأنظمة تعادي طموحاتها النووية والإقليمية لا سيما نظام الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، ورفضت تلك التي تصاعدت في وجه حلفائها، لأن نجاحها كفيل بتغيير التوازنات الإقليمية في المنطقة بشكل يمكن أن يهدد مصالحها ويربك حساباتها الإقليمية في وقت تواجه فيه تحديات داخلية وخارجية ليست هينة.

"
باركت طهران الثورات التي أطاحت بأنظمة تعادي طموحاتها النووية والإقليمية، ورفضت تلك التي تصاعدت في وجه حلفائها، لأن نجاحها كفيل بتغيير التوازنات الإقليمية
"
إيران لم ترفض المظاهرات التي اجتاحت العديد من المدن السورية مثل درعا وبانياس وحلب فحسب، بل اعتبرتها "مؤامرة خارجية افتعلها الأعداء لتهديد النظام السوري وضرب الأمن والاستقرار في سوريا"، وأكدت أن تعامل النظام معها هو "شأن داخلي"، وربطت بينها وبين الأحداث التي شهدتها في عام 2009، على خلفية الاعتراض على نتائج الانتخابات الرئاسية التي أجريت في هذا العام وأسفرت عن فوز الرئيس محمود أحمدي نجاد بفترة رئاسية ثانية.

هذا الربط كان مقصودا للإشارة إلى أن المظاهرات التي وقعت في البلدين كانت مؤامرة من تدبير قوى خارجية لتقويض دعائم النظامين الحليفين. لكنه لا يتسامح مع المعطيات الموجودة على الأرض التي تشير إلى أن هذه المظاهرات، مثل غيرها من تلك التي وقعت في الدول الأخرى بالمنطقة، هي نتاج مخاض طويل لحالة من الاستياء الشعبي المتصاعد على خلفية انتشار ظواهر الفساد والرشوة وارتفاع مستويات الفقر ومعدلات التضخم والبطالة واحتكار السلطة وانتهاك القوانين وغياب الحريات العامة وانتشار الجريمة والإرهاب.

إيران لم تكتف بذلك، فإلى جانب توارد معلومات "غير مؤكدة" تشير إلى مشاركة عناصر من الحرس الثوري الإيراني في قمع المظاهرات السورية، فإن ثمة مؤشرات عديدة تؤكد أن إيران قدمت لسوريا خبرتها في التعامل مع الأزمة السياسية التي واجهتها في عام 2009.

وتشير تقارير أخرى إلى أنها وفرت لدمشق أدوات تكنولوجية متطورة لملاحقة المحتجين على المواقع الإلكترونية التي كان لها دور كبير في تهيئة المناخ الثوري في المنطقة مثل "فيسبوك" و"تويتر"، كما منحت الضوء الأخضر لوسائل إعلامها لتقديم دعم قوي للإجراءات التي اتخذها النظام السوري تجاه المتظاهرين.

استقرار النظام السوري مصلحة إيرانية
هذا الموقف الإيراني يمكن تفسيره في اعتبارين: الأول، أن إيران ترى في الحفاظ على استقرار النظام السوري الحالي مصلحة عليا، لجهة أن سوريا تمثل ما يسمى بـ"همزة الوصل" بين إيران وحلفائها الإقليميين مثل حزب الله اللبناني وحركتي حماس والجهاد الإسلامي الفلسطينيتين، و"نقطة وثب" مهمة تستثمرها إيران للضغط على إسرائيل من حدودها الشمالية.

وبالتالي فإن أي تغيير محتمل في النظام السوري يمكن أن يهدد بقطع هذا التواصل، لأنه ليس مضمونا أن يلتزم أي نظام سوري بديل بالتعهدات التي يفرضها التحالف مع إيران، خصوصا أن إيران لم تستعد للتعامل مع مثل هذا الاحتمال، كما أن القوى السياسية البديلة للنظام لا تعد بالضرورة حليفة لإيران، وسبق أن حذر بعضها مثل "حركة العدل والبناء" من مخاطر الهيمنة الإيرانية على سوريا.

والثاني، أن حدوث أي تغيير في النظام الحالي يمكن، في رؤية إيران، أن يعضد من حضور قوى إقليمية بديلة، أو ربما منافسة لإيران داخل سوريا بشكل يمكن أن يخصم من نفوذها ويعقد حساباتها الإقليمية، وهو احتمال يكتسب وجاهة خاصة لاعتبارين: أولهما ما كشفت عنه إحدى وثائق ويكيليكس بشأن قيام وزارة الخارجية الأميركية بتقديم دعم مالي لبعض الجماعات المحسوبة على المعارضة السورية وإحدى القنوات الفضائية التي تبث برامج مناهضة للنظام السوري.

وثانيهما، دخول تركيا على خط التجاذبات السياسية داخل سوريا، حيث تشير مؤشرات عديدة إلى بروز توتر في العلاقات بين دمشق وأنقرة على خلفية امتعاض الأخيرة من الإجراءات التي اتخذها النظام السوري ضد المتظاهرين، فضلا عن استضافة تركيا لعدد من رموز المعارضة مثل المراقب العام لجماعة الإخوان المسلمين السورية الذي عقد مؤتمرا صحفيا بإسطنبول في بداية شهر أبريل/نيسان، وجه فيه انتقادات حادة إلى الرئيس السوري بشار الأسد وهدد بمواصلة الاحتجاجات السلمية ودعا إلى وساطة تركية بين النظام والمعارضة.

فضلا عن ذلك، فإن الطبيعة "الفسيفسائية" للمجتمع السوري تفرض مسحة ضبابية على المشهد السياسي في حالة غياب النظام الحالي. ورغم أن ذلك يمكن أن ينتج تداعيات سلبية حتى على منافسي طهران الإقليميين خصوصا تركيا التي تبدي قلقا ملحوظا تجاه التطورات الداخلية في سوريا، فإن إيران لن تكون بدورها بمنأى عن ذلك، خصوصا في ظل ميل التوازن المذهبي في سوريا لغير صالح الشيعة العلويين المتحكمين في مفاصل صنع القرار.

ولا يعني هذا أن إيران تضفي طابعا مذهبيا على تعاملها مع أزمة سوريا أو مع تطورات محيطها الخارجي بصفة عامة وذلك لاعتبارات ثلاثة: الأول أن إيران تستدعي أيديولوجيتها عندما لا تتعارض مع مصلحتها، لكن حينما تواجه خيارات صعبة وبدائل ضيقة تفرض عليها اتخاذ قرارات حاسمة فإنها تغلب المصلحة في النهاية.

"
مصلحة إيران وأيديولوجيتها في التعامل مع سوريا تبدو متصالحتين، لجهة أن إيران ترى في الحفاظ على استقرار النظام السوري مكاسب سياسية ومذهبية في الوقت نفسه
"

وفي حالة سوريا، فإن مصلحة إيران وأيديولوجيتها تبدو متصالحتين، لجهة أن إيران ترى في الحفاظ على استقرار النظام السوري مكاسب سياسية ومذهبية في الوقت نفسه. والثاني، أن كل القوى الحليفة لإيران في المنطقة ليست بالضرورة شيعية، إذ تحرص إيران دوما على الخروج من هذا الإطار الضيق من خلال توثيق علاقاتها مع قوى سنية مثل حركة المقاومة الإسلامية (حماس).

والثالث، أن كل القوى والتجمعات الشيعية في المنطقة ليست بالضرورة حليفة لإيران، ففضلا عن أن ولاء الشيعة لأوطانهم يبدو حقيقة غير قابلة للتأويل، فإن ثمة تيارات شيعية عروبية معادية لإيران بل إن منها من يعتبر إيران "عدوه الأول".

الملفت للانتباه في هذا السياق هو أن إيران لا تبدو مطمئنة حتى إلى احتمال خروج النظام سالما من الأزمة، لأن ذلك لن يحدث، على الأرجح، دون إقدامه على إجراء إصلاحات باتت ضرورية لاستيعاب ضغوط الداخل والخارج، وهنا تكمن مخاوف طهران، لأن ولوج النظام السوري في هذا المسار يمكن أن يستتبعه تغيير في سياسته الخارجية باتجاه الابتعاد تدريجيا عن طهران، وهو احتمال يواجه صعوبات لكنه ليس مستحيلا خصوصا أن القوى الخارجية التي تترقب الوضع في سوريا وتقرأ تفاصيله بحذر ربما لن تمنح تأشيرة المرور للنظام السوري لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بدون الإقدام على خطوة من هذا النوع.

سوريا تستقطب عروض المتخاصمين
هذه المخاوف التي تنتاب إيران تكتسب وجاهتها مع الوضع في الاعتبار حقيقة مهمة مفادها أن سوريا، على عكس ما يشاع، حريصة على عدم وضع كل البيض في سلة إيران، وهو ما يبدو جليا في موقفها تجاه أزمة البحرين.

فرغم الدعم الإيراني الواضح للنظام السوري في مواجهة أزمته الداخلية، فإن الأخير لم يقابل ذلك بتأييد موقف إيران تجاه أحداث البحرين، حيث كان لافتا حرص دمشق على دعم السياسة التي انتهجتها دول مجلس التعاون للتعامل مع الأزمة البحرينية، وهي السياسة التي أدت إلى تصاعد حدة التوتر والاحتقان بين إيران ودول مجلس التعاون، لدرجة دفعت أحد وزراء الخارجية الخليجيين إلى القول إن دول مجلس التعاون لن "تسمح بتحول البحرين إلى لبنان آخر"، وإنها مستعدة حتى للدخول في حرب مع إيران للحيلولة دون حدوث ذلك.

هذا التأييد السوري بدا جليا في تأكيد وزير الخارجية السوري وليد المعلم، بعد أيام من زيارته لطهران ومباحثاته مع المسؤولين الإيرانيين التي كانت الأزمة البحرينية أحد أهم محاورها، على أن "قوات درع الجزيرة ليست قوات احتلال وإنما تأتي في إطار مشروع"، مضيفا أن "الاتفاقيات التي أسست درع الجزيرة والاتفاق المشترك بين دول مجلس التعاون الخليجي تشكل الأساس القانوني، كما أن موافقة مملكة البحرين على دخول هذه القوات تشكل الأساس الشرعي".

حرص سوريا على تأييد موقف دول مجلس التعاون تجاه أزمة البحرين يطرح دلالتين: أولاهما، أن ما يسمى بـ"التحالف الإيراني السوري" له حدود على الأرض، وأنه ليس من النوع القوي البنية، لا سيما أن التباينات داخله ليست هامشية، بل ربما تكون مرشحة للتفاقم في المستقبل على خلفية التطورات المتسارعة التي تشهدها العديد من الملفات الإقليمية التي تمثل نقاط تماس مشتركة وعلى رأسها الملف العراقي واللبناني والفلسطيني.

بمعني آخر، فإن التحالف بين إيران وسوريا هو أقرب إلى "تحالف مصالح مفتوح" فرضته الظروف الدولية والإقليمية التي تعرضت لها الدولتان، لكنه تحالف لا يلزم طرفيه بسقوف سياسية وإستراتيجية صارمة بل يمنحهما في كثير من الأحوال حرية للحركة وهامشا للمناورة تدفعهما إلى فتح قنوات تواصل حتى مع قوى أخرى منافسة.

"
التحالف بين إيران وسوريا هو أقرب إلى "تحالف مصالح مفتوح"، لكنه تحالف لا يلزم طرفيه بسقوف سياسية وإستراتيجية صارمة
"
وثانيتهما، أن سوريا أثبتت قدرتها علي الجمع بين المتناقضات واستدراج عروض الخصوم والمنافسين. ففي الوقت الذي تحتفظ فيه بعلاقات وثيقة مع إيران والفصائل الفلسطينية واللبنانية المسلحة، سعت إلى فتح قنوات تفاوضية مع إسرائيل بوساطة تركية بهدف استعادة هضبة الجولان المحتلة، وإلى التجاوب مع مبادرات الانفتاح التي أبدتها العديد من القوى الغربية التي تعادي طموحات إيران الإقليمية والنووية وتسعى إلى تعزيز العزلة والعقوبات الدولية المفروضة عليها مثل الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، رغم علمها بأن أحد أهم أهداف هذا الانفتاح الغربي هو فك تحالفها مع إيران.

هذا الموقف السوري المتماهي مع السياسة الخليجية تجاه أحداث البحرين يجد تفسيره في حرص سوريا على عدم قطع خطوط التواصل مع القوى العربية الرئيسية في المنطقة بهدف توفير غطاء عربي لها في تعاملها مع الأزمة السياسية الداخلية، تحاشيا لتكرار السيناريو الليبي، بعد أن أقدمت جامعة الدول العربية على دعوة الأمم المتحدة إلى فرض حظر جوي على ليبيا لتقليص قدرة القوات الموالية للعقيد معمر القذافي على مهاجمة المحتجين، وبعد أن شاركت بعض من هذه الدول في تطبيق قرار الحظر.

هذه الحقائق نفسها تفسر أسباب عدم اندفاع إيران إلى انتقاد سوريا أو محاولة إقناعها للعدول عن موقفها تجاه أزمة البحرين، لإدراكها تماما أن "التحالف المرن" بينهما يوفر لهما خيارات متعددة ويجنبهما مواجهة مأزق "البدائل الضيقة" الذي يمكن أن ينتج تداعيات سلبية ليست قليلة على علاقات وثيقة امتدت لأكثر من ثلاثين عاما.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك