ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني


ما إن فرغت من الاستماع إلى رسالة أسامة بن لادن (رحمه الله) الأخيرة حتى تملكني سؤال يقول: هل استمع إليها من اتخذوا قرار اغتياله، وليس اعتقاله، فكانت سببا في اتخاذهم القرار؟ وهل كانوا فعلا قد حددوا مكانه منذ عام أو أقل أو أكثر، لكن قرار الاغتيال قد جاء في هذا التوقيت لاعتبارات متعددة من بينها، وربما في مقدمتها الرسالة المذكورة؟

قد أكون مبالغا بعض الشيء، لكن من استمع إلى الرسالة، وكان يعرف من هو أسامة بن لادن وطبيعة تفكيره وطروحات (القاعدة)، سيدرك أن الانطباع الذي تولد عندي ليس غريبا إلى حد كبير، فالرسالة تنطوي على تغير واضح وحقيقي في تفكير الرجل، وليس مجرد تغير عابر كما كان الحال في عدد من رسائله التي اقترب بعضها من لغة اليسار الأوروبي في حديثها عن العولمة المتوحشة والاحتباس الحراري والقضايا التي تمس الفقراء بشكل عام.

"
تحول بن لادن في رسالته الأخيرة إلى صوت من أصوات ميادين التحرر والتحرير في العالم العربي، أي إنه تحول إلى الأصوات الداعية إلى الثورات السلمية
"
بداية نحن إزاء رسالة في غاية الرقة من حيث اللغة والأسلوب، وهي قطعة أدبية جميلة، وإن انتمت إلى النثر القديم الذي يهتم بالسجع والجناس والطباق. وهي عموما ليست طويلة (حوالي 1400 كلمة، قرأها في أقل من 13 دقيقة)، لكنها كانت مميزة وتستحق أن يُستمع إليها أو أن تقرأ، وإن كان لصوت الرجل جرسه الخاص.

أكثر بن لادن في الرسالة من السجع على نحو لم يحدث في أي من رسائله السابقة، لكأنه يتحدث في عرس، كما أكثر من استخدام مقاطع من الشعر، من دون أن يقول لنا إن كان من نظمه أم لا، لكن معالجة المقاطع لبعض القضايا الجديدة تشير إلى أنها من نظمه شخصيا، وقد كان من عادته في رسائله الاستشهاد بشعر بعضه من نظمه، وبعضه الآخر من نظم شعراء يحبهم، مع أبيات من اللون المشهور في الشعر العربي.

نأتي إلى المضمون الذي أثار لدينا الانطباع إياه، وخلاصته أن أسامة بن لادن قد تحول في رسالته الأخيرة إلى محرّض، ليس على قتل الأميركان أو على الجهاد في سبيل الله بالقوة المسلحة كما كان دائما، بل إلى صوت من أصوات ميادين التحرر والتحرير في العالم العربي، أي إنه تحول إلى صوت من الأصوات الداعية إلى الثورات السلمية.

بل إننا لا نعثر في الرسالة على أية دعوة للعنف، فيما نعثر في المقابل على لغة تمجّد الذين يتلقون الرصاص بصدورهم من دون أن يردوا على العنف بالعنف، الأمر الذي كان نوعا من الجبن والخور في خطابه السابق المعروف.

من المؤكد أننا إزاء تحول بالغ الأهمية، ليس فقط لأنه يسحب من أهل الحكم في عدد من الدول العربية مقولات السلفية الجهادية والقاعدة التي يواجهونها من أجل تبرير قتل المحتجين في الشوارع، بل أيضا لأنه يحوّل رجلا له محبته في قلوب الناس رغم اختلاف أكثرهم مع نهجه في التغيير، يحوله من داعية جهاد مسلح، إلى داعية للاحتجاج السلمي ضد الأنظمة المستبدة، وصوتا يرد على تلك الأصوات التي ما برحت تستخدم الدين في منح الحصانة للحكام، وإن جلدوا الظهور وسلبوا الأموال.

في افتتاحية الرسالة يعبر بن لادن عن فرحه بالثورات العربية، خلافا لمن رأوا أنه سيكون أكثر الرافضين لها، وربما المحبطين من نجاح بعضها، تبعا لحقيقة أنها تسحب البساط من تحت أقدام برنامجه، الأمر الذي يؤكد أن الرجل كان مجتهدا فيما يفعل، كما يؤكد إخلاصه لقضايا أمته، بل إن من غير العسير علينا أن نتوقع منه (لو طال به العمر) خطابا نقديا للمسيرة السابقة يتحدث عما تخللها من أخطاء بعضها كان هو مسؤولا عنه، والآخر كان ملقىً على كاهله بسبب زعامته للفكرة (فكرة القاعدة)، فضلا عن التنظيم.

في الجزء الأول من الرسالة، نرى بُعدا بالغ الأهمية في خطاب أسامة بن لادن يدرك دور مصر في مسيرة التغيير في الأمة، فهو وإن احتفى بثورة تونس، إلا أنه خصّ مصر بكلمات مختلفة.

يقول بن لادن (اقتباس طويل): يمّمت الأمة وجهها ترقب النصر الذي لاحت بشائره من المشرق، فإذا بشمس الثورة تطلع من المغرب. أضاءت الثورة من تونس، فأنِسَتْ بها الأمة، وأشرقتْ وجوه الشعوب، وشرِقتْ حناجرُ الحكام، وارتاعت يهودُ لقرب الوعود. فبإسقاط الطاغية سقطت معاني الذلة والخنوع والخوف والإحجام، ونهضت معاني الحرية والعزة والجرأة والإقدام، فهبت رياح التغيير، رغبة في التحرير.

"
كان لتونس قصب السبق, وبسرعة البرق، أخذ فرسان الكنانة قبسا من أحرار تونس إلى ميدان التحرير، فانطلقت ثورة عظيمة لمصر كلها، وللأمة بأسرها
"
وكان لتونس قصب السبق. وبسرعة البرق، أخذ فرسان الكنانة قبسا من أحرار تونس إلى ميدان التحرير، فانطلقت ثورة عظيمة وأي ثورة. ثورة مصيرية لمصر كلها، وللأمة بأسرها إن اعتصمت بحبل ربها، ولم تكن هذه الثورة ثورة طعام وكساء، وإنما ثورة عز وإباء. ثورة بذل وعطاء. (انتهى الاقتباس).

هكذا اعتبر بن لادن نصر مصر، نصرا للأمة كلها نظرا لأهميتها ودورها التاريخي، ثم يمّم الرجل وجهه نحو الدول الأخرى التي سارت على هدى الثورة المصرية، وقدم لهم بعض النصائح التي ليس من بينها حمل السلاح على الإطلاق.

كما تحدث عنهم بشاعرية مميزة حيث قال: "فاقتبسوا من ميدان التحرير في القاهرة، شعلا ليقهروا بها الأنظمة الجائرة، ووقفوا في وجه الباطل ورفعوا قبضاتهم ضده، ولم يهابوا جنده، وتعاهدوا فوثقوا المعاهدة، فالهمم صامدة، والسواعد مساعدة، والثورة واعدة، فإلى أولئك الثوار الأحرار في جميع الأقطار: تمسكوا بزمام المبادرة، واحذروا المحاورة، فلا التقاء في منتصف السبيل، بين أهل الحق وأهل التضليل".

وبعد أن يؤكد الرجل على أن الثورات العربية هي "فرصة تاريخية عظيمة نادرة للنهوض بالأمة، والتحرر من العبودية لأهواء الحكام والقوانين الوضعية والهيمنة الغربية"، يقدم نصيحة مهمة تؤكد خروج الرجل من دائرة الوصاية على الأمة إلى اعتبار نفسه أحد أبنائها الناصحين لها، بل إنه يضع مهمة النصح والمشورة بيد آخرين حين اقترح "تأسيس مجلس لتقديم الرأي والمشورة للشعوب المسلمة في جميع المحاور المهمة"، كما دعا إلى "إنشاء غرفة عمليات لمواكبة الأحداث"، مع "الاستفادة من مقترحات أولي النهى في هذه الأمة، والاستعانة بمراكز الأبحاث المؤهلة وأولي الألباب من أهل المعرفة".

وقبل أن يتوقع أن تهب رياح التغيير على سائر أنحاء العالم الإسلامي، يختم هذه الفقرة ببيت شعر شهير ينطوي على رسالة للمريدين بعدم التهور والتورط فيما يضر الثورات الشعبية (الرأي قبل شجاعة الشجعان، هو أول وهي المحل الثاني).

في فقرة تالية، وبعد أن يذكّر بثورات سابقة خطفها آخرون، ودعوته إلى وعي يحول بين الثورات الجديدة وبين ذات المصير، يلتفت إلى ثقافة الخنوع التي يبثها كثيرون، وهم هنا من المحسوبين على العلم الشرعي، وكثير منهم ينتسب لتيار يحسب نفسه على السلف الصالح مع الأسف الشديد.

يركز على هذا البعد بانتقاده لما سماها "ثقافة الذل والهوان والخنوع وتكريس الطاعة المطلقة للحكام،-تلك عبادة لهم من دون الله-، والتنازل عن أهم الحقوق الدينية والدنيوية له، وجعل القيم والمبادئ والأشخاص تدور في فلكهم"، إلى جانب انتقاد من روجوا "لصنمية الحاكم وأسسوا لها زورا وبهتانا باسم الدين، وكذلك باسم الوطن".

في هذه الفقرة نعثر على دعوة للحرية ودعوة للشورى، خلافا لما عرف في هذا السياق عن الفكر السلفي الجهادي الذي يرفض الديمقراطية، وفيها مطالبة بدولة العدل كما ورد في مكان آخر، ودولة العدل لا تقوم عبر "صنمية" الحاكم الذي لا يُسأل عما يفعل.

في ختام الرسالة يستشهد بحديثين للنبي عليه الصلاة والسلام يبدو الأول كمن يتسامح مع التغيير باليد، لكنه في الثاني وفي الختام يبدو كمن يؤكد على إمكانية التغيير السلمي (داخل الدول الإسلامية).

يقول الحديث الأول "ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويتقيدون بأمره. ثم إنها تخلف من بعدهم خُلوف يقولون ما لا يفعلون ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل"، أما الحديث الثاني فهو "سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله".

ثم يختم بالقول "فهنيئا لمن خرج بهذه النية العظيمة، فإن قتل فسيدُ الشهداء، وإن عاش فبعز وإباء، فانصروا الحق ولا تبالوا".

"
لا يماري عاقل في أن بن لادن كان مجتهدا يبحث عن الصواب، وهو يستمع ويتأثر بما جرى في العالم العربي لكنهم عاجلوه بالقتل
"
خلاصة القول هي أننا إزاء رسالة داعمة لثورات التغيير السلمي في العالم العربي، وتبعا لذلك رافضة للعنف الداخلي، من دون أن يعني ذلك تغيير في النهج حيال مقاومة الاحتلال، كما في العراق وأفغانستان وفلسطين، أو حتى العمليات الخارجية التي لا نستبعد خضوعها هي الأخرى لمراجعة جدية تبعا لمفاسدها الكثيرة، وربما أيضا لأن جزءا من تنظيرها الفكري كان يتحدث عن دعم أميركا للأنظمة الفاسدة، وها إنه يثبت أن ذلك الدعم لم يحمها من غضبة الجماهير.

ولعلنا نشير هنا إلى بعض الممارسات الجديدة من لدن تيار السلفية الجهادية، من اعتصامات ومسيرات كما رأينا في الأردن مثلا، ربما أشارت إلى شيء من تلك المراجعة فيما خص العمل داخل الدول العربية والإسلامية، كما سمعنا من أحد أهم منظري التيار (أبو محمد المقدسي) دعما للثورة السلمية في سوريا.

لا يماري عاقل في أن أسامة بن لادن رحمه الله كان مجتهدا يبحث عن الصواب، وهو يستمع ويتأثر، وما جرى في العالم العربي كان عاصفا وينطوي على تغييرات تاريخية، وكان من الطبيعي أن يتأثر به أي أحد، لكنهم عاجلوه بالقتل، ربما لأن انضمامه إلى تيار التغيير السلمي سيمنح الأخير مزيدا من القوة، فيما سيحرم الأنظمة من فرصة الزج بشباب الثورات في إطار تيارات العنف لتبرير قمعهم وقتلهم بلا حساب.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك