مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني


سوف يشهد التاريخ المعاصر أن أيام ما قبل الذكرى الثالثة والستين لنكبة الشعب الفلسطيني لن تكون هي ذات أيام ما بعد الذكرى التي أدمت قلوب الفلسطينيين عقودا طويلة من الزمن.

ما جرى في ذكرى النكبة أطلق شرارة البدء للانتفاضة الفلسطينية والعربية الثالثة التي ستغير مجرى الصراع، وتقلب موازين المنطقة، وتضرب حسابات الساسة الإسرائيليين وحلفائهم أخماسا بأسداس، وتعيد تأصيل وتأطير مفاهيم وقيم الصراع التي حاول البعض مسخها وتجاوزها بجرة قلم في ردهات التفاوض العبثية أو عبر وثائق العار "وثيقة جنيف" التي حولت الفلسطينيين إلى شعب متسول بلا وطن خالد أو حقوق مستحقة.

"
تكتسب ذكرى النكبة هذا العام بعدا خاصا وقيمة مميزة، فالحال الفلسطيني الراهن لم يعد ذات الحال القديم، والحال العربي الراهن لم يعد ذات الحال القديم
"
مع إطلالة صباح الذكرى الثالثة والستين للنكبة رنت الأفئدة الفلسطينية الملتاعة المشتاقة نحو ديارها الأولى، واستذكرت أيام الصبا وزمن العيش الكريم تحت أفياء كروم البرتقال والزيتون، ليستبد بها الحنين إلى الأرض العامرة بالخير والبركة التي حوّلها الصهاينة إلى مستودع للشر والكراهية، ونهبوا خيراتها وثرواتها، وحاولوا تزييف تاريخها وحاضرها، ولا زالوا يمارسون التضييق والملاحقة والإذلال المنهجي لمن بقي من أهلها.

ذكرى النكبة تكتسب هذا العام بعدا خاصا وقيمة مميزة، فالحال الفلسطيني الراهن لم يعد ذات الحال القديم، والحال العربي الراهن لم يعد ذات الحال القديم، والأمور بدأت تشق طريقها نحو التغيير الإيجابي على مختلف الأصعدة والمستويات.

البشريات تتوالى تترى، وكل الوقائع والمؤشرات تؤكد أن حق العودة بات اليوم أقرب من أي وقت مضى، فقد تجاوزنا الشوط الأبعد من المعاناة والألم والصعاب، ولم يتبقَ إلا القليل، أو ما يطلق عليه ربع الساعة الأخير في إطار معركتنا المستمرة والمحتدمة مع الاحتلال.

حديث الأعوام والسنين ليس ذا قيمة كبرى في عمر وحسابات الشعوب المكافحة التي تنافح من أجل التحرر والاستقلال، فالعبرة لا تكمن في طول الزمن بقدر ما تكمن في مواصلة العمل والكفاح، ودوام المقاومة والنضال، واستئناف كل أشكال الضغط لمحاصرة واستنزاف الاحتلال، وصولا إلى زمن الحسم المرتقب الذي سيُجتث فيه الكيان الصهيوني من جذوره الهشة ليصبح أثرا بعد عين تحقيقا لوعد الله تعالى.

لم يتجرع الفلسطينيون وإخوانهم العرب مرارة المشهد الأليم الذي رسمه جنود الاحتلال بأسلحتهم الغاشمة على بوابات الجنوب اللبناني والجولان والقدس والضفة والقطاع في ذكرى النكبة، فانطلقوا يكتبون التاريخ، ويعيدون صياغة حدود الجغرافيا المكرسة بقهر الاحتلال، ويشعلون فتيل المواجهة مع الصهاينة المحتلين، ويضبطون البوصلة من جديد في اتجاه العدو الأوحد الذي سلبهم الأرض والحقوق والمقدرات والمقدسات.

اليوم، لا خشية من ضياع حق العودة ما دامت أفئدة اللاجئين المثقلة بالهموم والأحزان والذكريات تحلم بالعودة والخلاص، وخاصة أولئك الذين عايشوا المرحلة بكل تفاصيلها، وشهدوا النكبة من الألف إلى الياء، وما دام الكبار يورثون الأمل والأمانة للصغار، ويرضعونهم لبان حب الوطن، ويقصّون عليهم حكايات المجد الغابر والزمن التليد.

"
شرارة الانتفاضة الثالثة اندلعت لتضرب أسس وقواعد دولة الاحتلال، وتزلزل أركانها وبنيانها، وتدشّن مرحلة الأمل الواعد والنصر القادم بإذن الله
"
اليوم أثبت الواقع أن لا مجال أمام طمس وإلغاء حلم وحق العودة بجرة قلم كما توهم ذلك البعض، وأن طيّ صفحة العودة لملايين اللاجئين عبر أي صفقة أو وثيقة أو اتفاق أمر قد ولى تماما، وبات وراء ظهور الفلسطينيين والعرب الذين هبوا على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم في ذكرى النكبة هبة رجل واحد، وتحدوا الحدود المصطنعة والأسوار الزائلة، لتسيل دماؤهم الطاهرة على الثرى الفلسطيني والعربي، وتنسج وحدة الهدف والمصير الفلسطيني والعربي المشترك، وتصنع ملحمة البطولة والفداء التي ستؤرخ لمرحلة ما بعد ذكرى النكبة الثالثة والستين على أنها المرحلة الأكثر مفصلية في تاريخ الصراع، والأشد انعطافا في مسار المواجهة مع الاحتلال.

مواجهات النكبة لم تعبر عن رغبة في التفاعل مع حدث معين أو قضية ما، أيا كانت أهميتها، أو إبداء آيات النصرة العابرة والتضامن اللحظي مع ذكرى أليمة دامية المعاني والتداعيات، بل كانت بداية حقيقية لعهد جديد ذي صبغة ساخنة لن يعرف فيه الصهاينة معنى الراحة أو الاستقرار النسبي بعد اليوم، فقد أزف أوان العمل لإرساء واقع ثوري جديد، ودقت ساعة النفير لنصرة فلسطين، الأرض والقضية والإنسان، بعد عقود من محاولات التمييع والتصفية والاستهداف.

مواجهات النكبة أكدت للعالم كله أن ساعة الخلاص باتت أقرب مما يتصور الكثيرون، وأن حق العودة لا يندرج في إطار المستحيلات السياسية أو الواقعية كما يزعم البعض، فالأكيد اليوم أن شرارة الانتفاضة الثالثة قد اندلعت لتضرب أسس وقواعد دولة الاحتلال، وتزلزل أركانها وبنيانها، وتدشّن مرحلة الأمل الواعد والنصر القادم بإذن الله، وتكتب فصلا حاسما في تاريخ المواجهة مع دولة الاحتلال.

لا يمكن الحديث عن مواجهة نهائية مع الاحتلال الإسرائيلي، فهذا الأمر سابق لأوانه، ودونه الكثير من العمل والجهد والتضحيات، لكننا اليوم نستشرف مرحلة قوية من مراحل العمل النضالي والكفاحي الفلسطيني، يلعب فيها الشعب الفلسطيني بقطاعاته وشرائحه المختلفة الدور الأكبر، جنبا إلى جنب مع قوى المقاومة وفصائل العمل الوطني الفلسطيني، بإسناد عربي شعبي واسع ومؤازرة منقطعة النظير.

الملمح الأبرز لمواجهات النكبة أن البعد الشعبي الفلسطيني في مضمار المواجهة ومسيرة التحرر الوطني مع الاحتلال سوف يعود لكي يحتل مكانته المركزية في الميدان، ويشارك، ليس فقط في اجتراح الصبر والصمود والثبات فحسب، بل في تحديد معالم وتفاصيل واتجاهات المواجهة القادمة مع الاحتلال.

حين نعاين مواجهات النكبة نستذكر الانتفاضة الفلسطينية الشعبية الأولى التي اندلعت عام 1987م، فقد كانت شعبية الطابع، جماهيرية الهوى والاتجاه، مدنية الوسائل والأساليب، فيما كانت انتفاضة الأقصى التي اندلعت عام 2000م عسكرية الطابع، فصائلية الهوى والاتجاه، عنيفة الوسائل والأساليب.

الانتفاضة الثالثة التي اندلعت شرارتها الأولى تشكل مزيجا بين هذا وذاك، مع فارق غلبة البعد الشعبي والجماهيري، إذ إن المسيرة الطويلة لانتفاضة الأقصى وتجربتها العميقة كانت كفيلة بإحداث مراجعات جذرية لكل تجليات وتفاصيل التجربة والمسار، وترشيد العمل المقاوم بما يخدم المصلحة الوطنية العليا للشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية.

"
أرخت الثورات العربية بظلالها المباركة على الواقع الفلسطيني الذي سارع نحو المصالحة وإنهاء الانقسام، واستعاد عافيته الشعبية في وجه الاحتلال
"
لقد انطلق شعبنا الفلسطيني بروح جديدة وهمة جديدة نحو استعادة أرضه السليبة وحقوقه المغتصبة، وبات على إسرائيل أن تعيد حساباتها جيدا، وتبدأ العد العكسي لاحتلالها الغاشم لأرضنا ومقدساتنا.

بين هذا وذاك، لا يمكن الفصل بين تطورات الواقع الفلسطيني ومستجدات الوضع العربي الراهن، أو عزل الهبة الفلسطينية الشعبية عن تفاعلات الثورات العربية المشتعلة في أكثر من بلد ومنطقة عربية، فبينهما حال وحدة وأثر وتأثر، ورباط وثيق لا ينفصم.

منذ البداية شكلت انتفاضات الشعب الفلسطيني المتعاقبة في وجه الاحتلال حالة إلهام واقتداء للشعوب العربية التي انتفضت في وجه أنظمة القمع والظلم والاستبداد، فيما أرخت الثورات العربية بظلالها المباركة على الواقع الفلسطيني الذي سارع نحو المصالحة وإنهاء الانقسام، واستعاد عافيته الشعبية في وجه الاحتلال.

الثورات العربية حملت الخير العميم للفلسطينيين، فالقضية الفلسطينية، وفي القلب منها حق العودة، باتت حاضرة في تفاصيل وثنايا الثورات العربية التي أرست ملامح وأسس التغيير في المنطقة والعالم، وعلى رأسها الثورة المصرية الكبرى، ويكفي إسرائيل قلقا ورعبا أن الصوت الفلسطيني لم يعد وحيدا في ساحة المعركة، وأن الجماهير العربية قد دخلت بقوة على خط معادلة الصراع، ولن تنثني عن اندفاعتها الرائعة أو ينطفئ وهج انطلاقتها الوثابة إلا بعد أن يعود الحق إلى أهله الشرعيين، والمشردون إلى أرضهم وديارهم دون أن يخلّ ذلك بنضالاتها الداخلية من أجل تكريس قيم الحق والعدل والديمقراطية.

ومع ذلك، ينبغي الاعتراف أن تحقيق المصالحة الفلسطينية الداخلية شكل عنصر استنهاض بارز للحالة الفلسطينية التي تضررت بفعل طول أمد الانقسام، فما كان لمختلف الشرائح والفئات الشعبية الفلسطينية أن تشارك بقوة في فعاليات ذكرى النكبة إلا بعد استردادها لروحها الوطنية المعادِلة لعودة التوافق الوطني إثر مرحلة جدباء حفلت بالكثير من الممارسات التي تنافي روح الانتماء للوطن والقضية.

ومن هنا شكلت المصالحة الداخلية أرضية الانطلاق نحو تحقيق الحقوق والثوابت الوطنية، والخطوة الأولى في سياق ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي بغية توحيد الجهد الوطني الجمعي باتجاه مواجهة الاحتلال ومخططاته العنصرية وإرهابه البشع الذي استثمر الانقسام لطمس قضيتنا العادلة ودحْر أهدافنا الوطنية.

"
المرحلة الحالية لها ما بعدها، أثرا ونتائج وتداعيات، على القضية الفلسطينية بشكل أساس، وعلى المنطقة العربية والإسلامية، ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام
"
لذا، يشرع لنا اليوم أن نبسط أشرعة التفاؤل والاستبشار بقرب انهيار منظومة الاحتلال ومشروعه الاستيطاني الإحلالي على أرضنا، وأن نبشر اللاجئين المشردين بأن لوحة القهر التي رُسمت بدمائهم وعرقهم ودموعهم طيلة العقود السود الماضية، سوف تُنقش على صفحاتها الناصعة معالم جديدة تؤذن -حتما- بالفجر الجديد والفرج القريب.

لن تواجه إسرائيل بعد اليوم حالات فلسطينية منقسمة يسهل الاستفراد بها، ولن تواجه شعبا فلسطينيا يتوق بقوة لارتشاف عبير المجد والحرية فحسب، بل إن عليها أن تواجه الشعوب العربية في إطار انتفاضة ثالثة، فلسطينية الطابع والهدف والوجهة، عربية العمق والشمول والامتداد.

وهكذا، فإن لهذه المرحلة ما بعدها، أثرا ونتائج وتداعيات، على القضية الفلسطينية بشكل أساس، وعلى المنطقة العربية والإسلامية، ومنطقة الشرق الأوسط بشكل عام.

المصدر : الجزيرة

التعليقات