ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني


أخيراً توصلّت حركتا "فتح" و"حماس"، المهيمنتان على المجالين السياسي والمجتمعي للفلسطينيين، على توافقات تنهي، في حال استكمالها، الاحتراب المكلف والمجاني بين أكبر فصيلين، وتضع حداً لواقع الانقسام في النظام السياسي الفلسطيني.
 
معلوم أن الانقسام الفلسطيني أثّر سلباً على شعب فلسطين وقضيته وحركته الوطنية، إذ أدى إلى خلق حالة من الإحباط بين الفلسطينيين، واستنزف جهودهم في الصراعات والتنافسات البينيّة، بدلاً من تركيزها في مواجهة عدوّهم، وأضعف من صدقية كفاحهم من أجل حقوقهم، أمام الرأي العام على الصعيدين العربي والدولي، وفوق كل ما تقدم فإن هذا الانقسام شوّه الحركة الوطنية الفلسطينية التي بدت وكأنها تتصارع على مجرد سلطة تحت الاحتلال.

المفارقة أن واقع الاختلاف والاحتراب والانقسام لم يفد "فتح" و"حماس" البتة، وإنما أنهكهما، وأضعف شعبيتهما، في حين أن إسرائيل كانت الرابح الوحيد من كل ذك، إذ انشغل الفلسطينيون عنها، وبدّدوا جهودهم في غير مكانها، مما سهّل لها الترويج لعدم وجود "شريك" فلسطيني في عملية التسوية، وعدم أهلية الفلسطينيين لحكم أنفسهم، ولمشروعية عدم ثقتها بهم. فما الذي جرى فعلاً؟ أو كيف تم التوصل إلى ذلك حقاً؟
 
"
العامل الأول الذي حضّ قيادتي "فتح" و"حماس" على الحسم والتسريع بالمصالحة يتمثّل بإدراكهما لتعثّر خياراتهما السياسية، سواء تمثلت بالمفاوضة أو بالمقاومة
"
تعثر خياري المفاوضة والمقاومة
لعل العامل الأول الذي حضّ قيادتي "فتح" و"حماس" على الحسم والتسريع بالمصالحة إنما يتمثّل بإدراكهما لتعثّر خياراتهما السياسية، سواء تمثلت بالمفاوضة أو بالمقاومة.
 
وكما شهدنا فإن خيار القيادة الفلسطينية (ونقصد هنا قيادة السلطة في رام الله وهي ذاتها قيادة فتح والمنظمة)، والمتمثل بالمفاوضة والتسوية بات مسدودا تماما، بحكم التعنّت والصلف الإسرائيليين، وبواقع استمرار الأنشطة الاستيطانية (ولو على مستوى تجميد مؤقت)، وإصرار إسرائيل على فرض أولوياتها وحساباتها وإملاءاتها في عملية التسوية على الفلسطينيين (في مسائل مثل يهودية إسرائيل، والقدس عاصمة موحدة لها، وأخذ اعتباراتها الأمنية بالحسبان، وشطب حق العودة نهائيا).
 
فوق ذلك فإن هذه القيادة أدركت أنه من الأجدى لها الذهاب نحو توحيد الصف الفلسطيني في هذه المرحلة التي تحاول فيها حشد الجهود لطرح قضية فلسطين في الأمم المتحدة (في سبتمبر/أيلول القادم).

وبالمثل فإن حركة "حماس"، وبعد أن باتت في موقع السلطة في قطاع غزة، وجدت نفسها أمام أفق مسدود، أيضا، إذ تمّ فرض الحصار المشدّد على الفلسطينيين في القطاع، الذين باتوا يعانون من ضائقة شديدة، وفضلا عن ذلك فإن خيار المقاومة من القطاع بات باهظ الكلفة، وباتت خيارات المقاومة في القطاع محصورة بالقصف الصاروخي، غير المؤثر تماما، والذي يستدعي بدوره ردود فعل إسرائيلية وحشية (خذ مثال الحرب على غزة أواخر 2008).
 
عدا عن كل ذلك فقد باتت "حماس"، وهي من موقعها في السلطة تدرك أنها بحاجة إلى توسيع مروحة علاقاتها الدولية، الأمر الذي يتطلب منها مراجعة خطاباتها وأشكال عملها، ما أدى بها الاقتراب من برنامج "فتح"، بشأن القبول ببرنامج إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع، ولو بمصطلحاتها الخاصّة (وهذا ما كان جليا في كلمة خالد مشعل زعيم حركة حماس في حفل إعلان المصالحة).

"
حركتا فتح وحماس ظلّتا تواجهان ضغوطا شعبية هائلة لإنهاء الانقسام، لكن هذه الضغوط ازدادت وتوسّعت على خلفية الحراكات والثورات الشعبية العربية
"
الشعب يريد إنهاء الانقسام
في الحقيقة إن حركتي "فتح" و"حماس" ظلّتا تواجهان ضغوطا شعبية هائلة، لم تهدأ يوما، لإنهاء حال الانقسام، لكن هذه الضغوط ازدادت وتوسّعت على خلفية الحراكات والثورات الشعبية الجارية في عديد من البلدان العربية.

هكذا تشكّلت في الواقع الفلسطيني، في الداخل والخارج، العديد من الإطارات التي ركّزت جهودها على التحريض من أجل الضغط على الحركتين المذكورتين لدفعهما إلى المصالحة الوطنية، وقد توّجت هذه الإطارات تحرّكاتها في المظاهرات الكبيرة، التي عمّت الضفة الغربية وقطاع غزة في الخامس عشر من مارس/آذار الماضي، وكان شعارها الجامع: "الشعب يريد إنهاء الانقسام".

وربما أن هذه الحراكات كانت بمثابة إنذار للقيادات الفلسطينية السائدة بأن الشعب فقد صبره من الفصائل، وأن هذه باتت تفقد شيئا فشيئا من مكانتها الشعبية والتمثيلية، وأن شعار "الشعب يريد إنهاء الانقسام"، ربما يتحوّل، رويدا رويدا إلى شعار: "الشعب يريد إسقاط النظام"، كما حصل في أكثر من تجربة، في المشهد العربي الراهن.

ومن المفيد التذكير هنا بأن الإطارات التي دعت إلى التحرك في الخامس عشر من مارس/آذار الماضي، والتي نظمت نفسها عبر الشبكة العنكبوتية، ظلت تؤكد أنها ستواصل حراكها لإنهاء الانقسام وربما لأكثر من ذلك، ويأتي في هذا الإطار الدعوات لتحركات شعبية وشبابية في الخامس عشر من مايو/آيار (ذكرى النكبة) والتي جرت كما كان مقررا لها.

تغير البيئة السياسية الإقليمية
ومع تأكيدنا على أهمية العاملين السابقين، إلا أن العامل الجديد الذي حسم توجه "فتح" و"حماس" نحو المصالحة إنما يتمثل بالتغير الكبير في العامل الإقليمي، الناجم عن الثورات والحراكات الشعبية في عديد من البلدان العربية.
وبديهي أن في مقدمة هذه المتغيرات نجاح الثورة الشعبية في مصر، وانتهاء نظام مبارك، الذي كان يلعب دورا سلبيا في المجال العربي، ولا سيما في المجال الفلسطيني. والثابت أن الثورة الشعبية المصرية، التي أعادت لمصر دورها الإقليمي، ولمكانتها في مواجهة التحدي الذي تمثله إسرائيل في هذه المنطقة، وحجّمت من نفوذ إيران، هي التي دفعت الفلسطينيين إلى حسم أمرهم، فهذه مصر بحجمها وتاريخها ومكانتها.
 
أيضا، ورغم تأكيدنا على أهمية مصر في عملية المصالحة، فثمة عديد من الأطراف التي لعبت دورا ايجابيا في هذا المجال، إذ أسهمت دول التعاون الخليجي في هذا الأمر (لا سيما دولتي الإمارات وقطر)، كما أسهمت فيه تركيا بكل قوتها.

"
المصالحة هي بمثابة الاستجابة الطبيعية للقيادات الفلسطينية للثورات الشعبية العربية، أو هي حصة الفلسطينيين من ارتدادات هذه الثورات في الواقع العربي
"
طبعا لا يمكن أن نغفل في هذا السياق أن حركة "حماس"، في تحولها نحو المصالحة، التقطت، أيضا، لحظة التغيرات الجارية في بيئة الأنظمة العربية، وتأثّرت بمحاولة حركة "الإخوان المسلمين" تأهيل ذاتها للتأقلم مع الواقع العربي الجديد، وأدركت التراجع الحاصل في الدور الإيراني، بعد صعود الدور المصري.

على ذلك يمكن اعتبار المصالحة بمثابة الاستجابة الطبيعية للقيادات الفلسطينية للثورات والحراكات الشعبية العربية، أو هي حصة الفلسطينيين من ارتدادات هذه الثورات في الواقع العربي.

استحقاقات ما بعد الاتفاق
الآن، وحتى لا تأخذنا اللحظة، من المفيد أن ندرك أن ما جرى، على أهميته، هو مجرد مصالحة بين فصيلين، وأن هذا لا يكفي وحده للحيلولة دون تكرار تجربة الاقتتال والانقسام، لأن ذلك يتطلب أساساً الاعتراف بالتعددية، واحترام الرأي الآخر، وقبول المختلف، وترسيخ التوافق على حل الخلافات بوسائل الحوار والأساليب الديمقراطية، وفي الأطر المؤسسية الشرعية والتمثيلية، ولا سيما الاتجاه نحو حسم القضايا الخلافية عبر الاحتكام لإرادة الشعب في صناديق الاستفتاء والاقتراع.

ومن مراجعة نص "المصالحة" الذي تم التوقيع عليه في القاهرة بين ممثلي حركتي "حماس" و"فتح"، يمكن ملاحظة أن ثمة مشروعية لكل المخاوف المذكورة. مثلا، فقد توافقت هاتان الحركتان على شراكتهما في الهيمنة على النظام السياسي الفلسطيني (السلطة والمنظمة)، فتشكيلة الحكومة يجب أن تخضع لموافقتهما معا، أي أن المستقلين الذين سيشكّلون الحكومة الفلسطينية المقبلة، ينبغي أن يتم تنسيبهما وفق معايير "فتح" و"حماس"، بدلا من معايير الكفاية الشخصية والاعتبارات الوطنية والنزاهة المسلكية.
 
وهذا ينطبق على تشكيلة لجنة الانتخابات المركزية، التي ستعدّ للانتخابات المقبلة (الرئاسية والتشريعية)، وعلى الشخصيات التي ستنضوي في عضوية المحكمة الانتخابية، كما على اللجنة التي ستناقش إعادة هيكلة منظمة التحرير والمجلس الوطني (والتي بحسب الاتفاق سيترأسها الرئيس محمود عباس، وستضم أعضاء من الحركتين وأعضاء من اللجنة التنفيذية للمنظمة ورئيس المجلس الوطني وبعض المستقلين).

فوق ذلك فإن الأجهزة الأمنية لن يجري حلها، أو إعادة هيكلتها، وإنما سيجري توحيدها، ما يعني إبقاء الوضع المليشيوي للفصيلين الكبيرين على حاله، من دون أي صلة بإعادة ترشيد الأجهزة الأمنية، لا سيما لجهة تقليص عددها، وتحديد دورها (إذ يصعب فصلها في الوضع الفلسطيني عن التجاذبات السياسية).

"
ينبغي إعادة صياغة المشروع الوطني، بحيث لا يتم وضع هدف الدولة مقابل حق العودة أو بالعكس، وإنما يجب أن يطرح هذا الأمر في سياق الترابط والتكامل بين الأهداف الفلسطينية
"
أما على الصعيد السياسي فثمة مأزق كبير، فمن غير المعقول اختزال المشروع الوطني الفلسطيني بمجرد دولة في الضفة والقطاع، كما من غير المقنع الحديث عن أن القيادات الفلسطينية متمسكة بهدف الدولة وحق العودة، في آن، وعبر وسائل المفاوضات.
 
والمعنى أنه ينبغي إعادة صياغة المشروع الوطني، بحيث لا يتم وضع هدف الدولة مقابل حق العودة أو بالعكس، وإنما يجب أن يطرح هذا الأمر في سياق الترابط والتكامل والتفاعل بين الأهداف الفلسطينية، في المدى المستقبلي، وبديهي أن ذلك يتطلب صياغة مشروع وطني فلسطيني يجاوب على كل أسئلة الفلسطينيين، بمختلف أماكن تواجدهم، ولا يضعها في مواجهة بعضها.
 
مصير الحراكات الشعبية
لعل واحدة من إشكاليات اتفاق المصالحة أنه يلحظ إيجاد نوع من الشراكة بين الفصيلين الكبيرين والمهيمنين، بعيدا عن التمثيلات الشعبية المتشكّلة في الساحة الفلسطينية، وهي تمثيلات لم تعد تخضع تماما للخريطة الفصائلية التي هي على الأغلب تآكلت واستهلكت وأفل دورها.
 
ومعلوم أن الحراكات الشعبية والشبابية الفلسطينية الصاعدة والناشطة، قبل الثورات الشعبية العربية وبعده، باتت تشكل تهديدا للنظام السياسي الفصائلي المتسيّد منذ عقود عدة.

ويخشى أن هذا التوافق يتوخّى، في ما يتوخّاه، الحيلولة دون تطور هذه الحالة، أي الحد من تطور المجتمع المدني الفلسطيني، ومن تنامي الحركات الشبابية، وهما مساران صاعدان، على الضد من المصالح الضيقة للكيانات الفصائلية الفلسطينية، وبالأخص منها "فتح" و"حماس"، اللتين أبدتا، أكثر من مرة، تبرّمهما من الحركات الشبابية المستقلة، بل وقمعهما لها.

معلوم أن الثورات الشعبية العربية بينت أن الأحزاب السلطوية، وضمنها الأحزاب الراديكالية التي تصل إلى السلطة، تفقد بعد فترة من الزمن الكثير من حيويتها، وأهليتها، وصدقيتها، ما يؤدي إلى تراجع دورها، وبالتالي انحسار مكانتها الشعبية والتمثيلية في المجتمع، ما يدفعها إلى الانحراف نحو ترسيخ شرعيتها من الإقناع والتمثيل، إلى وسائل الهيمنة، بوسائل العصا والجزرة، عبر نسج علاقات قائمة على الإكراه بالقوة المباشرة أو الإكراه بوسائل العلاقات الزبائنية والخدمية التي تقدمها، من مكانتها في السلطة.
 
وبديهي أن ذلك يفيد، أيضا، بأن الوضع الفلسطيني ليس بمنأى عن هذا الاستخلاص، وأن "فتح" و"حماس"، على مكانتيهما، ليستا قدرا أبديا للشعب الفلسطيني.
 
"
يدرك الفلسطينيون أن المصالحة ليست بديلا من إعادة بناء الحركة الفلسطينية لذاتها، على أسس ديمقراطية ومؤسسية وتمثيلية ونضالية
"
استنتاجات
على كل، وبرغم محدودية ما حصل، يحقّ للفلسطينيين أن يأملوا أن تمضي هذه المصالحة في طريقها، لا أن تنكسر مجدداً، كما حصل في تجارب سابقة، وأن يصل المتخاصمون إلى نوع من التوافق على حل خلافاتهم عبر وسائل ديمقراطية، وداخل المؤسسات الشرعية، والاحتكام إلى صوت الشعب في صناديق الاقتراع والاستفتاء، بدلاً من الاقتتال والانقسام.

كما يأمل الفلسطينيون أن تكون هذه المصالحة بمثابة خطوة أولى، لها ما بعدها، وألا تكون بمثابة شراكة مصلحية، وفقط، بين الفصيلين المعنيين، لتكريس هيمنتهما على المجالين المجتمعي والسياسي للفلسطينيين.
 
وبين هذا وذاك على الفلسطينيين أن يدركوا أن هذه المصالحة ليست بديلا من إعادة بناء الحركة الفلسطينية لذاتها، على أسس ديمقراطية ومؤسسية وتمثيلية ونضالية، وعلى أساس استعادة هذه الحركة وضعها كحركة تحرر وطني.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك