ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني


خلال الأسابيع الأخيرة تابعنا في السياق المصري جدلا حول المواقف المصرية من الدولة العبرية، بخاصة بعد إنجاز المصالحة الفلسطينية والحديث الواضح عن فتح معبر رفح بشكل دائم، في ذات الوقت الذي تابعنا فيه جدلا حول المواقف الخليجية من مصر ما بعد الثورة إثر الجولة الخليجية لرئيس الوزراء المصري عصام شرف والتي شملت الكويت والسعودية وقطر، بينما لم تشمل الإمارات التي تذرع قادتها بانشغالاتهم عن استقبال الزائر المصري.

وفي حين لا يبدو بالإمكان الفصل الكامل بين القضيتين نظرا لحضور المواقف الغربية، بخاصة الموقف الأميركي المنسجم بالضرورة مع الهواجس الإسرائيلية، فإن كلا منهما يستحق التوقف بعناية لرسم ملامح الدور المصري والمواقف المصرية خلال المرحلة المقبلة.

"
الحكومة المصرية الجديدة، فضلا عن المجلس العسكري الانتقالي لا يمكنهما بحال تجاهل المواقف الشعبية في سياق رسمها للخطوط العريضة لسياستها الخارجية، خلافا لما كان عليه الحال قبل الثورة
"

ما ينبغي أن يُقال ابتداءً هو إن الحكومة المصرية الجديدة، فضلا عن المجلس العسكري الانتقالي لا يمكنها بحال تجاهل المواقف الشعبية في سياق رسمها للخطوط العريضة لسياستها الخارجية، خلافا لما كان عليه الحال قبل الثورة، حين كانت تلك السياسة تُرسم بناءً على مصلحة النظام الذي بات أسيرا لقضية التوريث منذ مطلع الألفية الجديدة.

وحين ترسم الإدارة الجديدة سياستها بناءً على نبض الشارع، فإن الوضع الطبيعي أن تنطوي تلك السياسة على قدر من العدائية، وأقله عدم الانسجام مع المطالب الإسرائيلية.

وقد تابعنا استطلاعات الرأي التي تتحدث عن رفض غالبية الشعب المصري لاتفاقية كامب ديفد، كما تابعنا مليونية دعم الشعب الفلسطيني والمسيرات التي توجهت نحو سفارة العدو في القاهرة في ذكرى النكبة (المسيرات نحو معبر رفح لم تتم قناعة من المعنيين بضرورة عدم تحميل الوضع الجديد أكثر مما يحتمل)، مع أن ما كان يقدمه النظام المصري السابق للدولة العبرية لا صلة له البتة بمتطلبات تلك الاتفاقية التي لم تكن تنص مثلا على بيع الغاز بسعر زهيد، ولا على تطويع الحالة الفلسطينية لحساب الهواجس الإسرائيلية بكل الوسائل الممكنة، فضلا عن الخدمات الأمنية الرهيبة التي كان النظام السابق يقدمها بحماسة كبيرة عن طريق عمر سليمان الذي كان بدوره يقدم أوراق اعتماده كمرشح رئاسي يمكن أن يخدم واشنطن وتل أبيب أكثر من جمال مبارك.

اليوم لم يجد وزير الخارجية الجديد (قبل أن يغدو أمينا عاما للجامعة العربية) حرجا في صياغة خطاب مختلف حيال الدولة العبرية، فيما لم يجد المشير محمد حسين طنطاوي حرجا في القول إنه ليس من حق تل أبيب التدخل في شأن سيادي مصري يتعلق بمعبر رفح، وأن الأخير سيفتح بشكل كامل، بينما نتذكر في المقابل "بروباغندا" النظام السابق حول المعبر الخاضع لاتفاقات دولية (يقصد اتفاقية المعبر التي وقعت عام 2005).

لا يمكننا بالطبع المبالغة في التوقعات حيال الموقف الرسمي المصري من الصراع العربي الإسرائيلي، أقله في المدى القريب، لكن الأكيد أن تغيرا كبيرا قد وقع وسيتبلور أكثر خلال المرحلة المقبلة، الأمر الذي ينبغي أن تأخذه جميع الدول العربية في الاعتبار (بخاصة دول محور الاعتدال) في سياق رسم سياساتها حيال ذات الملف.

في السياق المتعلق بالجولة الخليجية لرئيس الوزراء المصري يمكن القول إن الموقف الخليجي باستثناء القطري كان مؤسفا إلى حد كبير، وهو أثار من دون شك حفيظة الشارع المصري الذي كان يتوقع شيئا مختلفا من الأشقاء الخليجيين، وهو كان مثيرا كذلك للشارع العربي الذي يرى في مصر الثورة، مصر ميدان التحرير قائدا لمسيرة الأمة نحو العزة والكرامة والوحدة.

"
لا يمكننا المبالغة في التوقعات حيال الموقف الرسمي المصري من الصراع العربي الإسرائيلي، أقله في المدى القريب، لكن الأكيد أن تغيرا كبيرا قد وقع
"
وإذا كان الموقف السعودي والكويتي باردا إلى حد ما (مساعدات محدودة قياسا بالمساعدة الكبيرة من دولة قطر)، فإن الموقف الإماراتي كان صادما ومثيرا لحفيظة المصريين، بل وعموم العرب، لا سيما أن جزءا من الزيارة كان يتعلق بأموال الرئيس المصري ونجليه التي يقال إنها تدفقت نحو الإمارات خلال أسابيع الثورة وقبل ذلك، والأسوأ أن يكون هناك اعتراض سعودي وإماراتي على محاكمة الرئيس المخلوع، الأمر الذي لا يبدو مقبولا بحال، بل ينطوي على تطاول على الشعب المصري الذي يجد من حقه محاكمة الزمرة التي أذلته وسرقت ثرواته، ورعت اللصوص بكل وسيلة ممكنة (دعك من شطبها للدور والحضور المصري عربيا وإقليميا).

في ذات السياق المتعلق بجولة شرف الخليجية حضر الملف الإيراني، وكان واضحا أن أكثر العواصم الخليجية لم تكن مرتاحة للموقف المصري الجديد حيال إيران، والذي يسعى إلى فتح صفحة مختلفة في العلاقات بين البلدين، رغم تأكيده المقصود والواضح على المصالح الخليجية، الأمر الذي لا صلة له بالخوف من تبعية مصرية لإيران، لأن العكس هو ما سيحدث، إذ سيكون للحضور المصري دور في تحجيم طموحات إيران الإقليمية، لا سيما أن تركيا تحضر في المشهد بقوة، هي التي تتمتع بعلاقات طيبة مع البلدين، فيما يرجح أن تتطور علاقتها مع القاهرة على نحو لافت خلال المرحلة المقبلة.

نعم لا صلة للموقف بالخوف من تبعية مصرية لإيران، بقدر صلته بمساعي بعض دول الخليج لزيادة التصعيد مع إيران من أجل حشد الشارع الشعبي ضدها (في سياق مذهبي لا تبخل طهران بمنحه الكثير من الذرائع كما أشرنا مرارا ها هنا)، وهو حشد هدفه الحيلولة دون تأثر الجماهير الخليجية بأجواء الثورات العربية المطالبة بالتغيير.

وهنا لا تجد القاهرة أي مصلحة لها في لعبة من هذا النوع، ولعل روحها الجديدة تفضل أن تهب رياح التغيير على جميع الدول العربية لما يعنيه ذلك من سياسات جديدة تخدم شعوبها وتخدم العمل العربي المشترك بشكل عام.

والحال أن صعود الموقف المصري وتماسكه هو الوحيد القادر على لجم الغرور الإيراني، أكثر من ضم الأردن والمغرب لمجلس التعاون الخليجي، مع أن أحدا لا يعترض على ذلك في سياق تعميق التعاون العربي، أما الأقليات الشيعية فلا يمكن إبعادها عن إيران بروحية التحريض أو من خلال استدعاء شركات الحماية الخليجية، بل بتعميق روح المواطنة والاعتراف بالمظالم حيث وجدت، مع العلم أن غياب الحرية والتعددية والمشاركة السياسية لا يمس فئة بعينها، وإنما يطال جميع المواطنين.

والنتيجة أنه عندما يشعر المواطن الخليجي بحريته ومواطنته، وتلتحم دول مجلس التعاون بعمقها العربي وفي مقدمته مصر، فلن تكون من أجل مواجهة أي شطط إيراني في حاجة لا للقواعد الأجنبية، ولا لشركات الحماية، بل إن إيران لن تفكر بأي حال في التطاول عليها، فضلا عن المضي في روحية التبشير المذهبي التي تستفز غالبية الأمة، مع أن مذهب أهل السنة ليس هشا لكي يكون مهددا من قبل مذهب كان مذهب الأقلية طوال القرون.

"
جولة شرف الخليجية لم تسفر عن ما يتجاوز الوعود (باستثناء الدعم القطري)، في وقت كانت مصر في حاجة إلى نجدة خليجية لتجاوز تداعيات أزمتها المالية
"

أما حكاية التحالف الأميركي الإيراني ضد العرب ومجلس التعاون، فهي أقرب إلى النكتة في ضوء المعطيات القائمة ومن ضمنها ميزان القوى الدولي الجديد، ولو صحت فستكون إيران هي الخاسرة بكل المقاييس، ومعها أميركا التي جربت أمتنا في العراق وفي أفغانستان وأدركت النتيجة.

خلاصة القول هي أن الجولة الخليجية لرئيس الوزراء المصري لم تسفر عن ما يتجاوز الوعود (باستثناء الدعم القطري الذي تعزز بدعم قطر لمرشح مصر لأمانة الجامعة العربية وسحب مرشحها للمنصب)، في وقت كانت مصر في حاجة إلى نجدة خليجية لتجاوز تداعيات الأزمة المالية التي نتجت عن أسابيع الثورة، فضلا عن الأزمة الكبيرة الناتجة عن الإدارة الفاسدة للنظام السابق، لكن ذلك لن يفت في عضد مصر الثورة، وستتمكن بإرادة شعبها ودعم جماهير الأمة من تجاوز الأزمة والإقلاع نحو أفق ينسجم مع مصر ودورها وحضورها، فيما لن يكون بوسع الآخرين أو بعضهم في أقل تقدير أن يواصلوا السياسات القديمة التي يتجاهل كثير منها إرادة شعوبهم على الصعيد الداخلي والخارجي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك