منى عبد الفتاح

منى عبد الفتاح

كاتبة وصحفية سودانية


تثير المواقف الدولية المتعلقة بالتسلح في أفريقيا الكثير من علامات الاستفهام، لما تحتويه من مفارقات ومتناقضات أحياناً، ولما يكتنفها من إحساس بالوصاية المشوبة بالحذر في أحايين كثيرة.

فقد فرّخت النزاعات الأفريقية العديد من الحركات المسلحة يصعب حصرها على مستوى القارة. ففي نزاعات دول أفريقية مثل أنغولا وسيراليون والصومال مثلاً تبنى مجلس الأمن مواقف محددة تتفاوت في تشددها ودعمها حسب ما تقتضيه السياسة الخارجية للدول الدائمة العضوية بمجلس الأمن.

"
تداعيات الأوضاع في ليبيا من أكبر المؤثرات على الأوضاع الأمنية في ولاية دارفور وستحوّل المعادلة من مجرد الحذر إلى التوجس من تصدير الأسلحة إلى الإقليم
"
كذلك كان الوضع في دارفور حتى أجل قريب، ولكن تداعيات الأوضاع الحالية في ليبيا وما يتوقع من أنه سيكون من أكبر المؤثرات على الأوضاع الأمنية في ولاية دارفور حوّل المعادلة من مجرد الحذر إلى التوجس من تصدير الأسلحة إلى الإقليم.

وكشأن التضارب في بداية ثورة 17 فبراير في ليبيا إبان بزوغ فجرها، يدور جدل واسع حول بأس السلاح الليبي الذي تم وصفه بأنه ترسانة لا يؤمن شرها إن تم فتحها على دول المنطقة، وبين بؤس هذا السلاح الذي كدسه العقيد القذافي على مرّ العقود حتى عفا عليه الزمن.

وفي كلا الحالتين تزداد مخاوف دول الجوار، ففي حالة وجود ترسانة عسكرية ليبية يسهل منها تدفق السلاح الليبي سيؤثر بلا شك على أمن المنطقة واستقرارها. أما في حالة عدم وجود أسلحة صالحة يستخدمها نظام القذافي في دحر الثوار الليبيين، فإن الباب سينفتح واسعاً لانتعاش تجارة السلاح وتصديره إلى مناطق النزاع في ليبيا وما جاورها.

في بداية الرد على القذافي، فإن تردد الدول الداعمة للائتلاف الدولي واكتفائها ابتداءً بإضعاف قدرات نظام القذافي العسكرية، تركت انطباعاً بأن أمر الإطاحة به متروك للثوار الليبيين.

وبهذا فإن سيطرة القذافي ستتعدى معاقله في ليبيا إلى الحدود الليبية مع السودان من جهة دارفور، وسيظل مخزن السلاح الذي يمتلكه مصدر قلق للمنطقة بأسرها من خشية تدفقه إلى الأقاليم المجاورة عبر الحدود المفتوحة خاصة إقليم دارفور، وتعزز من هذه الفرضية اتهامات سابقة موجهة إلى القذافي بدعم حركات دارفور وتسليحها.

يكتنف الرأي العام الدولي أيضاً نوع من القلق خاصة من قبل الدول المسيسة بصفقات السلاح الليبية. فروسيا مثلاً أعلنت عن قلقها من أن تؤثر الثورات في العالم العربي على صادرات الأسلحة الروسية إلى المنطقة، فقد ظهرت تقارير إخبارية مكثفة قدّرت فيها خسائر روسيا جراء حظر الأمم المتحدة تصدير السلاح إلى نظام العقيد القذافي بأربعة مليارات دولار.

وتجلّى الموقف المتحفظ الذي تبنته روسيا من الأحداث الليبية الخاص بالتدخلات الغربية عند تحذيرها من الانحياز لطرف في الصراع الليبي دون الآخر واصفة النزاع الليبي بأنه حرب أهلية.

كما كشفت المعلومات المتداولة بهذا الشأن عن اتفاقية وقعتها روسيا وليبيا في أبريل/نيسان 2008م تتنازل روسيا بمقتضاها عن ديون مستحقة على ليبيا بقيمة أربعة مليارات ونصف المليار دولار مقابل عقود ليبية من قطاع التصنيع العسكري الروسي.

هذا غير اتفاقيات كان من المتوقع توقيعها لولا اندلاع ثورة 17 فبراير/شباط. ولم تخف وثائق المخابرات الأميركية الهدف الأساسي حول برنامج التسلح الليبي الذي كان ينفق عليه القذافي ملايين الدولارات لغرض التباهي والتفاخر بالقوة العسكرية في المقام الأول قبل امتلاك قوة عسكرية رادعة.

هذا التوجس الدولي والإقليمي حفّز على أخذ خطر النزاع الليبي على السودان على محمل الجد، فقد لا يكفي إعلان قائد القوات السودانية التشادية المشتركة عن إنشاء قوات ثلاثية لضبط الحدود بين السودان وتشاد وأفريقيا الوسطى. وقد لا يكفي العزم على إحباط محاولات تهريب السلاح الليبي إلى دارفور وبالأخص السلاح الخفيف والسيارات رباعية الدفع المجهزة بمدافع ذاتية الحركة وبطاريات سام المضادة للطائرات.

لا يكفي كل هذا لأن حدود السودان المفتوحة على جميع جيرانه تشكل معضلة أمنية أحدثت إشكالات كثيرة على مدى التاريخ الحديث، وفوق ذلك تعدت أهميتها المعبرة عن سيادة الدولة التي اكتسبتها من القانون الدولي. وذلك لأن طبيعة حدود السودان البرية الطويلة المتعددة المنافذ والمفتوحة على تسع دول أفريقية، أثبتت فشل السيطرة عليها والحفاظ على أمنها لخلو أغلبها من قوات حرس الحدود.

أما لماذا يُعتبر السودان من ناحية بوابته الغربية المتمثلة في إقليم دارفور مؤهلاً لأن يكون وجهة للسلاح الليبي أو على أقل تقدير ممراً له، فهو لأن السودان بموقعه وسط منطقة نزاعات القرن الأفريقي يمثل ممراً نشطاً لأسواق السلاح في العالم.

هذه النزاعات وما نتج عنها من عنف مسلح تنامى مع الزمن أدى إلى رغبة عارمة في الاستحواذ على السلاح والذخائر بكل الوسائل كضرورة لبقاء الأقوى، وذلك سواء كان بتسهيل مرورها أو تصديرها إلى الجماعات المسلحة بكل الطرق البدائية والحديثة، فقد شهدت بعثات دراسية لمسح الأسلحة الصغيرة أن السلاح الخفيف يتم نقله على ظهور الحمير والجمال.

"
يلعب تعدد مداخل السودان على مختلف حدوده دوراً حيوياً في تسهيل مهمة اشتراك دول أجنبية وسماسرة السلاح في توريده إلى السودان
"

ويلعب تعدد مداخل السودان على مختلف حدوده دوراً حيوياً في تسهيل مهمة اشتراك دول أجنبية وسماسرة السلاح في توريده إلى السودان. ولأن توافر السلاح يؤدي بشكل مباشر إلى انعدام الأمن فإن المراقب يمكنه الوقوف على حال أقاليم عديدة في السودان بالإضافة إلى دارفور، تم تزويد مجموعات منها بالسلاح مما أطال أمد الصراع الداخلي.

وليست حرب الجنوب ببعيدة عن الأذهان، وارتباطها بتأجيج الحرب في دارفور لأن القبائل المتنازعة استفادت بشكل كبير من الفوضى الأمنية في الجنوب واستفادت كذلك من توفر السلاح الذي تم تهريبه من الجنوب.

ولم تترك الحكومة السودانية حمى تهريب السلاح لهذه القبائل وإنما قامت بتجييش أنصارها عبر قوات خاصة وهي قوات الدفاع الشعبي وقامت بتسليحها بنشر الأسلحة الثقيلة والخفيفة، وقد أدى تدريبهم على استخدام السلاح ودخولهم ميدان الحرب في الجنوب إلى مواجهة القبائل بعضها البعض، وسهولة الحصول على السلاح وحمله مما أحدث طلباً كبيراً على السلاح من قبل الجماعات المتمردة من الدول المجاورة وسماسرة السلاح لمواجهة الصراع مع الحكومة.

وتُعتبر دارفور مؤهلة أكثر من غيرها من حدود دول الجوار مع ليبيا لتكون وجهة انتقال السلاح الليبي، وذلك لتفكك نظام الأمن وعدم الاستقرار بالإقليم، فقد شهد الإقليم من قبل ظاهرة النهب المسلح المعتمدة على نظام "الهمبتة". و"الهمبتة" لفظ من لهجة عرب غرب السودان تعني نهب وسلب الإبل باستخدام القوة، كانت تُمارس فيما قبل.

ويرى بعض الأنثروبولجيين أنّ ظاهرة النهب المسلح حلّت محل "الهمبتة"، غير أنها خلت من أخلاقيات جماعات "الهمباتة" التي كانت تسرق من الغني لتُطعم الفقير ويشتهر أفرادها بالمروءة والشهامة. وعلى العكس تماماً فقد مارس عناصر النهب المسلح الكثير من الأعمال العنيفة ضد مواطني الإقليم والقبيلة نفسها لا يردعهم رادع لتسود الممارسة كوسيلة لكسب العيش وأسلوب للحياة، ساعدهم في ذلك التسليح الجيد لأفرادها وضعف اهتمام الحكومة المركزية بالأمن في الإقليم.

وغذاه الانهيار البيئي المتصاعد وتفكك مؤسسة القبيلة بالهجرة من مناطقها التقليدية إلى المدن وتوفر السلاح بصورة واسعة، ثم تحيز الحكومات المتعاقبة على السودان لجهة وقبيلة دون أخرى، وتبرير فشل حكومة الإنقاذ في حل المشكلة باتهامها لقبائل معينة بممارسة النهب المسلح، حتى أنها استخدمت هذا الوصف لمعارضيها السياسيين الذين حملوا السلاح.

"
من عوامل استعداد دارفور كبيئة قابلة لانتقال الأسلحة إليها هو مخلفات الصراع التشادي التشادي على الحدود السودانية ودعم السودان لمعارضي الرئيس ديبي
"
أيضاً من عوامل استعداد دارفور كبيئة قابلة لانتقال الأسلحة إليها هو مخلفات الصراع التشادي التشادي على الحدود السودانية ودعم السودان لمعارضي الرئيس التشادي إدريس ديبي من جهة والصراع الليبي التشادي من جهة أخرى خلال الثمانييات وبداية التسعينيات. هذه الصراعات أدت إلى تفاقم الهجرات التشادية إلى دارفور بسبب تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية وزيادة حدة الجفاف والتصحر. ولكن بعد توقيع اتفاق الرئيس السوداني عمر البشير في أواخر عام 2009م مع الرئيس التشادي إدريس ديبي والذي قضي بموجبه إنهاء دعم تشاد لحركة العدل والمساواة، وافق الرئيس البشير على طرد جميع الجماعات المسلحة المعارضة للرئيس التشادي إدريس ديبي من دارفور.

هنالك عامل حاسم أيضاً في استعداد إقليم دارفور لأن يكون أكثر أقاليم الجوار استقبالاً للسلاح الليبي وهو وضع دارفور الأمني الهش، والعلاقات المتوترة والصراع بين القبائل التي تم تصنيفها بين مناوئة ومدعومة من قِبل الحكومة، وهو أمر تؤكده معطيات الشعور العام بالغبن والتهميش لدى أبناء إقليم دارفور نتيجة لفقر الموارد والتردي البيئي والذي أدى إلى تفاقم الصراع داخل الإقليم، فكلها تساهم في استعداد الناس لحمل السلاح.

ففي إحدى إصدارات مشروع التقييم الأساسي للأمن البشري (HSBA) التابع لمسح الأسلحة الصغيرة، والذي طُوّر بالتعاون مع الحكومة الكندية وبعثة الأمم المتحدة في السودان (UNIMS) وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) جاءت ورقة العمل التي حررتها جولي فلينت الصحافية والباحثة في الشؤون السودانية في أكتوبر/تشرين الأول 2010م بما يفيد أن اندلاع الحرب في دارفور وتفاقم النزاع بين الأبّالة (رعاة الإبل) والبقّارة (رعاة البقر) على المراعي والموارد كان نتيجة لمعاملة الحكومة السودانية للطرفين بشكل غير متكافيء.

وأضافت أن قيام الحكومة بدمج الأبّالة في وحدة استخبارات الحدود، أو حرس الحدود، والبقّارة في شرطة الاحتياطي المركزي، ودعمها للمجموعتين بأسلحة تباينت في أنواعها حسب الولاء لها، أثار الغيرة بين المجموعتين وفاقم من حدة التوترات.

وفي إصدار آخر لنفس المشروع، مستنداً على قاعدة بيانات الأمم المتحدة الإحصائية جاء "تقرير السودان" بتاريخ أبريل/نيسان 2007م في إحدى فقراته بما يفيد أن حيازة الأسلحة وتدفقها في السودان كان بمساعدة 34 دولة من ضمنها الصين وإيران، حيث قامت تلك الدول بتصدير الأسلحة الصغيرة والخفيفة والذخائر بما قيمته 70 مليون دولار أميركي تقريباً إلى السودان خلال عامي 1992- 2005م.

"
دخل السودان بإقليمه المكلوم مرحلة لا ينفع فيها الحظر الموجه لنقل السلاح منه وإليه, وإن كان الحظر ذا فعالية فيما قبل فإنه في ظل الحرب وعدم الاستقرار يبدو أكثر شراسة
"

هذا هو التطور المؤسف والمتوقع للاضطراب في ليبيا ومن قبلها اضطراب دول الجوار وإقليم دارفور نفسه. دخل السودان بإقليمه المكلوم مرحلة لا ينفع فيها الحظر الموجه لنقل السلاح منه وإليه. وإن كان الحظر ذا فعالية فيما قبل، وذلك لإرساء قوانين دولية للحد من تدفق السلاح بصورة كبيرة، فإن الانتهاك لذاك الحظر في ظل ظروف الحرب وعدم الاستقرار يبدو أكثر شراسة.

على الحكومة الآن أن تسعى لتفعيل أمن الحدود وإدارتها بشكل أكثر مسؤولية. فالسلاح القادم من ليبيا يعد نوعاً من الإمدادات التي سوف توفر بيئة جديدة لإشعال أوار الحرب في دارفور من جديد. فقبل أن يتبنى المجتمع الدولي الذي خرج من باب التهويل الإعلامي كأحد غنائم الحرب في دارفور، وقبل أن يعود مرة أخرى من نافذة مراقبة مرور السلاح وانتقاله إلى دارفور، على الحكومة أن تعزز من شفافيتها بالتحقيق في انتقال الأسلحة وحيازتها وفرض القانون على الكل دون استثناء.

المصدر : الجزيرة

التعليقات