عبد الله العمادي

عبد الله العمادي

كاتب وأكاديمي قطري

 

البيان الختامي لقادة دول التعاون في اجتماعهم التشاوري الدوري بالرياض رحب بطلب ضم الأردن والمغرب إلى المنظومة (انطلاقاً من وشائج القربى والمصير المشترك ووحدة الهدف، وتوطيدا للروابط والعلاقات الوثيقة القائمة بين شعوب ودول مجلس التعاون والمملكة الأردنية الهاشمية والمملكة المغربية، وإدراكا لما يربط بين دول المجلس والمملكة الأردنية الهاشمية والمملكة المغربية من علاقات خاصة وسمات مشتركة وأنظمة متشابهة أساسها العقيدة الإسلامية)... إلى آخر البيان.

كان هذا البند مفاجأة للكثيرين، لأن التوقعات من الاجتماع كانت حول إمكانية أن يتخذ المجلس خطوة حاسمة مع الثورة اليمنية وكذلك الثورة القائمة في سوريا، وباعتبار أنه قد اتخذ موقفه من ليبيا بشكل واضح، بعد أن عاش المجلس في فترة حرجة مثله مثل بقية العالم، مع الثورة التونسية ومن بعدها المصرية.

المفاجأة من الخطوة الخليجية لضم الأردن والمغرب كامنة أكثر في المغرب تحديداً، وخاصة إن جئنا ننظر إلى عامل الجغرافيا مثلاً أو حتى الثقافة والفكر. المغرب في أقصى العالم العربي وتبعد عن الخليج مسافة ثماني ساعات تقريباً بالطائرة في رحلة مباشرة. والثقافة المغربية أو أسلوب الحياة في المغرب مختلف تماماً عن الخليج، أما الأردن فهو جغرافياً أقرب بكثير والفكر أو أسلوب الحياة لا يختلف عن الخليج. ولكن ليس ها هنا مجال لمناقشة قبول أو عدم قبول الدولتين لدخول المنظومة.

ما أبحث فيه هو أهمية وجود ما يقنع المتابع للشأن الخليجي بأمر التجديد المراد إحداثه على مجلس التعاون. نحن لا نختلف على فكرة التجديد والتغيير، فهما من سنن الحياة، لكن حتى السنن الحياتية ما تقع إلا وفق منطق محدد مقبول لا يمكن أن يعتريه أدنى شك يمنع قبوله.  فماذا يعني هذا؟   
 
"
المفاجأة من الخطوة الخليجية لضم الأردن والمغرب كامنة أكثر في المغرب تحديداً، وخاصة إن جئنا ننظر إلى عامل الجغرافيا مثلاً أو حتى الثقافة والفكر

"
مفهوم للجميع أن منظومة التعاون الخليجي قامت عام 1981 كمنظومة أمنية لمواجهة مشروع تصدير الثورة الإيرانية التي كانت يومها في أوج حماستها وطاقتها واندفاعها، وكان لها زخم رهيب مخيف، استدعى تحركاً عاجلاً من الخليج بمعية ومساعدة الغرب، فكانت المحصلة ظهور منظومة مجلس التعاون الخليجي وهدفها أمني بحت تركز أساساً في التصدي للثورة.

وربما عزز إنشاء الكيان قيام الحرب العراقية الإيرانية، حيث انشغلت إيران بنفسها ومشاكلها مع العراق مدة طويلة استمرت ثمانية أعوام، أهلك فيها الطرفان الحرث والنسل، وتناست أو تم تأجيل مشروع تصدير الثورة للخليج تحديداً إلى حين الانتهاء من أم المعارك.

وبالطبع وصل التأثير السلبي للحرب إلى دول التعاون جميعاً، وزاد تمسكها بالكيان بمعية الولايات المتحدة ودعمها الكبير له. ولم يكن ما يمنع المنظومة أن تتوسع في تحقيق أهداف أخرى في مجالات الاقتصاد والاجتماع والتربية وغيرها حتى لا يُنظر إليها أنها منظومة أمنية بحته، وهذا هو واقع مجلس التعاون الخليجي.
 
اليوم بعد أكثر من ثلاثة عقود، وفي وقت حرج للغاية تشهده المنطقة العربية، يتم فيه تفسير كل خطوة أو إجراء أو حتى تصريح إعلامي على معيار ما يجري على الساحة من تغييرات، والثورات أبرزها، تأتي خطوة التعاون الأخيرة لتثير الكثير من التساؤلات لأنها لا يمكن أن تخرج عن نطاق الأحداث، فهل استعد المجلس لها؟ هذا أولاً.

ثانياً، أرى أن  الخطوة الخليجية هذه ربما خطوة استباقية أولى نحو تحول تدريجي للدول الخليجية غير الملكية لتغيير نظامها السياسي وخاصة أن الوقت يسمح ويبرر بالتغيير، إلى ملكي دستوري، باعتبار أن هذا النظام هو الأكثر قبولاً وتوافقا مع المزاج الخليجي ومع الحاصل الآن في المنطقة، وباعتبار هذا النظام أيضاً، معمولا به في كثير من دول العالم المتقدم.
وإذا ما تحولت الدول الست إلى هذا النظام في فترة زمنية معينة، بوجود الأردن والمغرب أيضاً واللتين ستتحولان أيضاً إلى النظام نفسه، خاصة أن مطالبات الشارع الأردني والمغربي لهذا التحول ما زالت قائمة. 
   
وإذا انتهت الدول الثماني، وربما تنضم اليمن بنفس النظام السياسي المطلوب بعد انتهاء ثورتها وفق الهوى الخليجي، أو إن صح وجاز لنا التعبير وفق هوى بعض أعضاء مجلس التعاون، وليس أيضاً وفق الشارع اليمني، عند ذلك سينشأ كيان سياسي يشترك أعضاؤه في هذا العامل.
 
إذن لو سارت الأمور بهذا الذي يتمناه البعض الغالب في التعاون الخليجي، فيمكن على الفور أن يتضح للمتابع أنه سيكون معسكراً ملكياً يجمع كل الأنظمة الملكية في العالم العربي. وقد يُنظر له أيضاً على أنه معسكر أميركي الهوى باعتبار أن كل أعضاء المعسكر يسيرون وفق المزاج الأميركي، فدول مجلس التعاون علاقاتها جميعاً على مستوى متقدم مع الولايات المتحدة.

والشريك الأميركي داخل ومتعمق في الخليج منذ أن وطئت أقدامه المنطقة بعد خطوة صدام حسين غير المحسوبة والخاطئة باحتلال الكويت عام 1990م كما توطدت العلاقة مع الخليج وترسخت الأقدام الأميركية بعد غزو العراق عام 2003م . وصار الوجود الأميركي واقعاً في الخليج لا بد من التعامل معه.

"
لا نختلف على فكرة التجديد والتغيير في مجلس التعاون، فهما من سنن الحياة، لكن حتى السنن الحياتية ما تقع إلا وفق منطق محدد مقبول لا يمكن أن يعتريه أدنى شك يمنع قبوله
"
وقد يرى البعض الآخر أن الهدف من هذا التغيير قد يكون أمنياً وإيران هي السبب مرة أخرى. إيران التي بفكرة تصدير الثورة إبان سنواتها الأولى أفرزت أو تسببت بصورة وأخرى في إنشاء هذا الكيان في الثمانينيات الذي بدا عليه التسرع وهذا ما أدى إلى تبعات بعد ذلك لم يسعد بها كثيرون من أبناء المنطقة، الذين ظلوا لسنوات عدة يتساءلون عن أهداف المجلس ولم لا يقوم بكذا وكذا وماذا حقق لهم كشعوب صفقت لقيام الكيان؟ وغيرها من استفسارات وتساؤلات.

ويبدو أن إيران مرة أخرى ستعدل وتغير هذا الكيان أيضاً وإن لم يكن التعديل بصورة مباشرة. وهذه المرة من يدقق في هذا المعسكر المنشود، سيجد أنه معسكر لا يتوافق البتة مع المزاج الإيراني أو إن صح التعبير فهو المعسكر المضاد لإيران وسياساتها. ولعل التدخلات الإيرانية الأخيرة في أحداث البحرين دفعت بدول مجلس التعاون إلى التحرك السريع نحو التدخل العسكري للحفاظ على الأمن الداخلي للبحرين، إضافة إلى قطع أي طريق يمكن أن تسلكه إيران للتغلغل في المنطقة وتحريك الأحداث. هذا الأمر لا بد أنه ساعد كثيراً في الأمر الذي نتحدث عنه وهو تعديل كيان مجلس التعاون الخليجي.  
   
 تلك كانت بعض ملامح المعسكر الأول، ولكن ماذا عن بقية العالم العربي؟ يبدو لي من خلال استقراء الماضي ومحاولة استشراف مستقبل الجامعة العربية، أنه إذا ما تعدل مجلس التعاون الخليجي بالشكل المراد له، فإن الجامعة العربية ستكون أمام خيارين لا ثالث لهما. إما أن تتلاشى وتضمحل ويتم الإعلان عن نهايتها بصورة أو أخرى، وهو الأقرب نظرياً لأن يقع باعتبار أن المسألة تتعلق بالزمن ليس إلا، أو أن تتحول إلى كيان يضم الدول ذات النظام أو الطابع الجمهوري أو دول ما يمكن أن نسميها بدول الضد، والضد ها هنا المقصود به الاتجاهات المعاكسة أو التي ليست على توافق تام أو شبه تام مع سياسات الولايات المتحدة بصورة وأخرى أو بنسب متفاوتة. 
 
ذلك يعني أن العالم العربي قد ينقسم إلى كيانين -فيما لو حدث تقارب وحدثت دعوات لتشكيل كيان سياسي يضم الجمهوريات- كيان ملكي دستوري وآخر جمهوري، وهذا سيناريو لا أريد حتى مجرد التفكير فيه لأنه مزعج جداً جداً جداً.

لكن لن نتوقف ها هنا، فنحن في سياق الحديث عن تشكيلات سياسية أو إعادة رسم للقوى السياسية في العالم العربي، بعد أن أحدثت الثورات التي وقعت وانتهت نسبياً بنجاح في تونس ومصر أو التي ما زالت تتأجج في ليبيا واليمن وسوريا، فإن من المأمول أن يتفاكر السياسيون وأصحاب القرار في أمر المنطقة، لا سيما السياسيون الجدد باعتبار أن الآمال معقودة على ما سيقدمونه لشعوبهم التي رزحت طويلاً تحت انظمة قمعية استبدادية، وعلى أمل أن يكون لهم دورهم في التأثير على البقية الباقية من المكونات العربية، لإحداث التأثير الداعم لمزيد إصلاحات وتغييرات.   

"
لا أجد ما يمنع أن تنضم إيران أيضاً إلى الكيان المقترح ولكن بشرط ألا تكون إيران الحالية، ولكن أن تعود إلى ما كانت عليه قبل 1979، دولة لا مذهبية أو طائفية
"
من هذا المنطلق، أرى أن أمن المنطقة إن كان يهم الجميع أو المعسكرين إن جاز لنا التعبير ولو بشكل مؤقت، لا بد أن يتم له التخطيط الواعي غير المتسرع دون تدخلات من أطراف معينة من خارج المحيط الإسلامي، بحيث يتم التفكير في شأن إيجاد كيان سياسي بديل عن الجامعة العربية التي هرمت فعلاً وفقدت مصداقيتها، بحيث يكون كياناً يتوافق مع الواقع والتغيرات الحاصلة بالمنطقة، وبحيث لا يتم التفكير فيه دون أن يكون للقوة الإقليمية الصاعدة بشكل مستمر -تركيا- الدور البارز وخاصة إذا استمرت بهذه الروح وهذا النهج في التعامل مع العرب وقضاياهم المتنوعة. 
   
كما أن الحديث تلقائياً يقودنا إلى التفكير في القوة الإقليمية الأخرى وهي إيران، فلا أجد ما يمنع كذلك أن تنضم هي الأخرى أيضاً إلى الكيان المقترح ولكن بشرط ألا تكون إيران الحالية، ولكن أن تعود إلى ما كانت عليه قبل 1979، دولة لا مذهبية أو طائفية، ولكن دولة تتصرف كقوة كبيرة وحامية للمنطقة انطلاقاً من المسؤولية الإقليمية. تتعاون مع دول المنطقة فيما يعود على الجميع بالنفع، وتتكامل معها في سبيل تحقيق المصلحة العامة، لا ترهب الجيران ولا تتدخل في شؤونهم الداخلية إلا بالقدر الذي يتطلب نحو الضبط والربط وتعديل المسار ووفق آلية معينة متفق عليها في لائحة الكيان المقترح، وفي هذا الأمر الشرح يطول.
  
هذا الكيان الذي آمل ألا يكون سياسياً فحسب، بل شاملاً لكل أوجه النشاط في المنطقة، سياسياً واقتصاديا وثقافياً وغيرها من ميادين ومجالات، هذا الكيان إن ظهر بالصورة التي نتخيلها فلن يقل أبداً عن أي كيان سياسي أو اقتصادي قائم الآن في العالم. وأحسب أن النجاح سيكون حليفه دون شك، لماذا؟ لأنه سيضم ثلاث قوى مهمة، هي قوة الساعد وقوة السلاح وقوة المال. وهي قوى متوفرة في أعضاء هذا الكيان المستقبلي. وهل غير هذه العوامل تحقق نجاحاً في مثل هذا الزمن؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك