بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح

بشير عبد الفتاح, أكاديمي وباحث في مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية


يبدو أن بن لادن قد أبى إلا أن يكون رقما صعبا في معادلة العلاقات الباكستانية الأميركية في محياه ومماته. ففي الأولى تسبب مؤسس وزعيم تنظيم القاعدة في توتر حقيقي في العلاقات بين إسلام آباد وواشنطن.

هذا التوتر لم يكن على خلفية نشاطاته التي انطلقت من باكستان وأفغانستان وشملت مصالح أميركية وغربية في بقاع شتى من المعمورة فحسب، وإنما بجريرة تسميمه أجواء الثقة الهشة بين الولايات المتحدة وباكستان في ظل تواصل اتهامات الأولى للأخيرة منذ عهد الرئيس السابق برويز مشرف بتوفير ملاذ آمن لابن لادن ومقاتلي القاعدة وطالبان، أو على الأقل غض الطرف عن وجودهم وتحركاتهم في الأراضي الباكستانية والتحضير لعملياتهم وإدارتها من هناك.

"
وصل مستوى التشكيك والتوتر بين إسلام آباد وواشنطن إلى حد عدم تردد الأخيرة في إبداء قلقها ومخاوفها من إخفاق الباكستانيين في حماية ترسانتهم النووية
"
ولقد وصل مستوى التشكيك والتوتر المتبادلين بين إسلام آباد وواشنطن في غضون ذلك إلى حد عدم تردد الأخيرة في إبداء قلقها ومخاوفها من إخفاق الباكستانيين في حماية ترسانتهم النووية وأدوات توصيلها من الصواريخ الإستراتيجية، وإمكانية نجاح بن لادن ورجاله في التسلل إلى تلك الترسانة والسطو عليها وحيازتها توطئة لاستخدامها ضد أهداف ومصالح أميركية حول العالم.

وهو الأمر الذي استتبع مطالبات غربية وإسرائيلية بضرورة وضع تلك الترسانة الباكستانية تحت رقابة وإشراف المجتمع الدولي تلافيا لوقوع هذا السيناريو المفزع.

وبعد إعلان واشنطن مؤخرا إجهازها على بن لادن، وضعت العملية الأميركية الأخيرة نظام إسلام آباد في موقف لا يحسد عليه.

ذلك أنه إذا كان يعلم مسبقا بالعملية أو شارك فيها عملياتيا أو استخباراتيا أو لوجيستيا، يكون قد عرض نفسه وبلاده لانتقام مقاتلي تنظيم القاعدة وحركة طالبان، أما إن كان لا يعلم بهذه العملية مسبقا ولم يشارك فيها بأية صورة أو مستوى، فإنه يهوي بنفسه وبلاده أيضا في جحيم من التساؤلات والإشكاليات المعقدة التي تفجرها حزمة من القضايا العالقة والمثيرة في آن.

تأتي في صدارتها، قضيتا السيادة والأمن القومي للدولة الباكستانية، خصوصا بعدما تساءل عدد من الخبراء والمسؤولين العسكريين الباكستانيين عن كيفية خروج المروحيات الأميركية من قاعدة أميركية بأفغانستان وعبورها الأجواء الباكستانية لتنفيذ عملية على بعد ستين كيلومترا فقط من إسلام آباد، وكيفية تمكنها من تحاشي نقاط الرادار الباكستانية من دون اعتراض رغم ما قيل من أن طائرات "جت" عسكرية باكستانية أقلعت خلفها، ورغم استمرار عملية تصفية بن لادن بعدها لنحو 40 دقيقة.

ومن جهة أخرى، فإن تأكيد نظام إسلام آباد عدم علمه المسبق بالعملية، ونفيه تعاونه مع واشنطن في تنفيذها أو استخدام المروحيات الأميركية لأية قاعدة جوية باكستانية، لا سيما بعد تكشف أمر وجود بن لادن آمنا لسنوات بمجمع بمدينة إبت آباد بالقرب من أكاديمية للجيش الباكستاني، من شأن ذلك أن يفاقم من أزمة الثقة بين واشنطن وإسلام آباد.

إذ يؤكد شكوك واشنطن السابقة حيال إسلام آباد بإيواء بن لادن وقيادات تنظيم القاعدة وتسهيل عبور مقاتلي طالبان من وإلى أفغانستان، كما يطرح تساؤلات عن مدى تعاون باكستان، بشكل جاد، مع واشنطن في مناهضة الإرهاب رغم استمرار تدفق المساعدات العسكرية والاقتصادية الأميركية إليها، حتى إن نوابا بالكونغرس الأميركي طالبوا مؤخرا بضرورة إعادة النظر في تلك المساعدات.

وعديدة هي التساؤلات التي يطرحها التضارب في التصريحات بين واشنطن وإسلام آباد بشأن حقيقة الدور الباكستاني في عملية تصفية بن لادن، ما بين كونه تكتيكا متفقا عليه في إطار إستراتيجية محددة يتبناها الطرفان في علاقاتهما على نحو غير معلن، وهو أمر اقتضته خصوصية البيئة التي ترعرعت في ربوعها علاقات البلدين، أو أن يكون في التحليل الأخير مؤشر لتنامي التأزم في تلك العلاقات بعد أن أفضى إلى اتساع سحابة الغيوم وأجواء عدم الثقة، التي تخيم عليها، خصوصا ما يتصل منها بملف التعاون بين البلدين في مجال محاربة الإرهاب، والذي دُشن قبل عقد مضى من الزمن.

"
لم تتردد إسلام آباد في تأكيد رفضها للغارات الأميركية على المناطق الحدودية والقبلية الباكستانية, بينما ادعت واشنطن أنها تتم بناء على اتفاق سري مع إسلام آباد
 "
فقبل سنوات، ومع احتدام الجدل بشأن الغارات الأميركية المتواصلة التي دأبت الطائرات الأميركية من دون طيار على القيام بها في المناطق الحدودية والقبلية الباكستانية بحجة ملاحقة عناصر طالبان وتنظيم القاعدة، والتي أدت إلى مقتل آلاف الباكستانيين من بينهم جنود وضباط في الجيش، فضلا عن مئات الآلاف من الجرحى والمشردين، لم تتردد إسلام آباد في تأكيد رفضها تلك الغارات معتبرة إياها عدوانا صريحا على شعبها.

بينما ادعت واشنطن من جانبها أنها تتم بناء على اتفاق سري بين واشنطن وإسلام آباد منذ عهد الرئيس السابق برويز مشرف، كما أكدت دوائر استخباراتية أميركية أن الرئيس زرداري وافق على إشراك الجيش الباكستاني رسميا وعلنا في تلك العمليات، التي طالما ادعى النظام الباكستاني من قبل رفضه لها وتبرأ من تواطؤه فيها، حيث دشن الجيش الأميركي برنامجا لمهام طائرات الاستطلاع الموجهة والمسلحة بدون طيار من طرازي برايداتور وريبر، التابعة للاستخبارات العسكرية الأميركية، ضد مقاتلي القاعدة وطالبان والعناصر المسلحة في باكستان، تشارك فيه وللمرة الأولى القوات الباكستانية النظامية.

على صعيد مواز، ومع تتابع اتهامات مسؤولين في الإدارة الأميركية لإسلام آباد بإيواء بن لادن وقادة تنظيمي طالبان والقاعدة في مدينة كويتا عاصمة إقليم بلوشستان جنوب غرب باكستان، ظلت السلطات الباكستانية تصر على نفي مثل هذه المعلومات، مؤكدة أنها لا تدّخر وسعا في مناهضة عناصر القاعدة وطالبان الذين أسفرت عملياتهم الإرهابية ضد باكستان والتي ناهزت 460 عملية، عن مقتل ما يربو على 2000 ضابط وجندي بالجيش الباكستاني علاوة على 3000 مدني، وذهب وزير الداخلية رحمن ملك إلى أبعد من النفي حينما أكد أن بن لادن موجود في أفغانستان وتحديدا في ولاية كونر التي يتم منها توجيه جميع العمليات والأنشطة العسكرية المضادة لباكستان.

وسواء كان الغموض وتضارب التصريحات الذي وصم التعاون الأميركي الباكستاني فيما يتصل بملف محاربة الإرهاب عموما ومقتل بن لادن تحديدا، مخططا ومتعمدا من قبل الجانبين، أو كان مؤشرا على مزيد من التدهور في علاقاتهما، فإنه يمكن قراءة ذلك الغموض والتضارب من زاويا أخرى لا تقل أهمية.

وفي هذا السياق، يمكن تفسيرهما على أنهما نتاج لمتغيرات محلية وتطورات إقليمية ودولية متنوعة ألمت بالعلاقات الباكستانية الأميركية، لعل أهمها: حرص واشنطن وإسلام آباد على المضي قدما في جني ثمار الاحتفاظ بتعاونهما المشترك في مجال مكافحة الإرهاب رغم التداعيات السلبية التي تترتب على مثل هذا التعاون، والتي زادت وتيرتها خلال السنوات القليلة المنقضية.

كما يأتي في هذا الإطار أيضا تحسب إسلام آباد لردود الأفعال الانتقامية المتوقعة لمقاتلي تنظيم القاعدة وحركة طالبان في حالة إقرارها بالضلوع في عمليات مشتركة مع القوات الأميركية ضدهم، خصوصا عملية اغتيال بن لادن التي تعهد أولئك المقاتلون على أثرها باستهداف مسؤولين باكستانيين ردا عليها، علاوة على تفاقم استياء وسخط الشعب الباكستاني من سياسات نظامه الموالي لواشنطن والتي حولت البلاد من جبهة لمحاربة ما يسمى بالإرهاب إلى ساحة ومسرح لتلك الحرب.

"
تتحين نيودلهي الفرص لتوظيف أية أزمات تعصف بباكستان لتعزيز موقفها في صراعها المزمن مع إسلام آباد على نحو ما ظهر جليا عقب عملية تصفية بن لادن
"
ويمكن تصور مردودات هذا السخط الشعبي الباكستاني على سياسات نظام إسلام آباد في شأن الشراكة الإستراتيجية مع واشنطن بالنظر إلى الوضع السياسي المترنح للحكومة الباكستانية الحالية، التي تشكلت بالأساس من تحالف سياسي هش، لا يكاد يتنصل من اتهامات بالفشل حتى يقع في براثن شبهات الفساد.

وبالتوازي مع ذلك، برأسه يطل الموقف الهندي، حيث تتحين نيودلهي بدورها الفرص لتوظيف أية أزمات تعصف بباكستان لتعزيز موقفها في صراعها المزمن مع إسلام آباد، على نحو ما ظهر جليا عقب عملية تصفية بن لادن، حيث لم يتورع وزير الداخلية الهندي شيدمبرام عن الإعلان أن مقتل بن لادن قرب إسلام آباد إنما يؤكد أن باكستان تشكل وكرا وملاذا للإرهابيين.

وانطلاقا مما سبق، لا يبدو أن تأثير بن لادن على مستقبل العلاقات الباكستانية الأميركية سينتهي بعملية قتله، وإن تراجع بعض الشيء، خصوصا في ظل الغموض والتناقض اللذين لا يزالان يكتنفان ملابسات هذه العملية المثيرة، التي أعلنت إسلام آباد في أعقابها أنها ستطالب واشنطن بتقليص وجودها العسكري في الأراضي الباكستانية كما ستخفض مستوى تعاونها معها في مجال محاربة الإرهاب مستقبلا.

وإلى جانب ما ذكر آنفا، تبقى الإشارة إلى حقيقة مهمة فيما يتصل بالعلاقات الباكستانية الأميركية، مفادها أن خصوصية تلك العلاقات التي تأسست وتنامت بين الأنظمة والحكومات ولم تحظ بتأييد الرأي العام والشعوب، لا سيما الجانب الباكستاني، قد وهبت للشق السري فيها كما وهب منطق التعاون الاضطراري نصيب الأسد في توجيه مساراتها وضبط إيقاعاتها بشكل يمنحها جاهزية منقطعة النظير لترميم تصدعاتها وتجاوز أزماتها في أسرع وقت وبتكلفة غالبا ما يتسنى احتمالها واحتواؤها، رغم ما قد يطفو على السطح بين الفينة والأخرى من خلافات ظرفية أو موسمية أحيانا ربما تنجح في تعكير صفوها بشكل مرحلي أو عابر.

وتجدر الإشارة في هذا المضمار إلى أن من بين التداعيات الخطيرة لعملية مقتل بن لادن على النحو الذي تمت به، أنها فجرت علامات استفهام مهمة بشأن الحليف الحقيقي والطيّع للولايات المتحدة داخل باكستان، هل هو الحكومة الباكستانية أم الجيش، أم بعض القبائل، أم دوائر أمنية واستخباراتية وعسكرية تعمل بشكل مستقل عن قيادة الدولة والجيش، أم أن هناك بعض الرموز والعناصر النافذين داخل كل هذه المؤسسات قامت واشنطن بتجنيدهم لمصلحتها من دون علم قياداتهم نظير مكافآت سخية مادية ومعنوية يتلقونها؟!

وفي هذا السياق جاء إعلان رئيس الحكومة الباكستانية مؤخرا عن بدء تحقيق فوري وجاد للتحقق من مدى صحة التقارير التي تزعم تواطؤ دوائر أمنية واستخباراتية وعسكرية باكستانية في التستر على وجود بن لادن طيلة سنوات على بعد ستين كيلومترا من العاصمة إسلام آباد من دون علم الحكومة الباكستانية.

"
باكستان تجري تحقيقا بشأن مدى صحة التقارير التي تزعم تواطؤ دوائر أمنية واستخباراتية وعسكرية باكستانية في التستر على وجود بن لادن 
"

ويمكن القول إن الأيام القليلة المنقضية قد عجلت بعرض عدد من الدلائل والمؤشرات التي من شأنها أن تؤكد سلامة هذا الطرح إلى حد كبير، إذ لم يتورع كبار المسؤولين الباكستانيين والأميركيين عن التأكيد على أهمية التعاون والتنسيق بين بلديهما وحرص الطرفين على تعزيز الشراكة الإستراتيجية بينهما، لا سيما بعد أن أبدت واشنطن إصرارها على عدم التخلي عن إستراتيجية "صناعة العدو" بإعلانها أن الدكتور أيمن الظواهري قد أضحى هو المطلوب الأول عالميا بالنسبة لها بعد مقتل بن لادن.

كما أعلنت واشنطن أن إسلام آباد قد سمحت لها بإجراء تحقيقات مع أفراد أسرة بن لادن الذين كانوا بصحبته أثناء عملية الهجوم على ملاذه واغتياله، والمحتجزين حاليا بأحد المستشفيات الباكستانية، وأكد مسؤولون أميركيون في غضون ذلك أن إسلام آباد ستفرج لهم عن الوثائق والمتعلقات الهامة والثرية بالمعلومات القيمة، والتي كانت بحوزة بن لادن أثناء عملية الإجهاز عليه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك