أحمد أبو خليل

أحمد أبو خليل

أحمد أبو خليل


عودة التسييس
وطنية متجددة
حركة شعبية بروح جديدة

في الحالة الأردنية، يتعين ألا يبدأ التحليل من أحداث الأيام أو الأسابيع الأخيرة، وذلك رغم أهمية هذه الأحداث، ورغم كونها شكلت نقطة تحول في مسيرة التحركات الشعبية.

في الأردن، وحتى تتضح الصورة، ينبغي ألا يغيب عن الأذهان مسار النقاش، وبالأحرى الصراع الاجتماعي المحتد منذ سنوات في البلد.

والمقالة التالية تنظر في ظاهرة الحركة الشعبية الأردنية ومستجداتها وآفاقها. ولكن قد يكون من المفيد الإشارة مسبقاً إلى أن المقالة سوف تحاول الاقتراب من الظاهرة بعين المنهج الأنثروبولوجي، مما يتيح الفرصة للإطلالة على عناصر جديدة فيها.

عودة التسييس
في الأردن تتراوح التحركات الشعبية عموماً بين مستويين: مستوى القضايا القومية (الصراع مع الصهيونية، وقضايا الاحتلال في فلسطين والعراق والمقاومات فيهما وفي لبنان)، ومستوى القضايا الاجتماعية.

وإذا كانت هذه المراوحة تتكرر في أغلب البلدان العربية، فهي في الأردن تتخذ شكلاً خاصاً من حيث إن هناك فصلاً واضحاً، وفي بعض الأحيان تناقضاً، بين هذين المستويين.

"
شكّل انخراط أوساط واسعة من العاملين بالدولة في الحركة الاحتجاجية عودة واسعة تدريجية إلى "التسييس"، ولكنه الآن تسييس بالمعنى العلمي لا بالمعنى العَمَلي
"
وفي اللغة الدارجة في النقاش العام بما في ذلك ما ينشر في الإعلام، يعتبر الاهتمام بالقضايا القومية والوطنية نشاطاً سياسياً، بينما لا يعتبر النضال الاجتماعي كذلك، أي لا يعتبر "سياسة"، ويصر المشاركون في مختلف الحركات الاجتماعية على تأكيد أنهم بعيدون عن السياسة حتى ولو كانوا يطالبون باستقالة حكومة أو وزير!.

وهناك في الخطاب الدارج نفور من كلمة "تسييس"، بل إن الأحزاب السياسية قبلت اعتبار التسييس تهمة وتسعى إلى نفي "تورطها" فيها. وإلى حد كبير، يبدو في الاستخدامات اليومية أنه يوجد خلط أو مماثلة بين مفهومي التحزب والتسييس.

في السنوات القليلة الماضية، أخذ المشهد الأردني على هذا الصعيد يتغير، لقد دخلت قطاعات جديدة إلى ميدان الحركات الاجتماعية/السياسية، وهو ما قاد إلى تبدل خارطة الاحتجاج والمعارضة، وتبدل محتواها كذلك، وهذا بدوره قاد إلى خلخلة (بالمعنى الإيجابي) لمجمل صورة العمل العام وخاصة الاحتجاجي منه.

إن جوهر هذا التبدل تمثل في دخول "مجتمع القطاع العام" بقوة إلى الحركة الاجتماعية، ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى سياسة إفقار هذا القطاع المتبعة بوتائر متزايدة منذ عشرين عاماً، ولكن بشكل خاص منذ السنوات العشر الأخيرة، وذلك عبر عمليات الخصخصة وخروج الحكومة من العملية الاقتصادية وغيرها من سياسات.

لقد انخرطت أوساط واسعة من العاملين في المراكز الدنيا والوسطى من الوظيفة الحكومية إلى جانب العاملين في المؤسسات العامة الكبرى (الحكومية وشبه الحكومية) التي جرت خصخصتها، في النشاط الاحتجاجي وخاض منتسبوها العديد من الإضرابات والاعتصامات والاحتجاجات غير المسبوقة في الأردن كماً وكيفاً (حصل ذلك في مصفاة البترول وشركة البوتاس والموانئ، كما حصل في قطاعات وظيفية حكومية كثيرة أبرزها قطاع المعلمين وعمال المياومة الحكوميين والمتقاعدين العسكريين، وقطاعات أخرى مرتبطة بالوظيفة الحكومية في شتى المدن).

إن ذلك أدى مباشرة وبتسارع، إلى تغيير مشهد الصراع الاجتماعي في البلد، ومن ثم في مرحلة لاحقة إلى تغيير مشهد العمل السياسي. لقد وجد المنخرطون حديثاً في العمل الاحتجاجي أنفسهم مضطرين إلى إعادة صنع العجلة من جديد (كما يقال).

لقد كان القاسم المشترك بين بدايات جميع تحركات هذه الفئات الجديدة هو حرصها على تعريف نفسها منذ البداية بأنها حركات بعيدة عن السياسة، بل وكادت في بعض الأحيان تشجب السياسة، غير أن المنخرطين فيها سرعان ما وجدوا أنفسهم -وهم في خضم صراعهم (غير السياسي بتعريفهم)- يصطدمون بالواقع السياسي.

لقد كان خصومهم في السلطة وحولها يخوضون معهم مواجهة سياسية بامتياز، وقد وجدوا أنفسهم مدفوعين إلى السياسة، واكتشفوا -بتجربتهم الخاصة- أنه لا بديل عن المدخل السياسي لمعالجة قضاياهم.

شكّل ذلك عودة واسعة تدريجية إلى "التسييس"، ولكنه الآن تسييس بالمعنى العلمي لا بالمعنى العَمَلي الدارج في الأردن، حيث ترتبط السياسة حصرياً بالتنظيم الحزبي وبالقضايا الكبرى القومية والوطنية، إننا الآن أمام تسييس داخلي حقيقي يتصل بالصراع مع السلطة في الإطار الوطني.

وطنية متجددة
لدى الأردنيين إحساس عالٍ ببلدهم وبوطنهم يفوق بكثير إحساسهم بأنفسهم كشعب موحد، وفي الواقع لقد عملت ظروف عديدة وخصوم كثيرون لمنع استكمال تشكّل وطنية أردنية من وطن وشعب، لقد شهدت مسيرة هذه الوطنية -ولا تزال- محاولات تحطيم متواصلة.

"
الأردني هو العربي الوحيد الذي يتعين عليه أن يفسر وطنيته للآخرين ولنفسه أحياناً، كما يتعين عليه أن يقوم بالكثير من الاستدراكات وهو يتحدث عن وطنيته
"
وفي المقابل، نشأت صورة أخرى لوطنية "رسمية" متمحورة حول السلطة، لقد اتضحت هذه الصورة منذ سبعينيات القرن الماضي، فقد شهد ذلك الوقت بداية قبول العرب عموماً للرواية الرسمية التي قدمتها منظمة التحرير الفلسطينية عن الأردن والشعب الأردني والوطنية الأردنية، وذلك بعد الصراع بين المنظمة والحكم.

وقد سادت تلك الرواية في مجمل ما كان يعرف بفكر حركة التحرر العربية الذي سيطر في مختلف الأدبيات السياسية والاجتماعية التي تناولت الأردن بشكل خاص أو ضمن المجموع العربي، والمفارقة أن الحركة الوطنية الأردنية المعارضة قبلت هذه الرواية أيضاً وجاملتها كثيراً بل وتبنتها، وبالنتيجة وجدت هذه الحركة نفسها أسيرة حسابات وبرامج غير وطنية بالكامل.

وتكاد الوطنية الأردنية تنفرد بهذه الوضعية، فالأردني هو العربي الوحيد الذي يتعين عليه أن يفسر وطنيته للآخرين ولنفسه أحياناً، كما يتعين عليه أن يقوم بالكثير من الاستدراكات وهو يتحدث عن وطنيته.

غير أن الأردنيين استعاضوا عن ذلك بنوع خاص من مشاعر الفخر عندما يكون الزمن مناسباً للفخر بما هو قومي، لكنهم صاروا مؤخراً يقلقون أكثر، لا سيما مع نمو إحساس بالخوف على بلدهم في ضوء ما يتم تداوله عن مشاريع كبرى للمنطقة، وفي ضوء مسارات القضية الفلسطينية، وبشكل خاص مسارات السلطة الفلسطينية، إضافة إلى خطط العدو.

منذ أكثر من سنتين، بدأ القلق يتخذ اتجاهات مشتتة شاذة اجتماعياً، فقد انخرطت قطاعات كثيرة في موجات واسعة من العنف المجتمعي، وكشف المجتمع عن تصدعات في مختلف الاتجاهات، ووضع الجميع في الأوساط الشعبية والرسمية أيديهم على قلوبهم وهم يتساءلون إلى أين يتجه المجتمع الأردني؟، وهل هناك احتمال لأن ترتدع هذه المسارات الشاذة وتعود إلى الاتجاه الصحيح الذي يعني عودة الصراع الاجتماعي إلى محاوره الحقيقية؟.

قد يكون من المفيد هنا التذكير بعنصر خاص، ففي ميدان الحركات الشعبية في الأردن، تكرس نوع من "تقسيم عمل" في هذا المجال، إذ يشكل الأردنيون (الشرق أردنيون) الجمهور الأساسي للنشاط والنضال الاجتماعي، (وعلى سبيل المثال فإن المتتبع للخريطة الجغرافية للهبات الاجتماعية الكبرى منذ عام 1989 وما تلاه، سيرى بوضوح أنها تتحرك في المناطق التي يقطنها الأردنيون بكثافة، وفي العاصمة دخلت التحركات إلى الأحياء التي يسكنها أردنيون مهاجرون من مدن جنوبية مثل الطفيلة ومعان).

وفي المقابل، بقي العمل السياسي حسب التعريف الأردني (أي العمل الحزبي المتصل بالقضية الفلسطينية تحديداً) يدور بصورة أساسية في الأوساط من أصول فلسطينية.

"
شكلت الحركات الاجتماعية والمطلبية نوعاً من الاختراق التوحيدي للمجتمع، لكن ذلك لم يكن كافياً لتبديد القلق, وكان لا بد من انتظار موجة الثورات العربية الأخيرة 
"
وخلال عقود طويلة كان الإبداع الوحيد للقوى السياسية المنظمة في مواجهة تقسيم العمل ذاك، هو الفكرة المعروفة باسم "التطعيم"، أي تطعيم النشاطات ذات الأغلبية الفلسطينية بعناصر أردنية، والعكس بالعكس، ثم الاكتفاء بخلاصات شكلية فقط.

في هذه الأثناء شكلت الحركات الاجتماعية والمطلبية المشار إليها نوعاً من الاختراق التوحيدي للمجتمع، لكن ذلك لم يكن كافياً لتبديد القلق.

وكان لا بد من انتظار موجة الثورات العربية الأخيرة والمتواصلة منذ أشهر، والتي أعطت دفعاً كبيراً لتلك الاختراقات وساهمت في تنظيمها وتوجيهها، كما حصل في باقي البلدان العربية.

حركة شعبية بروح جديدة
بصعوبة عملت وتعمل الحركة الشعبية الأخيرة (منذ مطلع عام 2011) -التي حملت عنوان الإصلاح السياسي- على تحقيق الاندماج الاجتماعي بين المكونات الشعبية، وفي الواقع فإن النمط الذي اعتادت عليه القوى المنظمة في البلد يشكل بحد ذاته إحدى معضلات تطوير وتأصيل الحركات الاجتماعية.

لقد كانت أغلب الاعتصامات والمسيرات الأولى أقرب إلى "تأدية الواجب" السياسي، فهي مقررة حزبياً وتكاد وجوه المشاركين فيها تخلو من الانفعال الحقيقي بالشعار المرفوع والهتاف المنادى به، ولا تُحمل الرايات والأعلام واللافتات بجدية، وفي كثير من الحالات كانت المسيرات نابذة للجمهور، الذي في أحسن الأحوال كان يقف متفرجاً، خاصة أن المسيرات كانت تخرج من المساجد، وهو ما كان يتيح فرصة لمراقبة موقف الجمهور غير المنظم.

لكن المشهد أخذ يتغير تحت تأثير ضيق الأجيال الشابة بأنماط العمل الجماهيري السائدة، لقد شرع الشباب في البحث عن أساليب جديدة ومبدعة أخرى، وشهدت التنظيمات الحزبية والنقابية حالات تمرد داخلية وتجاوزات للتعليمات التنظيمية، وتم قيام أشكال جديدة للتنسيق.

وهو ما قاد إلى الحدث الأبرز في مجال التحركات الشعبية الأردنية الأخيرة، الذي تمثل في الاعتصام في ميدان جمال عبد الناصر (دوار الداخلية) وسط العاصمة عمان يومي 24 و25 مارس/آذار الماضي.

إنه الحدث الذي شكل انعطافة واضحة في النشاط الجماهيري، فقد أمضى المشاركون فيه ثلاثين ساعة كثيفة بالعناصر والمؤشرات. هنا الوجوه كانت منفعلة تماماً، والهتافات تتردد بحماس، والعلم الوطني يُرفع بمحبة وحرص، والنظرات المتبادلة بين المشاركين كانت تختلف كلياً عما هو معتاد في النشاطات المماثلة التقليدية.

وربما تكون هذه هي المرة الأولى التي تشهد مثل هذا التجمع الذي بدا كممثل لمجتمع حديث يتعامل أعضاؤه بصفتهم مواطنين بغض النظر عن دوائر انتمائهم، بل وظفوا فيه دوائر انتمائهم لخمة التحرك. لقد كان مشهداً استعادت فيه الوطنية الأردنية صورة مشرقة حقيقية.

"
أدرك الجميع في ميدان عبد الناصر أنهم أمام تحول جديد، ولكن الجهة التي أدركت ذلك أكثر من غيرها كانت السلطة التي فتحت عينها الأمنية على اتساعها باتجاه الظاهرة، وقررت البطش بها
"
لقد أدرك الجميع أنهم أمام تحول جديد، ولكن الجهة التي أدركت ذلك أكثر من غيرها كانت السلطة التي فتحت عينها الأمنية على اتساعها باتجاه الظاهرة، وقررت البطش بالمشهد وتحطيم أي فرصة لتطوره وإنضاجه.

لقد شُنت حملة غير مسبوقة لحرف المزاج العام في البلد، وبينما كان الشباب القادمون من المحافظات يشكلون جزءاً أساسياً من نواة التحرك عند ميدان عبد الناصر، قامت السلطة بحملة تحريض معاكسة في المحافظات خالقة جواً معادياً اتخذ مسارين، التحريض الإقليمي حيناً، والسياسي حيناً آخر. لقد تم تقديم صورة مزورة عن التحرك.

اليوم تبدو الصورة مشوشة، ومن المؤكد أن الحركة الشعبية تلقت ضربة، ولم يتسن للنموذج الجديد الوقت الكافي لإنضاج شخصيته وتقديم نفسه للمجتمع، لقد أمضى الشباب الساعات الثلاثين وهم في غاية التوتر تحت وابل الشتائم والحجارة، ثم تجلى ذلك بحملة البطش الشديدة بالمقاييس الأردنية.

في هذا الوقت، عادت القوى السياسية المنظمة إلى سابق عهدها، ووجد ألوف الشباب الذي يخوضون أول مواجهة في حياتهم أنفسهم وحيدين، لقد اعتصموا مجدداً بعد أسبوع في خطوة شجاعة لكي يقولوا فيها إنهم لم يهزموا، ولكن من المؤكد أن صراعاً قد بدأ حول الدرس الذي سيخرج به هؤلاء الشباب مما جرى. إن مصير الروح التي انطلقت من ميدان عبد الناصر يشكل الآن ميداناً للصراع.

المصدر : الجزيرة

التعليقات