عبدالعزيز الحيص

عبدالعزيز الحيص


رحيل النقيب
خلدون والربيع
تشخيص مستمر لواقع الحال العربي
خلدون الإنسان

في رواية "النورس" لريتشارد باخ، يظل النورس الصغير، بطل الرواية، متنقلاً في تحليقه من منطقة إلى أعلى، فلم يكن لديه في السماء أيّة حدود، بل هناك فقط "مشاهد جديدة.. أفكار جديدة.. أسئلة جديدة". وبعض البشر تؤمن أنهم خلقوا هكذا، كأنهم امتدادات من نور لا تتحرك إلا إلى أعلى.. لا نزال نتذكر منهم صفحة جميلة حتى يتحفونا بأخرى، أو نستعذب منهم موقفًا نابهًا حتى يكرمونا بغيره. هم قطع النجوم التي طالما احتجنا إليها في هذه الأرض المُرقّشة بالبقع المظلمة. يرحل أحدهم منسلا من هذه الأرض بهدوء.. ولا يعرف أنه يكاد يسحب معه هذه الأرض نفسها في ذيول رحيله. هكذا هم أهل الفكر والتعب من أجل الحقيقة.. يجترحون الغياب فجأة، ولا يبقى منهم هنا غير الشموع، تتلو ضوءها بلا انقطاع.

رحيل النقيب

"
كتب النقيب وأبحاثه لم تكن كتبًا عربية تقليدية. فقد كان يكتبها بروح علمية رصينة، يُلامس فيها بعمق وتحليل منهجي قضايا عربية "حيوية" و"ملحّة" في واقع الفرد العربي

"
رحل عنّا يوم الثلاثاء السادس والعشرين من أبريل/نيسان 2011، المفكر وعالم الاجتماع العربي الكويتي خلدون النقيب أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة الكويت، إثر أزمة قلبية ألمّت به. رحل الدكتور النقيب –رحمه الله- بعد أن خلّف وراءه العديد من الدراسات والكتب والبحوث والمحاضرات التي جعلته يتربع على سدّة علماء الاجتماع العرب في وقتنا الحاضر.

حاز النقيب، وهو من مواليد 1941، على شهادة الدكتوراه في علم الاجتماع من جامعة تكساس في الولايات المتحدة الأميركية عام 1976. وكان النقيب أحد مؤسسي "مجلة العلوم الاجتماعية" التي ترأس تحريرها في الثمانينيات، كما عمل أستاذًا أكاديميا في جامعة الكويت، وشغل فيها منصب رئيس قسم علم الاجتماع (1991-1992)، وعميد كلية الآداب في الجامعة (1986-1988)، وحين وفاته كان النقيب يشغل منصب رئيس مجلس إدارة "المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات". 

كتب النقيب وأبحاثه لم تكن كتبًا عربية تقليدية. فقد كان النقيب يكتبها بروح علمية رصينة، يُلامس فيها بعمق وتحليل منهجي قضايا عربية "حيوية" و"ملحّة" في واقع الفرد العربي.

كتب النقيب عن القبيلة، والديمقراطية، والدولة العربية القطرية، والهوية والعلاقة والصراع مع الآخر، كما كتب عن العولمة، وعن الحريات والحقوق في المجتمع.

وواكب في دراساته الحديث عن الوقائع السياسية المعاصرة، وكتب عن فلسطين والصهيونية، وعن الصراع العربي مع إسرائيل الذي يقول إنه "فكرة لاهوتية متخلفة وسيئة للغاية انتهى عمرها الافتراضي منذ زمن". كما كتب عن الواقع العربي السياسي، وعن أهمية الاستقلال عن الغرب المستغل.

وتعتبر كتابات خلدون النقيب عن القضايا المهمة للفرد العربي من الدراسات الجادة والمواد الفكرية الحقيقية التي لا يستغني عنها أي باحث وقارئ جاد.

وكتابات خلدون النقيب المهمّة بدأت منذ عام 1980 حين كتب "دراسات أولية في التدرج الطبقي الاجتماعي في بعض الأقطار العربية"، ثم "تساؤلات حول بعض الملامح الخاصة بالمجتمع العربي وتاريخه 1981"، "المجتمع والدولة في الخليج والجزيرة العربية 1987"، "ثورة التسعينيات: العالم العربي وحسابات نهاية القرن 1991"، "الدولة التسلطية في المشرق العربي المعاصر1991 "، "الأزمة الدستورية في العالم العربي: العلمانية والأصولية وقضية الحرية 1994"، "صراع القبيلة والديمقراطية: حالة الكويت 1996"، "في البدء كان الصراع: جدل الدين والإثنية، الأمّة والطبقة عند العرب 1997"، "آراء في فقه التخلف: العرب والغرب في عصر العولمة 2002".

خلدون والربيع
يودعنا النقيب اليوم في شهر أبريل/نيسان، شهر الربيع، ويرحل عنّا والأمّة العربية تعيش مرحلة تاريخية "ربيعية"، يعتبرها كثيرون المنعطف التاريخي الذي طالما تم انتظاره، بعد مراحل من التأزم والانسداد. كيف لا وكلمة "Arab Spring"
يتردّد صداها اليوم في العالم كله، بعد الثورتين الشعبيتين الناجحتين في مصر وتونس، اللتين قامتا بإعادة إنتاج مفهوم "الشعب" كي يكون الفاعل الرئيس والأصيل في المشهد السياسي والاجتماعي العربي.

لقد أخبر النقيب أن تطور "المجتمع الجماهيري" قد تأخر لدينا في المشرق العربي نتيجةً للاستعمار، ثم لوقوع أكثر من ثلثي بلدان العالم العربي في قبضة العسكر الذين "جاؤوا إلى الحكم ليبقوا!"، وبعد ذلك تم استيعابه في نظام العالم الاقتصادي الرأسمالي كطرف هامشي (الدولة التسلطية، ص257).

"
يرى النقيب أن الدولة التسلطية هي شكل حديث ومعاصر للدولة المستبدة، وهي ذات نظام يحتكر القوة والسلطة، وتبعا لشكلها الحديث تقوم باختراق المجتمع المدني ومؤسساته "
كما يرى أن الدولة التسلطية هي شكل حديث ومعاصر للدولة المستبدة، وهي ذات نظام يحتكر القوة والسلطة، وتبعا لشكلها الحديث تقوم باختراق المجتمع المدني ومؤسساته وتحويلها إلى امتداد متضامن مع أجهزة الدولة. إنها جهاز دولة يتغلغل في جميع ثنايا المجتمع ويعيق التنمية والحياة الإنسانية، حين تتعمم التسلطية كـ"أسلوب في الحكم، ومنهاج في الحياة، وطريقة مسيطرة في التفكير" (ص335).

ولم لا يكون ربيع العرب هو ما حضر.. أليس هذا هو الوضع الاجتماعي والسياسي الجديد الذي وفقًا لسياقه رأينا كبار قادة الشرق والغرب يصدّرون أحاديثهم بالإخبار بأنهم يهتمّون بهذا الشعب العربي ويسعون في خدمته!.. لقد تشكّل واقع سياسي واجتماعي جديد سيتعامل مع مشاكله بمنطلقات جديدة، تلك المشاكل التي شخصها وكتب عنها كثيرا خلدون النقيب في دراساته عن المجتمع العربي وعن حساباته "في نهاية القرن" المنصرم.

أليس هذا الربيع الجديد هو الوضع الشعبي الذي ينتفض ضد الاستغلال والاستبداد وثقافات القمع الأمنية التي تفسد الرتم الطبيعي و"الآمن" لحياة المجتمع العربي! أليس هذا الوضع العربي الجديد هو القوة الجديدة التي ستمكّن من الوقوف ضد آلة الاستغلال الغربية التي تزيد العالم فقرًا إلى فقره.

فكما يقول النقيب "إن الدخل الذي تخسره دول العالم الثالث بسبب إجراءات الحماية الغربية، يعادل ضعف المبالغ التي تقدم لها بشكل قروض ومساعدات"، كما ينبّه إلى أن العالم "لم يخرج من قبضة الغرب الإمبريالي إلا ما ندر، في الحالات التي ليس للغرب فيها مصلحة حيوية دائمة" (آراء في فقه التخلف، ص 324-325).

تشخيص مستمر لواقع الحال العربي
وفي الوقت الذي يدعو فيه النقيب إلى التمايز والاستقلال عن الغرب والتنبّه لطرق استغلاله التي لا تزال تطور نفسها عبر أشكال حديثة، لا يغفل أهمية أن يسلك العرب الطرق المدنية والسياسية المناسبة، كي لا يبالغوا في الانعزال وتعظيم تفرد رسالتهم عن غيرهم مما يجعلهم في حالة من الصراع المزمن والتأزم الدائم مع الآخر.

فيقول "تُصوِّر العقلية التآمرية استهداف العرب، كأمّة وجماعة دينية، على أنه صراع حياة أو موت، أي صراع من أجل البقاء. وبذلك تخلط هذه الطريقة في التفكير بين التنافس "الطبيعي" والصراع الاعتيادي بين الحضارات والجماعات الإثنية، وبين الصراع الذي يكون مجموعه صفرًا. فليس كل أنواع الصراع صراعات إبادة، حيث إن ما يكسبه خصم، هو بالضبط ما خسره الخصم الآخر" (في البدء كان الصراع!، ص 193).

لقد كتب خلدون وأجاد حين تحدث عن العلل الذاتية والظواهر الاجتماعية المُفسِدة لدى العرب، مثل عقلية "البازار" لدى العقل السياسي العربي، التي تجعل كل شيء قابلاً للتداول والبيع. وظاهرة "القبيلة السياسية" التي ينبّه النقيب إلى أنها لا تعني الحديث عن انتماءات الناس وأصولهم، ولكن تشير إلى مفهوم تقليدي متجذر يعيد إنتاج نفسه عبر أشكال حديثة من التنظيم الاجتماعي، يترابط عبر عصبية مصلحية تتلون بألوان الطبقات والطوائف، وفي المدينة أو الريف.

"
كانت كتابات خلدون تناقش العلل ولا تتحاشاها، وكانت مركّزة على الدوام، وذات طابع تجريبي وإحصائي نفتقده كثيرًا في مكتبتنا العربية
"
وعبرها أوجدت "تجمعات" تتحكم وتسيطر على المؤسسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وهذه القبليّة "المحدّثة"، مستحكمة في المنطقة بشكل كبير، وتعمل على إضعاف روح الوطنية، ولا تتردد في اللجوء إلى مسمّيات أو رموز دينية وتراثية كي تثبت جذورها في المجتمع العربي الحديث.

لقد كانت كتابات خلدون تناقش العلل ولا تتحاشاها، وكانت مركّزة على الدوام، وذات طابع تجريبي وإحصائي نفتقده كثيرًا في مكتبتنا العربية، ولكنها في الوقت نفسه لم تخل من لغة أدبية راقية تلطّف على قارئها، وتحمل إليه المعنى على غاية ما يمكن من اليسر. وقد يحدث أن يجد القارئ في بعض كتب النقيب أنها توسعت واحتوت على فصول تبدو ذات مرامٍ متنوعة، وذلك ربما يعود إلى أنها كتبت أحيانا على فترات متباعدة، ولكنها في النهاية تبقى مرتبطة بما تبناه من مشاريع فكرية ذات أُطر سياسية واجتماعية تتعلق مباشرة بالحالة العربية.

خلدون الإنسان
سعدت بالجلوس مع الدكتور النقيب مؤخرًا، وقد عرضت عليه دراسة لم أنشرها بعد، فأكرمني بإخباري أنه قرأها كاملة، وقدّم لي ملاحظاته عليها مع سماحة خُلق وطيبة روح يزرعها بعمق في قلب كل من يجالسه. ولا أنسى تعليقه المحفز حين قال لي "أحب أشوف مساحة لرأيك وتحليلك أكثر من اعتمادك على رأي الباحثين في المسائل هنا".

وأهل البحث يعرفون أنه لا يقدم مثل هذه الكلمات سوى الكبار من أصحاب الفكر الحيوي الذين يتجردون ويخرجون من الذهنية التقليدية والسيكولاتية "المدرسية" التي أضرت بالتنظير والفكر العربي طويلاً.

لقد كان خلدون، باختصار، من رواد الفكر العربي المعاصر مثل الجابري وبرهان غليون وعزمي بشارة والمسيري وفهمي جدعان وهاشم صالح وغيرهم الكثير.. من المفكرين الذين تزينت بهم الأمة العربية، وتحلّوا بدورهم بميزتين مهمتين: تَبني قضايا حقيقية ولصيقة بالواقع العربي، والكتابة عنها بمنهج وأسلوب علمي ومقروء.

ويضاف إلى ذلك أنهم استقلوا وتمايزوا عن أن يجعلوا فكرهم "الإنساني" مرسومًا لمصلحة سلطة أو أصوليات وخطوط أيدلوجية معينة، قد تعزل فكرهم وتجعله مقصورًا على قطاعات دون أخرى.

"
الربيع العربي الذي أخذت ملامحه تتبدّى جاء تتويجا شعبيا لعمل دؤوب ومستمر من قبل حقوقيين ومفكرين وتربويين وغيرهم ممن عملوا كثيرا وقت الخريف
"

ومخطئ من يظن أن هذا الربيع العربي الذي أخذت ملامحه تتبدّى قد أتى ارتجالاً وعفوية. فهو إنما يأتي تتويجا شعبيا لعمل دؤوب ومستمر من قبل حقوقيين ومفكرين وتربويين وغيرهم ممن عملوا كثيرا وقت "الخريف"، واستمروا في نضالهم وإنتاجهم، مع أن أصواتهم وكلماتهم مرت عليها الأزمان وهي لا تكاد تسمع أو ترى.. حتى أتت هذه الاستفاقة العربية القادرة على رسم عهد ديمقراطي وتحرري إن أفلح العرب في إكمال المسيرة.

لذا نسأل النقيب هنا: لم الرحيل وقت الربيع؟ ولكن هي إرادة الله التي سطّرها ابن الرومي بقوله:

ونحن بذور الدهر والدهرُ زارعٌ * * * ونحن زروع الدهر والدهر حاصدُ.

سألت أستاذي الدكتور عزمي بشارة عن صديقه الراحل خلدون النقيب، فكتب يقول: "إن اجتماع دماثة النبيل، وتسامح الواثق، وبساطة المتعمق بالشيء في شخصه هو ما يميزه كإنسان عالم، إنها ما يجعل مفكرا حرا مفككا للدولة التسلطية العربية يصر أن يبقى مدرسا يعلم الأجيال ويعتني بالشباب حتى أيامه الأخيرة".

المصدر : الجزيرة

التعليقات