عدنان المنصر

عدنان المنصر

عدنان المنصر - من مواليد 1966 - أستاذ محاضر في التاريخ المعاصر بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بسوسة، مؤرخ مختص في الفترة المعاصرة. نشر ثلاث كتب هي على التوالي - المقاومة المسلحة للاستعمار بتونس (تأليف مشترك، في جزئين) - استراتيجيا الهيمنة - دولة بورقيبة، فصول في الإيديولوجيات والممارسة له مقالات عديدة في المجلات الأكاديمية ومساهمات في ملتقيات دولية ومحلية عضو في فرق بحث عديدة بتونس وخارجها محور اهتمامه الأكاديمي دراسة المؤسسات السياسية في علاقاتها بأنماط الهيمنة وقضايا الشرعية


تعتمل الساحة التونسية اليوم بتأثيرات عديدة بعضها عائدة من الماضي. ذلك أن عملية التجديد السياسي التي يفترض أن البلاد انطلقت في مسارها بفضل الثورة لا تزال تعيش صعوبات هي في الأصل صعوبات طبيعية.

ولعل من أهم هذه الصعوبات تلك المتعلقة بطبيعة الممارسة السياسية ومضمون الأداء السياسي في هذه المرحلة الانتقالية، مرحلة ما بين سقوط النظام القديم وبناء آخر جديد.

"
طيلة حكم بن علي المخلوع، عمد النظام إلى تحقيق عملية إفراغ حقيقية للساحة, مما جعل ممارسته لا تتجاوز في الحد الأقصى إجراءات الهدف منها تمتين قواعد الاستبداد
"
طيلة حكم الرئيس المخلوع، عمد النظام إلى تحقيق عملية إفراغ حقيقية للساحة من كل العناصر التي اعتقد أنها تشكل منافسة ما في الحكم. وقد تم ذلك في الحقيقة بالتوازي مع فقدان ذلك النظام لأي مضمون سياسي حقيقي، مما جعل ممارسته لا تتجاوز في الحد الأقصى إجراءات الهدف منها تمتين قواعد الاستبداد والتغطية على الفساد المستشري في مختلف طبقات السلطة وفئات المجتمع المرتبطة بها.

أما على المستوى الاقتصادي والاجتماعي فإن التونسيين تعلموا التعود على فقدان أية أهداف يمكن تأطيرهم حولها، حيث فقد الجميع القدرة على الثقة فيما يقدمه الخطاب الحكومي مثلما انهارت منذ زمن طويل الآمال في رؤية سياسة للنظام تحقق لهم الحدود الدنيا من آمالهم في حياة كريمة وتنمية متكافئة.

كان سقوط النظام بمثل تلك السرعة وبمثل تلك الطريقة غير المتوقعة قد عرى جزءا من حقيقة البلاد: انعدام طبقة سياسية يمكن أن تمثل ضمانا للمستقبل أو تحقق حولها أوسع التفاف ممكن من جانب المجتمع. كان من أهم مميزات الثورة التونسية أنها تمت خارج الأحزاب، مما جعل هذه الأحزاب غير قادرة على متابعة النسق السريع الذي فرضته عليها الأحداث.

كما أن حالة التشرذم التي كانت تعيشها المعارضة التونسية تواصلت بطريقة بدا معها أن لا أحد يعرف سبيلا إلى اتخاذ موقف موحد من تطور الأمور وبالتالي عجزت هذه الأحزاب عن أن تقدم بديلا للسلطة المنهارة. بأقصى سرعة ممكنة، استطاع النظام القديم أن يلملم إمكاناته، وأن يفرض على البلاد حكومة انتقالية أولى ثم ثانية تحت رئاسة نفس الشخص الذي كان في ذات المنصب طيلة العشرية الأخيرة من حكم الرئيس المخلوع.

وقد استطاعت بقايا النظام المنهار أن تخترق أحزاب المعارضة، وأن تجلب إلى صفها بعض الشخصيات المعروفة بمعارضتها للنظام السابق، وأن تشركها في تحمل المسؤولية عن الوضع الجديد، أو أن توهمها بذلك.

ذلك ما يفسر الرفض الواسع الذي واجهته حكومة السيد محمد الغنوشي والتردد الذي عرفه أداؤها، ثم سقوطها في نهاية الأمر تحت ضربات أضخم مظاهرة عرفها تاريخ البلاد غداة اعتصام القصبة الثاني.

ونظرا لصعوبة إيجاد شخصية تحقق حولها الإجماع المطلوب فقد وقع الالتجاء إلى شخصية من العهد البورقيبي، وهي شخصية السيد الباجي قايد السبسي. بسرعة لا مثيل لها، تفطن الكثيرون إلى أن ما يرونه على شاشاتهم كان نسخة من الرجال الذين عرفتهم البلاد في عهد اعتقد الجميع أنه دخل النسيان الأبدي. ذكر الرجل ببورقيبة، وقدم صورة معينة للخطاب السياسي تقطع بصفة كلية مع خطاب تعلم التونسيون ألا يثقوا فيه طيلة ربع القرن المنقضي.

في نظر جانب هام من الطبقة السياسية غير الرسمية بدا الأمر حاملا لجملة من المخاطر، وهو تقييم يشترك فيه معها قسم واسع من المثقفين وكذلك من أولئك المخضرمين ممن عايشوا العهدين.

وقد زادت تلك الاحتفالات التي نظمت في مدينة المنستير يوم 6 أبريل/نيسان مسقط رأس الزعيم الحبيب بورقيبة بذكرى وفاته الحادية عشرة من هذه المخاوف. وبالفعل فقد حرص رئيس الحكومة على الانتقال إلى هذه المدينة، وحظيت الاحتفالات بتغطية إعلامية واسعة، ونظمت وسائل الإعلام ملفات ضافية عن البورقيبية، بل وعادت الأغاني التي تمجد الزعيم الراحل على أمواج الإذاعات الحكومية، وهو أمر أثار العديد من التحفظات.

والحقيقة أن ما يمكن تسميته بالحنين إلى البورقيبية له من المعاني ما قد يتجاوز تلك المخاوف والتحفظات. فمن جهة أولى يمكن القول إن مشاركة أعداد غفيرة من الشبان في تلك الاحتفالات نقلت الانطباع بأنه يمكن للبورقيبية الهرمة أن تستعيد بعض شبابها بعد انهيار النظام السابق.

لكن أولئك الشباب كانوا في الوقت نفسه يقومون بنوع من عملية استكمال تحررهم من الوزن النفسي الكبير الذي سلطه عليهم قمع النظام البائد. اتخذ ذلك القمع صورا عديدة لم يكن أقلها قسوة ذلك الذي استهدف ذاكرتهم عن طريق إفراغها من أية علامات مضيئة.

فحتى قبل ثورة التونسيين ضد نظام الرئيس المخلوع، كانت بعض الأحداث قد بينت تلك الحاجة إلى استعادة ذاكرتهم الوطنية، وهو ما حصل على سبيل المثال بمناسبة الانتشار الواسع الذي حققه الشريط الوثائقي حول الزعيم النقابي الوطني فرحات حشاد الذي أنتجته قناة الجزيرة.

كان طبيعيا إذا في خضم الثورة التونسية أن يستعيد التونسيون جزءا من ذاكرتهم المقموعة، وأن يحج جانب منهم إلى ضريح الزعيم الكبير، استذكارا لدوره الوطني في قيادة البلاد نحو التحرر، وترسيخا لمكتسبات التحديث الاجتماعي التي أنتجتها الدولة تحت إشرافه في السنوات الأولى من الاستقلال.

"
رغم خطابه الحداثي لم ينجح بورقيبة في بناء مؤسسات صلبة قادرة على تأطير المجتمع، بل إن هذه المؤسسات تحولت إلى نوع من الهياكل الصورية التي تغطي على الحكم الفردي
"
غير أن ما ينساه المحتفلون هو أن عملية استدعاء الأب المؤسس للدولة الحديثة في تونس لا يمكن أن تمر دون استذكار المأساة التي أوقع فيها البلاد بحكمه الفردي الاستبدادي.

فرغم خطابه الحداثي لم ينجح بورقيبة في بناء مؤسسات صلبة قادرة على تأطير المجتمع في غيابه، بل إن هذه المؤسسات تحولت في الغالب إلى نوع من الهياكل الصورية التي تغطي على الحكم الفردي، كل ذلك مع تقديس لرمزيته فاق ما تحققه أعتى الأنظمة الملكية أحيانا. كما أن خصوم بورقيبة من مختلف العائلات السياسية لا يمكن أن ينسوا شدة القمع الذي تعرضوا إليه طيلة سنوات حكمه، وهو قمع سقط فيه مئات القتلى، بدءا من الحركة اليوسفية منذ منتصف الخمسينيات، إلى الحركة الإسلامية في الثمانينيات، مرورا بالحركة اليسارية في الستينيات والسبعينيات.

في مواجهة أحاسيس اليتم التي عبر عنها قسم من الشارع التونسي باستعادة الرمزية البورقيبة، لا يفتأ هؤلاء يذكرون بأن استبداد نظام بن علي كان نتيجة حتمية لاستبداد الزعيم بورقيبة الذي يتهمونه بإفشال مسار التحديث السياسي في تونس.

من هذا المنطلق فإن استدعاء الرمزية البورقيبية لا يمثل موقفا حياديا تجاه كثير من القضايا التي تشق الوعي السياسي التونسي، بل يبدو نوعا من الالتزام السياسي وإن ادعى الابتعاد عن نقاط الخلاف الرئيسية اليوم.

ومن الأدلة على ذلك سعي عدة أطراف لاستثمار هذه العودة، بل وترسيخها لاستثمارها في معارك سياسية قادمة، أو بالأحرى راهنة. فقد سعى بعض رموز النظام السابق إلى استثمار رمزية الزعيم بورقيبة للعودة إلى الساحة بلباس جديد خاصة بعد أن تم حل الحزب الحاكم السابق، وبدا وكأنهم في لحظة مصالحة مع التراث السياسي العريق لهذا الحزب قبل أن يتحول إلى حزب للديكتاتورية.

في هذا الإطار نفسه وقع التركيز من طرف عناصر كانت في الماضي القريب شديدة القرب من دوائر الحزب المنحل على معطى تاريخي غير بريء من التوظيف السياسي، وهو أن التجمع الدستوري الديمقراطي ليس في نهاية الأمر إلا وريثا للحزب الدستوري الذي قاد عملية التحرر من الاستعمار الفرنسي وقام ببناء الدولة الحديثة.

في قفزة بطول ربع قرن حاولت هذه العناصر (وقد كان في مقدمتها وزيران سابقان سرت شائعات منذ حكم الرئيس المخلوع باحتمال وصولهما إلى سدة الحكم) التنكر لماضيها السياسي بالارتماء في أحضان التاريخ، واستثارة التراث البورقيبي للعودة من بابه على ساحة غير مستقرة.

بل إن الأمر ذهب حتى إلى استدعاء رمزية الزعيم عبد العزيز الثعالبي في بعض الحالات لإحداث حالة توازن مع الرمزية البورقيبية وتجاوز حالة الصد التي تجدها هذه الزعامة لدى بعض الأوساط.

والزعيم عبد العزيز الثعالبي هو أول مؤسس للحزب الحر الدستوري التونسي سنة 1920 قبل أن ينقلب عليه بورقيبة بانشقاق حصل في مؤتمر عقد في 2 مارس 1934 بمدينة قصر هلال في الساحل التونسي.

وعلى عكس الزعيم بورقيبة الذي يتهم بأنه وجه البلاد نحو الغرب، فإنه ينظر إلى الزعيم الثعالبي على أنه يرمز إلى نوع من التمسك بالهوية العربية الإسلامية لتونس، وهي رسالة واضحة المعالم وجهتها الأطراف نفسها إلى قسم واسع من الرأي العام التونسي.

وهكذا فإن هذا الصراع على الذاكرة هو من أهم مميزات المرحلة الراهنة، وهو صراع سيبقى محتدما في الفترة القادمة بالنظر إلى حساسية الإشكاليات التي يختزلها.

ففي الذاكرة صراع بين دعاة التشريق ودعاة التغريب، كما أن فيها صراعا بين أولئك الذين حكموا بالأمس وأولئك الذين يريدون الحكم غدا، وهي فوق ذلك تكتنز صراعا عريقا بين المحافظة والتقليد.

عندما تسقط مؤسسات نظام معين، فإن الصراع على الشرعية لا يمكن أن يتجاوز المعطى التاريخي، ذلك أن هذا المعطى هو ما يرسخ شرعية طرف على حساب أطراف أخرى في ظرفية انعدمت فيها كل الشرعيات المصطنعة، بما فيها مؤسسات الدولة.

وعلى عكس ما قد يبدو فإن العودة إلى الماضي إنما تترجم رغبة في الإمساك بالحاضر واحتلال المستقبل. ذلك ما يجعل البورقيبيين جزءا من المشهد الحالي، غير أنهم ليسوا الوحيدين في ساحة الصراع السياسي الحالي في تونس.

"
عندما تسقط مؤسسات نظام معين، فإن الصراع على الشرعية لا يمكن أن يتجاوز المعطى التاريخي، ذلك أن هذا المعطى هو ما يرسخ شرعية طرف على حساب أطراف أخرى 
"
مع تصاعد التنافس السياسي بين القطب العلماني والقطب الإسلامي والتخوفات التي تغطي الساحة السياسية الحالية من اكتساح الإسلاميين لمقاعد المجلس التأسيسي الذي سينتخب في يوليو/تموز2011، فإن الرمزية البورقيبية تأخذ بعدا آخر تترجم عنه الأطراف العلمانية بالتأكيد على عدم إمكانية السماح بالتراجع عن مكتسبات الحداثة التي تحققت في عهد الزعيم بورقيبة، وبخاصة في مجال حرية المرأة.

في المقابل فإنه برغم تأكيد الإسلاميين في حركة النهضة على تمسكهم بهذه المكتسبات والتزامهم بتطويرها فإنه لا يبدو أن العلمانيين يرغبون في تصديقهم. وهكذا تصبح قضية التحديث، بما هي قضية سياسية ولكن بما هي قضية تاريخية أيضا، موضع جدل لا يريد أن ينتهي. وهي لا تشمل التموقع الحالي للأطراف الحزبية المتنافسة فقط، وإنما تضيء أيضا جانبا من رؤاها التاريخية وهويتها السياسية.

في هذا السياق تستعاد بعض الرموز التاريخية وتقحم من جديد في الخطاب السياسي للتجمعيين السابقين، وهو النموذج الذي يقدمه على سبيل المثال استدعاء رمزية الشيخ عبد العزيز الثعالبي.

هذا المنطق نفسه يبرر استعادة رمزية لا تقل عنها قوة وهي رمزية الزعيم العروبي صالح بن يوسف، وهو أمر يتم خاصة من جانب الحساسية القومية في تونس.

وهكذا، فلا يبدو أن استدعاء التاريخ سيهدأ في الفترة القادمة، غير أنه سيكون مثل كل مرة استدعاء انتقائيا لأهداف انتخابية، يسعى فيها بعض السياسيين إلى الطمأنة في حين يتخذها بعض آخر منهم سلاحا للتخويف.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك