قاسم عز الدين

قاسم عز الدين


استشعر الشعب الفلسطيني آثار رياح ثورات التغيير العربية، فبدأت قواعد وكوادر فلسطينية سابقة وقوى شبابية جديدة تتباحث في إمكانية الحراك السياسي الفلسطيني وأشكال الرؤى الممكنة للتغيير.

ومن أكثر هذا الحراك والرؤى وضوحًا مذكرة "الهيئة الوطنية لحماية الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني" تحت عنوان "حول ضرورة التحرك لإحياء القيادة السياسية للشعب الفلسطيني".

لكن بين أيدينا مذكرة أخرى من فلسطينيين في أبوظبي يصفونها بأنها "محاولة يأمل أصحابها أن تفتح حوارًا وطنيًّا شاملاً يقود إلى بلورة رؤية إستراتيجية شاملة..."، ومذكرة ثالثة من "جهات في الضفة والأردن" تحت عنوان "تصوّر شعبي شبابي لصياغة عقد (وطني) فلسطيني".

"
السلطة الفلسطينية هي نظام سياسي تحت الاحتلال شبيه بباقي الأنظمة العربية، ما لم تسقطه ثورة على غرار ثورتي تونس ومصر، لا يبدو أمل للشعب الفلسطيني في الحرية والتحرر من الاحتلال
"
وهي في سياق وإطار حراك يسري بين الشباب الفلسطيني على إيقاع الثورات العربية. وقد بدأ بعض هذا الحراك في مظاهرات سلمية في الضفة الغربية بعد رحيل مبارك، لكنه أسفر عن عراضة من أجل المصالحة الوطنية بين حماس وفتح صفّق لها الجميع وعلى رأسهم حماس وفتح.

وما انفك الشباب يعدون العدّة لتحركات مقبلة لم ترتقِ بعد إلى شعار "الشعب يريد إسقاط النظام". فالمحتجّون يأخذون على السلطة الفلسطينية التقصير في مواجهة الاحتلال ولا يتهمونها بالوقوف إلى جانبه. وما زالوا يأملون إصلاحها وإعادتها إلى "ثوابت" منظمة التحرير الفلسطينية، وإجراء المصالحة الوطنية من أجل استعادة حقوق الشعب الفلسطيني. وهي آمال، على ما نظن، عرقوبية على الرغم من الحنين الشعبي الفلسطيني العارم إليها.

فالسلطة الفلسطينية نجحت في ثورتها المضادة على منظمة التحرير وباتت بقايا المنظمة أداة من أدوات السلطة إلى جانب الاحتلال، لا إلى جانب الحقوق الفلسطينية في مواجهة الاحتلال، وهي شريك الاحتلال في مصالحها الضيقة وطموحاتها الخاصة.

وفي المحصلة هي نظام سياسي تحت الاحتلال شبيه بباقي الأنظمة العربية، ما لم تسقطه ثورة على غرار ثورتي تونس ومصر، لا يبدو أمل للشعب الفلسطيني في الحرية والتحرر من الاحتلال.

في مذكرة "الهيئة الوطنية" خير تعبير عن الهمّ الفلسطيني الشعبي العارم في الحنين إلى أمجاد منظمة التحرير الفلسطينية، حين كانت المقاومة الفلسطينية مشروع ثورة، وحين كانت منظمة التحرير تقود هذا المشروع. فمشروع الثورة الفلسطينية هو الذي أنتج منظمة التحرير.

وقد قادت المنظمة مشروع الثورة بقليل من النجاح وبكثير من الفشل بحسب الظروف الصعبة والمعقدة في تلك المرحلة الفلسطينية والعربية والدولية، وعلى الأصح المرحلة الدولية العربية الفلسطينية.

فكانت منظمة التحرير تعبيرًا عن ثورة قائمة صاغت مشروعها السياسي قيادة وفصائل قادرة على ترجمة هذا المشروع بقليل أو كثير من النجاح، وحسب موازين القوى فيما بينها وحسب متغيرات الظروف السياسية الفلسطينية والعربية والدولية.

ولم تكن الثورة نتيجة لمنظمة التحرير إلاّ بمقدار ما أثّرت قيادة المنظمة وفصائلها على مسار الثورة بكثير من السلب وبقليل من الإيجاب. والثورة ولدت في مرحلة وظروف دولية وعربية وفلسطينية ثم انهزمت عسكريًّا وسياسيًّا تعبيرًا عن انتهاء مرحلة عربية فلسطينية لها ما لها وعليها ما عليها، وولادة مرحلة جديدة.

وفي انتهاء تلك المرحلة شاخت فصائل المقاومة وانتهت. وانقلبت قيادة المنظمة على مشروع الثورة وعلى ثوابت الحقوق الفلسطينية، ودخلت في سياق النظام العربي الذي سبقها في الانقلاب على مشروعه الوطني في البلدان العربية وعلى القضية الفلسطينية سواء بسواء.

وتذكر مذكرة "الهيئة الوطنية" ستًّا من أشكال انقلاب السلطة على أسس منظمة التحرير هي : 1- إلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني. 2- شل المجلس الوطني الفلسطيني وإبراز المجلس المركزي بديلاً له. 3- تدمير أجهزة ودوائر منظمة التحرير وتحويلها إلى أجهزة تحت أمرة السلطة في رام الله. 4- إقصاء جيل الثورة عن كل المؤسسات الفلسطينية من خلال سياسة "التقاعد". 5- استبدال أعضاء اللجنة التنفيذية واستخدامها لتدعيم ما تحتاجه السلطة. 6- الاعتماد شبه الكامل على الدول المانحة مصدرًا للتمويل المشروط بالقضاء على المنظمة.

والاستنتاج السياسي العقلاني من هذا العرض هو أن السلطة قضت على المنظمة عن سابق عمد وتصميم وأقامت حاجزًا بين الشعب الفلسطيني والاحتلال، وأن إعادة بناء قيادة جديدة وثوابت فلسطينية مرهون بإسقاط نظام السلطة وإزالة الحاجز بين الفلسطينيين والاحتلال.

لكن المذكرة تستنتج خلاف ذلك كأن السلطة غير موجودة وكأن منظمة التحرير نصوص تاريخية يمكن استعادتها كأن شيئًا لم يكن فتقول: "باتت الحاجة ملحّة للعمل من أجل إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، كعنوان أساسي لإعادة بناء القيادة السياسية للشعب الفلسطيني".

ويكون هذا العمل الملحّ من أجل إعادة بناء منظمة التحرير بحسب المذكرة، بالدعوة إلى لقاء وطني موسّع يناقش نهج أوسلو ويحدد الأهداف السياسية والوطنية. ثم تنبثق عنه لجنة صياغة برنامج إجماع وطني وتنبثق عنه لجنة تحضيرية تعدّ لعقد مجلس وطني منتخَب. ويعلن هذا اللقاء الوطني عن نفسه أنه "جمعية تأسيسية فلسطينية" إلى حين انعقاد المجلس الوطني.

"
لا تختلف مذكرة "فلسطينيو أبوظبي" عن منحى "الهيئة الوطنية" في العمل لإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، سوى في قلّة الطموح للانشقاق عن السلطة
"

ولا تختلف مذكرة "فلسطينيين في أبوظبي" عن منحى "الهيئة الوطنية" في العمل لإعادة بناء مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية، سوى في قلّة الطموح للانشقاق عن السلطة التي ما زالت تستخدم بقايا عظام منظمة التحرير كي تجمع حولها من بقايا الفصائل أزلامًا للسلطة، فتقول: "الشروع في حوار وطني شامل من خلال عقد مؤتمر وطني بأسرع وقت ممكن، يدعو إليه الرئيس محمود عباس بوصفه رئيس منظمة التحرير الفلسطينية، على أن يشارك فيه، بعدالة، مختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي في مختلف أماكن تواجد الشعب الفلسطيني وبصورة تتسع لمشاركة الجميع...".

ثم تعدّد هذه المذكرة جملة المعجزات التي تتوخّى أن تنتج عن حوار المؤتمر الوطني في: إجراء انتخابات المجلس الوطني، إقرار الميثاق الوطني بعد إعادة صياغته، إعلان اللجنة التنفيذية المنتخبَة من المجلس الوطني الجديد عن وقف الالتزامات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تقيّد السلطة وفقًا لاتفاق أوسلو وملحقاته...

أما المذكرة الشبابية فتنحو هي الأخرى منحى الدعوة إلى إعادة بناء منظمة التحرير في انتخاب مجلس وطني ولجنة تنفيذية وإعادة صياغة الميثاق الوطني... وتضيف إليها جملة من المطالب المحقّة.

والواقع أن منظمة التحرير الفلسطينية كانت هوية وطنية للشعب الفلسطيني يصعب محوها من الذاكرة الجمعية. لكن هذه الهوية في الذاكرة الوطنية الجمعية نسبية وليست مطلقة. فهي إنجاز كبير بالمقارنة بين فترتين امتدت الأولى عشرين سنة من عام النكبة حتى إقرار الميثاق الوطني عام 1968، حين كان الشعب الفلسطيني يفتقد إلى هيئة تمثيلية في يده.

والفترة الثانية امتدت 15 سنة من عام 68 حتى هزيمة المقاومة في بيروت عام 82 حين أصبحت الفصائل تمثّل الشعب الفلسطيني في منظمة التحرير. وهذه الفترة تحتمل الكثير من النقد في تمثيل الشعب الفلسطيني وفي أداء منظمة التحرير السياسي والعسكري على الرغم من نجاحها في تمثيل الشعب الفلسطيني مقارنة مع الفترة السابقة.

لكن إلى جانب هاتين الفترتين هناك فترة ثلاثين سنة تمتد من عام 82 إلى اليوم، قضت فيها السلطة على المنظمة وتركتها أيدي سبأ. فهي لم تعد موجودة سوى في الذاكرة العاطفية وفي جيب السلطة.

والسبب في ذلك مسار سياسي بدأ حين كانت المنظمة في عز أمجادها طيلة 15 سنة في الأردن وفي لبنان. فهي على ما تقول مذكرة "الهيئة الوطنية" رقم 2 تحت عنوان واقع منظمة التحرير الفلسطينية : "تشكلت بقرار عربي، ولكن عنصر النجاح الأساسي لهدفها، هو أن تتناغم مع القرار السياسي العربي بآليات فلسطينية داخلية".

وهي تناغمت بالفعل مع القرار السياسي العربي بآليات فلسطينية داخلية ولم تحاول أن تتجاوزه أو تنشق عنه لا في الأردن ولا في لبنان، ثم تناغمت معه في ثورته المضادة إثر حرب 73.

ففي عز أمجاد منظمة التحرير لم تطور المنظمة إستراتيجية سياسية في تمثيل الشعب الفلسطيني، وظل التمثيل محاصّة بين الفصائل والأعيان الذين يستخدمهم رئيس المنظمة في توازنات فتح مع الفصائل.

وقد مثّلت المنظمة الهوية الوطنية للشعب الفلسطيني لكنها لم تولِ أي أهمية لتمثيلهم السياسي والاجتماعي في المخيمات. بل على العكس حرصت على شراء ولائهم بالمال وتوزيع الوظائف وحرصت على استمرار بؤس المخيمات "كي لا ينسوا فلسطين".

ولم تطور إستراتيجية سياسية في الأراضي المحتلة وفي بلاد الانتشار الفلسطيني والعربي في أرض الله الواسعة حيث الدعم الصهيوني لإسرائيل وحيث التأثير في حق العودة.

وبقيت المنظمة مثل باقي السلطات العربية تمثّل الشعب في هوية وطنية فضفاضة لكنها تخشى على نفسها من حريته وتحرره أكثر من خشية التخلي عن الحقوق الوطنية والحقوق الأخرى إذا حفظت بقاءها في السلطة.

كما تناغمت المنظمة مع النظام العربي في القتال العسكري خبط عشواء وفوضى السلاح لاستعراض النفوذ والمكانة. ففي عز أمجاد الكفاح المسلّح لم تطور المنظمة إستراتيجية قتالية جدية كما فعلت معظم حركات التحرر أو كما فعل حزب الله وريث المقاومة في لبنان في أحلك ظروف الغزو والهزيمة. أو كما فعلت حركة حماس في صد العدوان الأخير على غزة.

فقد قاومت دون إستراتيجية سياسية وعسكرية وفاوضت في أوسلو كما فاوض السادات في كامب ديفد حيث كان الإسرائيلي يفاوض نفسه. واستثمرت الانتفاضة الفلسطينية للمساومة مع الاحتلال في إنشاء سلطة تحت إمرته كما استثمر السادات انتصار حرب أكتوبر للقيام بثورة مضادة على ثوابت مصر.

والحال أن منظمة التحرير لم تتناغم وحدها مع النظام العربي في قتاله ومفاوضاته، فقد تناغمت أيضا المعارضة الفلسطينية مع المعارضة العربية في رؤاها وتصوراتها السياسية ولا تزال.

فطوال أربعين سنة انهمكت التيارات السياسية والثقافية العربية في الدعوة إلى إصلاح الأنظمة والعودة إلى الثوابت الوطنية وطالبت بالحقوق الاجتماعية والسياسية والحريات... وقد أثقلت رأسها ورؤوس الناس بتحليلات وتصورات "عقلانية" حتى وجدت نفسها على حين غرّة تجر أذيالها وراء ثورات "الشعب يريد إسقاط النظام" ولم تلتقط أنفاسها بعد.

"
الحراك الفلسطيني تعبير عن استفاقة من هول هزيمة عسكرية وسياسية امتدت ثلاثين سنة, ومن الطبيعي أن تسعى الكوادر الفلسطينية للعمل على ولادة قيادة فلسطينية جديدة
"
وفي المذكرات الفلسطينية الثلاث نجد حالة التيارات السياسية والثقافية العربية نفسها قبل اندلاع الثورات. منها من يتوهم أن تصلح السلطة نفسها وتعود إلى رشدها في مقاومة "العدو الوطني". ومنها مذكرة "الهيئة الوطنية" التي تتخيل إمكانية تشكيل "مجلس تأسيسي فلسطيني" والعودة إلى الثوابت الفلسطينية في قيادة الشعب الفلسطيني دون إسقاط نظام السلطة الفلسطينية وإزالة الحاجز السياسي بين الفلسطينيين والاحتلال.

الحراك الاحتجاجي الفلسطيني تعبير عن استفاقة من هول هزيمة عسكرية وسياسية امتدت ثلاثين سنة. ومن الطبيعي أن تسعى الكوادر السابقة والتجمعات الشبابية إلى تشكيل تيارات سياسية وثقافية وأن تفكر وتتباحث وتتحاور في الثوابت الفلسطينية وفي العمل لولادة قيادة فلسطينية جديدة تمثّل الشعب الفلسطيني.

فالثورات العربية وتداعياتها تدفع الفلسطينيين لمواكبتها نحو إعادة البناء الفلسطيني والعربي المشترك. لكن الثورات العربية تعلّم من يريد أن يتعلّم من التيارات السياسية والثقافية، أن المراهنة على إصلاح السلطة عبثية. وأن ورشة العمل لإعادة البناء ممكنة، لكن بعد إسقاط النظام.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك