عبد الحسين شعبان

عبد الحسين شعبان

كاتب ومفكر عراقي


على نحو مفاجئ كتب القاضي ريتشارد غولدستون مقالة في صحيفة واشنطن بوست عن تقرير كانت البعثة الأممية لتقصّي الحقائق بشأن الحرب على غزة قد أصدرته عام 2009، وهو التقرير الذي عُرف باسم تقرير غولدستون.

"
وصف بيريز تقرير غولدستون, بأنه "فعلٌ مخزٍ" وهو ما يذكّر بوصف غولدا مائير القرار 3379 الذي يعتبر الصهيونية عنصرية، بأنه "مثير للاشمئزاز"
"
وكان شمعون بيريز الرئيس الحالي لدولة إسرائيل قد وصف التقرير بالقول إنه "فعلٌ مخزٍ" وهو ما يذكّر بوصف غولدا مائير القرار 3379 الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1975: بأنه "مثير للاشمئزاز" وذلك لدمغه الصهيونية بالعنصرية، واعتبارها شكلاً من أشكال العنصرية والتمييز العنصري.

وإذا كانت "إسرائيل" قد أعلنت يوم أصبح هيرتسوغ رئيس دولتها عام 1985، وهو الذي كان حين صدور القرار ممثلاً لها في الأمم المتحدة، أنه لن يمرّ عام 1990 (نهاية رئاسته) إلا ويكون القرار 3379 قد أعدم، وهو ما عمل من أجله وسعى إليه بتعبئة "حملة دولية" لصالح إلغاء القرار، الذي تم إلغاؤه بالفعل في 16 ديسمبر/كانون الأول عام 1991، بعد اختلال ميزان القوى الدولي بتفكك الكتلة الاشتراكية وانحلال الاتحاد السوفياتي، وإعادة علاقات "إسرائيل" مع ثلاثين دولة أفريقية كانت قد قطعت علاقاتها الدبلوماسية معها بعد عدوانها عام 1967 على البلدان العربية وبعد حرب عام 1973، فضلاً عن تصدّع الصف العربي باحتلال العراق للكويت عام 1990، الأمر الذي سهّل إلغاء القرار في سابقة دولية خطيرة لم تشهدها الدبلوماسية الأممية في تاريخها المعاصر.

أسوق هذه المقدمة على الرغم من علمي بأن "إسرائيل" لا تكترث كثيرًا بقرارات الأمم المتحدة أو هيئات حقوق الإنسان، حيث كانت قد قابلت تقرير غولدستون بخصوص انتهاكاتها للقانون الدولي الإنساني وارتكابها جرائم تقترب من جرائم الحرب، بازدراء شديد، فلماذا تثير كل هذا الاهتمام اليوم بتغيير غولدستون لبعض أقواله، بل اعتبرت ذلك انتصارًا لها يستحق الاحتفاء به؟

لعل السبب الأول يكمن في نجاح خطتها في التضليل وفي استيعاب الضربة التي تم توجيهها لها، بشن هجوم مضاد، وبتكليف مكاتب محاماة دولية ولجان اختصاص وترتيب معها، لاسيما عندما استجابت لإجراء تحقيقات طبقًا للفقرة 78 من تقرير الخبراء، ولعل الهدف من ذلك هو الظهور بمظهر الواثق من سياساته والذي يستجيب للمجتمع الدولي ومطالباته بشأن إجراء تحقيقات بخصوص الانتهاكات.

وقد حاول غولدستون في مقالته المذكورة المساهمة في هذا التضليل بالزيغان عن حقائق تؤدي إلى إدانة "إسرائيل" عندما أخفى خلاصة التقرير الذي أعدته اللجنة الدولية للخبراء المستقلين برئاسة القاضي ماري ماك دافيس الذي صدر قبل 18 مارس/آذار 2011، وهو التقرير الختامي للجنة الخاصة التي كلفتها الأمم المتحدة لمتابعة تطبيق التوصيات الواردة في تقرير غولدستون.

وقد جاء في تقرير هذه اللجنة الذي حجبه غولدستون(الفقرة 79): تعيد اللجنة التأكيد على الخلاصة التي أتت في تقريرها السابق بأن لا يوجد مؤشر على أن "إسرائيل" قد فتحت تحقيقات في تصرّفات هؤلاء الذين صمموا وخططوا وأمروا وأشرفوا على عملية الرصاص المسكوب.

ولعل هذا دليل جديد يقتفي أثر الاستنتاجات التي تقدّمت بها اللجنة التي رأسها غولدستون وقدّمت تقريرها في سبتمبر/أيلول عام 2009 والتي وجهت اتهامات إلى "إسرائيل" بخصوص ارتكاب جرائم ترتقي إلى جرائم حرب، وهو ما يرتّب مسؤوليات قانونية قد تمتد إلى احتمال المطالبة مجددا بمحاكمة مجرمي الحرب، كما أن مصدر قلق إسرائيل ينجم أيضا عن احتمال تقدم المدعي العام أوكامبو تحت ضغط الرأي العام لاستدعاء بعض المسؤولين الإسرائيليين، العسكريين والمدنيين للتحقيق معهم بشأن الارتكابات الخطيرة تلك.

وهذه الخطوة يمكن أن يتّخذها مجلس الأمن، على الرغم من الصعوبات الكبيرة والعقبات الجسيمة التي تعترض طريقها بسبب انحياز الولايات المتحدة الكامل إلى جانب "إسرائيل" وحجبها أي قرار بهذا الخصوص، ولاسيما عبر إمكانية استخدام حق النقض (الفيتو).

"
أوهم غولدستون بعد تراجعه الرأي العام بأن "إسرائيل" قامت بتحقيقات، لكنه لم يذكر أنها شكلية كما يعرف، ومع بعض الجنود الذين نفذوا الأوامر وليس مع القادة
"
لقد أوهم غولدستون بعد تراجعه الرأي العام بأن "إسرائيل" قامت بتحقيقات، لكنه لم يذكر أنها شكلية كما يعرف، ومع بعض الجنود الذين نفذوا الأوامر وليس مع القادة الذين أصدروا هذه الأوامر، وهو أمر تغافل عنه عن عمد، في حين أن اللجنة الدولية للخبراء أشارت إلى عدم الشفافية الإسرائيلية في التحقيقات، وأن الأحكام كانت مخفضة جدا ومعظمها أتت مع وقف التنفيذ.

والسبب الثاني هو مغالطة غولدستون لنفسه حين اعتبر حادثة قتل عائلة "السموني" -لتي راح ضحيتها 29 شخصا (من عائلة واحدة) وجُرح 19 آخرون- قصفًا طريق الخطأ لمنزل بسبب صورة التقطت بواسطة طائرة دون طيار من أحد القادة الإسرائيليين.

ولعل استنتاج غولدستون مثيرًا للغرابة والحيرة، فكيف توصّل إلى ذلك، ثم ما هي المعطيات التي جعلته يبني استنتاجاته على معلومات "إسرائيلية" وهي غير محايدة؟ ولعل تقرير الخبراء كان أكثر مهنية حين أشار إلى "أن لا معلومات لديه حول القضية التي ما زالت التحقيقات فيها جارية"، وهو الأمر الذي يدعونا إلى القول إن محاولة "تبرير" مقتل عائلة السموني تشويه للحقائق وتزوير للوقائع، وهو يتعارض مع أقوال متضاربة لبعض من تم التحقيق معهم من الجنود الإسرائيليين، وهو ما تطرق إليه تقرير منظمة مراقبة حقوق الإنسان (هيومن رايتس ووتش) تحت عنوان "عين الخطأ" في إشارة إلى مقتل المدنيين الفلسطينيين، خصوصا في ظل الآلة العسكرية التكنولوجية الإسرائيلية المتقدمة.

ولعل في إفادة الشهود وفي العديد من التقارير ما يفضح تراجع غولدستون، الذي كان لتقريره عام 2009 صدقية كبيرة وكان وقعه مؤثرًا على حركة حقوق الإنسان، لاسيما وهو شخصية مرموقة، حيث عمل في المحكمة الدستورية في جنوب أفريقيا وترأس الادعاء العام في المحاكم الجنائية الدولية في يوغسلافيا ورواندا، ولهذا فإن مقالته الصحفية تضع أكثر من علامة استفهام لا حوله فحسب، بل حول صدقية أحكامه السابقة، ناهيكم عن أنها تثير شكوكًا حول الثقة بالمحاكم الدولية.

ينفي غولدستون في مقالته ما كان قد أكّده تقريره عن القتل العمد من جانب "إسرائيل" للسكان المدنيين، وهو ما أكدته تقارير اللجنة الدولية للخبراء، وهو الأمر الذي كانت "إسرائيل" تبرره إمّا بالدفاع عن النفس أو الاحتماء بالمدنيين أو عن طريق الخطأ، خصوصًا وهي تضعه في إطار "سياسات الردع" التي هي عقيدة عسكرية إسرائيلية حيث تستعمل سياسة الأرض المحروقة، أي استخدام القوة المفرطة بما لا يتناسب مع الاستخدام من الجانب الآخر، وبما يؤدي إلى إلحاق أضرار بالغة بالأرواح والممتلكات، حيث تعتبر "إسرائيل" أن كل هدف فلسطيني هو هدف حربي، والمفاجأة أن يأتي غولدستون بعد كل ما حصل ليقول لنا "عدم وجود نيّة متعمّدة" لدى "إسرائيل" في محاولة لتبرئتها.

وتقرير مقرر حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية ريتشارد فولك وكذلك التقارير الخاصة بقصف مقرات الأمم المتحدة والأونروا، كلها أجمعت على الفعل العمد من قبل "إسرائيل" وعدم احترام قواعد القانون الدولي الإنساني.

ليس من مهمة هذه المقالة تفنيد المزاعم الإسرائيلية بشأن الحرب المفتوحة على غزة بعد حصار شامل قارب نحو أربع سنوات، لكن الأمر الذي نود لفت النظر إليه هو أن الضغط على غولدستون لتغيير موقفه وبعض أقواله، إنما هو بداية لحملة صهيونية قانونية ودبلوماسية وإعلامية عالمية، تذكّر بالحملة التي شنّت على القرار 3379 وعلى كورت فالدهايم الأمين العام الأسبق للأمم المتحدة في حينها، ولعل إسرائيل تستهدف من ذلك مسألتين أساسيتين:

"
إسرائيل لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء "تقرير غولدستون" الذي نام العرب ليستيقظوا على انتصار سهل لم يفعلوا شيئًا من أجله, بل اختلفوا حول تبديده
"
الأولى –الظهور بمظهر الضحية، المهددة لا بإطلاق صواريخ بدائية الصنع ضدها ردًّا على حربها المدمّرة ضد غزة، بل الافتراء عليها أيضا واتهامها بانتهاك القانون الدولي الإنساني.

الثانية -الظهور بمظهر أخلاقي، لاسيما مباشرتها إجراء تحقيقات بهدف مساءلة جنودها حول ارتكابات مزعومة أو محدودة، لكنها لا ترتقي إلى انتهاك قواعد القانون الدولي الإنساني، لاسيما اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 وملحقيها لعام 1977، على الرغم من تحفظات "إسرائيل" عليها.

ولعل سبب هيجان "إسرائيل" هو الموقف الذي اتّخذه مجلس حقوق الإنسان الدولي بجنيف في 19 مارس/آذار 2011 القاضي بالمصادقة على مشروع قرار يقضي بإصدار تعليمات إلى المحكمة الجنائية باستخدام تقرير غولدستون من أجل محاكمة جنود وسياسيين "إسرائيليين" شاركوا في عملية الرصاص المسكوب.

وحسب تقديري فإن "إسرائيل" لن تقف مكتوفة الأيدي إزاء "تقرير غولدستون" الذي نام العرب ليستيقظوا على انتصار سهل لم يفعلوا شيئًا من أجله، لكنهم لم يبذلوا جهدًا للحفاظ عليه، بل اختلفوا حول طريقة تبديده سواءً بتأجيل التصويت عليه أو إهماله لاحقًا.

ولعل خطوة غولدستون لتغيير بعض آرائه هي أول الغيث، كما أنها لن تترك تقرير دايفس دون سعي حثيث لإلغائه أيضا وإبطال مفعوله فأين العرب والفلسطينيون من غولدستون وما بعده؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك