أحمد محمدن

أحمد محمدن


المفاعلات النووية والقنبلة النووية
النفايات النووية ومصادرها
تصنيف النفايات النووية
خيارات التعامل مع النفايات النووية
معالجة النفايات الثقيلة
خيارات التخزين
خلاصة

ازدهرت الأبحاث النووية قبيل الحرب العالمية الثانية وأدت قنبلة هيروشيما وناغازاكي إلى توسع سريع في هذه الأبحاث وما فتئت الحرب الباردة تغذيه حتى سقوط الاتحاد السوفياتي.

كان الهدف تكديس وتطوير السلاح النووي الفتاك ردعا للعدو وتأمينا للنفوذ من بين أهداف أخرى لا تخفى على القارئ الكريم.

وبموازاة هذا التسلح، انتشرت مفاعلات توليد الطاقة الكهربائية وتناثرت على خريطة الدول المتقدمة موفرة لها الدفء والطاقة الرخيصة.

ولأن أعمار هذه المحطات (رخص نشاطها) تتراوح بين 40 و60 سنة، فإن كثيرا من المفاعلات النووية إما أن يكون قد توقف عن العمل وفكك وإما أن يكون في طريقه إلى التفكيك. وهكذا، خلفت الأنشطة النووية مدنية وعسكرية عبئا ثقيلا (من النفايات) على الحرث والنسل لمّا يوجد له حل مطمئن حتى الآن.

وقبل الحديث عن تخزين ومعالجة النفايات النووية, لا بد من الحديث عن مدى الهلاك والدمار الذي يمكن أن تسببه هذه النفايات من أجل استيعاب أهمية تخزينها ومعالجتها بطريقة تمنع ضررها عن هذا الكوكب الذي نعيش عليه.

المفاعلات النووية والقنبلة النووية
كنا قد بينا في مقال سابق مكونات المفاعل النووي وبينا أن فشل نظام التبريد أو التحكم يؤدي إلى تحرير غاز الهيدروجين الذي لايفتأ يزداد حجما وضغطا حتى تنفجر الكبسولة ويشتعل هذا الغاز بمجرد ملامسة الأكسجين.

إن الانفجارات التي تسببت في كوارث مفاعلات نووية، على خطورتها، كانت غالبا من هذا النوع ولم يحصل فيها انفجار نووي. وذلك أن مستوى التخصيب للوقود النووي حوالي 5% فقط، وهو أخف بكثير من أقل مجزئ للانفجار.

"
الانفجارات التي تسببت في كوارث مفاعلات نووية، كانت غالبا بسبب فشل نظام التبريد, ولم يحصل فيها انفجار نووي

"
فإذا عرفت حجم الأخطار التي تهدد العالم من سوء تسيير الوقود النووي قبل استعماله وبعده، مع أن نسبة تخصيبه قليلة، فما بالك بما يمكن أن يسببه السلاح النووي؟

ولنأخذ القنلة النووية مثالا. فهذه جسم انسيابي يحتوي في حوصلته على وزن من اليورانيوم 235 مخصبا بنسبة لا تقل عن 90% (عادة تكون 95%) وفي مؤخرته، ذرات قليلة من نفس اليورانيوم موصولة بمولد شرارة (مادة متفجرة مثل TNT) بمثابة زناد البندقية. عند إلقاء القنبلة تتولد شرارة تنشط ذرات اليورانيوم المجاورة لها فتنطلق من هذه الذرات نونترنات تصيب الحوصلة فيقع الانفجار النووي!

النفايات النووية ومصادرها
نقصد بها ما يبقى من كل مادة نووية مشعة بعد أداء الغرض الذي أعدت له أو انتهاء الأجل (الصلاحية) المحدد لاستعمالها.

وتأتي هذه النفايات من ثلاثة مصادر أساسية: الاستعمالات والأبحاث الطبية والمدنية والعسكرية. فالنفايات الطبية هي التي تنتج من استعمال الأشعة في التشخيص والعلاج. أما الاستعمال المدني فيكاد ينحصر في إنتاج الطاقة الكهربائية، ولا يتعداها إلا إلى الجامعات ومراكز البحث الناشطة في هذا الميدان. أما الاستعمالات العسكرية (يسمونها أحيانا أبحاث الدفاع) فهي أكثر المصادر وأخطرها نفايات.

تصنيف النفايات النووية
ويتحكم عاملان في تصنيف النفايات وهما غزارة الإشعاع ونصف العمر. وجدير بالذكر أن نصف العمر يتراوح بين جزء صغير من الثانية وبلايين السنين.

فكلما زادت كمية الإشعاع وطال نصف العمر، كلما كانت المادة أشد خطورة وأكثر تدميرا للإنسان والبيئة. ويمكن تسمية هذا الصنف النفايات الثقيلة وبالمقابل، فالإشعاعات الخفيفة ذات العمر القصير تعد قليلة الضرر.

وبين هذه وتلك نفايات متوسطة إما لنصف عمرها أو لإشعاعها. فلنتناول الآن كل صنف بشيء من التفصيل والتبسيط.

النفايات الخفيفة: ومثالها نفايات المستشفيات والمختبرات كملابس الفنيين المباشرين للأنشطة الإشعاعية وأدواتهم وما إلى ذلك مما يحوي كميات بسيطة من المواد المشعة ذات العمر القصير.

وهذا النوع من النفايات قليل الضرر، ويمكن التعامل معه دون أقنعة واقية من الإشعاع ولا يسبب إصابات ولكن لابد من التخلص منه بطريقة سليمة. وعادة ما يدفن في الموقع الذي أنتجه لفترة كافية لانتهاء النشاط الإشعاعي.

ويمكن تخفيف حجم هذه النفايات قبل دفنها وذلك بالتكديس تحت الضغط أو الحرق الموجه الذي يتخلص من المواد العضوية دون العناصر المشعة. وهذا النوع من النفايات يمثل حوالي 90% من مجموع النفايات النووية حجما ولكنه لا يتجاوز 1% إشعاعا.

النفايات المتوسطة: وهي أكثر إشعاعا وأطول عمرا من النفايات الخفيفة ومن أمثلتها قطع المفاعلات وأنابيب مياه لب المفاعل والمواد التي تتلوث جراء التعرض المباشر لإشعاعات هائلة مثل ما يحصل عند تفكيك المفاعلات أو صيانتها.

ولا بد من اتخاذ إجراءات سلامة جادة لحماية من يتعاملون مع هذه الإشعاعات كالملابس والأقنعة الواقية. وإجمالا تمثل هذه الفئة 7% من حجم النفايات النووية في العالم وإن كانت لا تساهم إلا بـ4% من إشعاعاتها. وهذه تُكفّن في خرسانة إسمنت مسلح قبل دفنها من أجل منع تسرب الإشعاع.

"
النفايات الثقيلة هي الغزيرة الإشعاع الطويلة العمر, ورغم أن حجمها الإجمالي لا يتجاوز 3% من نفايات العالم، فإنها تحتوي على 95% من التلوث الإشعاعي
"

النفايات الثقيلة: وهي النفايات الغزيرة الإشعاع الطويلة العمر، ورغم أن حجمها الإجمالي لا يتجاوز 3% من نفايات العالم، فإنها تحتوي على 95% من التلوث الإشعاعي. ومن هنا يتطلب التعامل معها مزيدا من الحيطة والحذر.

وهذه النفايات تشمل الوقود النووي المستعمل ونواتج الانشطار الثانوية وكثيرا من العناصر الثقيلة ذات الأعمار الطويلة. وبسبب طبيعة النشاط النووي لهذه المواد، فإن كمية من الحرارة لا تنفك تنبعث منها جاعلة من التبريد ضرورة أثناء التعامل معها.

وكما يستخدم الإسمنت كفنا للنفايات المتوسطة، تكبس النفايات الثقيلة في الزجاج (البوليسيليكات أو البيركس) منعا للتسرب قبل دفنها أو نقلها. ولا بد كذلك من تعبئتها في حاويات خاصة تمنع التسرب وتقاوم كل شكل من أشكال التصدع أثناء النقل.

خيارات التعامل مع النفايات النووية
ونقتصر هنا على مناقشة النفايات المتوسطة والثقيلة لأن الخفيفة يمكن التخلص من شرها بمجرد دفنها سنوات قليلة وهي أصلا قليلة الضرر كما أسلفنا.

هناك ثلاث إستراتيجيات تقليدية للتعامل:

1- التركيز والاحتواء: ومثاله التكفين والدفن الذي قدمنا.

2- التخفيف والتشتيت: وهو عكس التركيز والاحتواء. ويقوم على تخفيف تركيز المادة المشعة حتى ينخفض إلى مستوى مقبول في البيئة، وعندها يُشتت ليدخل الهواء الجوي. وهذا الخيار قد يناسب الإشعاعات المنخفضة أو القريبة من المستويات البيئية.

3- التخزين والتحلل: وذلك بحفظ المادة المشعة بعيدا في مكان آمن ومعزول وانتظار أن تتحلل وتتحول إلى عناصر مستقرة.

والواقع أنه يندر الاقتصار على إستراتيجية واحدة وإنما يشيع الجمع بينها جميعا بحسب الكم ومستوى الإشعاع وعمره. فما من نفايات نووية نصف عمرها يزيد على عام إلا تخضع لشيء من المعالجة قبل التخزين.

معالجة النفايات الثقيلة
ويمكن تقسيمها إلى نوعين:
1- التَّصناع: ونقصد به انتشال ما يمكن من الوقود النووي وتخصيبه أو تركيزه من أجل إعادة استخدامه وكذلك استخلاص المواد الأخرى التي يمكن الاستفادة منها وإعادة استخدامها في الصناعات النووية.

2- التحويل: ونعني به تحويل النفايات المتبقية بعد التصناع إلى مواد أقصر عمرا أو أخف إشعاعا أو أقل ضررا على البيئة.

ولكن رغم هذه الجهود يبقى جزء ولو يسير في حالته الأولى لم يستجب للتصناع وأعجز مهندسي التحويل وينضاف إليه كثير من نواتج التحويل فتحصل من كل ذلك أطنان من النفايات الخبيثة التي لا يملك الإنسان وسيلة لاتقاء شرها إلا بتخزينها بعيدا عنه وعن بيئته التي يعيش فيها.

ولأن أعمار هذه الإشعاعات تصل ملايين السنين فلا بد من دراسة خيارات التخزين وسلامته بشكل دقيق. على أن الإنسان مهما بذل من جهد لن يستطيع حساب كوارث المستقبل القريب وتفاديها فكيف بالأزمنة الجيولوجية! وحسبك أن الزلازل لا يمكن التنبؤ بها على نحو دقيق.

خيارات التخزين

"
عند تخزين النفايات يجب أن تكون معزولة عزلا تاما عن المياه الجوفية والتربة حتى لا تتسرب إلى السلاسل الغذائية والنظم البيئية
"
لأن الإشعاع يتناقص مع الزمن بعلاقة أسية، فإن كمية الإشعاع المفقودة في السنوات العشر الأولى لا يفقد مثلها إلا في المائة عام التالية وهكذا. لذلك فإن النفايات الثقيلة تخزن في موقع إنتاجها بين 10 سنوات و50 سنة قبل نقلها إلى محطات المعالجة.

ثم ما استعصى على المعالجة يهيأ لتخزين أبدي فيكبس في الزجاج ثم في الإسمنت ثم في أسطوانات شبيهة بقنينات غاز الطبخ المنزلي من حيث الشكل ولكنها أكثر تحملا للضغط والحرارة وأشد مقاومة للصدأ، بحيث لا تستطيع قوة بشرية أو صناعية معروفة أن تكسر هذه الأسطوانات، أو هكذا يراد لها على الأقل. وأخيرا، تطلى هذه الأسطوانات بخزف مانع من تسرب الماء إليها.

ثم يلزم أن يكون التخزين في مكان آمن من الزلازل والبراكين وما شابهها من الظواهر الجيوفيزيائية التي تؤثر على تضاريس الأرض.

ولابد كذلك أن يكون بمنأى عن أيدي الإنسان التي لا تفتأ تفسد في الأرض. ويتحتم أن تكون هذه النفايات معزولة عزلا تاما عن المياه الجوفية والتربة حتى لا تتسرب إلى السلاسل الغذائية والنظم البيئية. ولا تنس أن كل هذه الشروط يجب توفرها على امتداد أزمان جيولوجية من ملايين السنوات!! أين المفر إذن؟

يبدو أن الفضاء الخارجي خيار مناسب لبعده عن الأرض ثم إن الإشعاعات ليست غريبة عليه ولن تشكل خطرا على رواد الفضاء (ولا سواحه) لأنهم يلبسون بذلات واقية من الإشعاع الكوني.

ولكن هل تثبت هذه الإشعاعات في مكان معين أم تترك عائمة في مدار فضائي؟ التثبيت يحتاج إنشاء محطة مع ما يكلف ذلك من جهد ومال ولو تركت عائمة فقد تعود إلى الأرض ولو بعد حين، وستكون شرّ غائب ينتظر بعد الدجال.

وقبل هذه الخيارات، كيف السبيل إلى نقلها أصلا؟؟ تكلفة باهظة جدا وخطر كبير. ماذا لو حدث خلل أثناء الإقلاع أو قبل خروج المركبة من مجال جاذبية الأرض؟؟

هذه بعض موانع اللجوء إلى الفضاء الخارجي لتخزين النفايات النووية. وربما وجد من يقول بإمكانيته ولكن ذلك لن يتأتى حتى يكون السبيل إلى الفضاء سالكا فيعرفه الناس كما يعرفون مناكب الأرض.

"
تعد الصخور تحت قيعان البحار أكثر ثباتا واستقرارا وأقل تعرضا للزلازل, لذا فهي مناسبة غير أن تكلفتها عالية وهذا ما يمنع من الإقدام على مثل هذه المغامرة
"
وتعد الصخور تحت قيعان البحار أكثر ثباتا واستقرارا وأقل تعرضا للزلازل كما أن المياه فيها نادرة وهو ما يقلل احتمال التسرب الإشعاعي إلى المياه الجوفية. ولكن الحفر تحت قيعان البحار ربما لا يقل تكلفة عن خيار الفضاء الخارجي وهذا ما يمنع من الإقدام على مثل هذه المغامرة.

لم يبق إذن إلا البحث عن مناطق مستقرة جيولوجيا ومعزولة عن الأنظمة البيئية. وهنا يتداخل العلمي بالسياسي فتسمع عن دفن نفايات نووية لدول الشمال في مناطق "مناسبة" في دول الجنوب ضمن صفقات مريبة ومشبوهة. ولكن لا يخفى ما تقدمه هذه الصفقات من حلول لأصحاب النفايات وخاصة أن القوانين تتجه أكثر فأكثر إلى حماية البيئة والتشديد على النشاطات الضارة بالحشرات وما تحتها من الكائنات فكيف بالبشر.

ففي أميركا مدفن وحيد مخصص لهذا الغرض في جبال يوكا (ولاية نيفادا) عمقه يقارب 300 متر ولا تصل إليه مياه الأمطار ولا المياه الجوفية. وقد اختير هذا الموقع لثباته الجيولوجي.

وهو غير بعيد كذلك من مواقع تجريب التفجيرات النووية. وفي دول أخرى تستخدم بعض المناجم المهجورة مخبأ لهذه النفايات. وتمول مشاريع التخزين من أسعار الكهرباء بواقع 0.1 سنت لكل kWh في أميركا وبزيادة طفيفة في أوروبا.

خلاصة
وخلاصة، فإن أخف النفايات النووية هي الناتجة عن أكثر الأنشطة نفعا للإنسان وهي التطبيقات الطبية. وأسوأها وأكثرها ضررا على البيئة والكائنات الحية هي النفايات العسكرية وهي التي يمكن القول –في عالم مثالي- أن لا ضرورة لها أصلا.

وأما نفايات الطاقة فمنها الخفيف والثقيل ونفعها أكبر من ضرها فهي نقية بالمقارنة مع ما تنتجه محطات الفحم الحجري والغاز من ثاني أكسيد الكربون ثم إنها أرخص بكثير.

وقد آن لهذه الطاقة أن تتاح للعالم الثالث ليكون من العدل تقاسم مدافنها، لا أن يستأثر القوي بالدفء والنور والحركة ويتخذ من أرض جاره الضعيف مرمى للنفايات.

المصدر : الجزيرة

التعليقات