نبيل السهلي

نبيل السهلي

كاتب وصحفي مستقل

 


الاقتصاد السياسي ومؤشرات البؤس
الثورات وعقدة الارتهان للخارج
الثورات العربية ستعيد رأس المال المهاجر

تمحورت الشعارات الرئيسية للثورات العربية حول مطلب أساسي يتمثل بضرورة التغيير وصولاً إلى انتشار الديمقراطية بمفهومها الواسع، حيث يؤسس المفهوم المذكور لمبدأ حرية الفرد من جهة، والمشاركة الجماعية عوضًا عن الدكتاتوريات العربية السائدة من جهة أخرى.

ورغم أهمية المطالب المشار إليها برزت مطالب أخرى في ميادين التحرير والتغيير العربية في المقدمة منها العمل على تحقيق العدالة الاجتماعية والاقتصادية، فضلاً عن ضرورة العمل على تحسين المؤشرات الاقتصادية، حيث تفاقمت خلال العقود الماضية مؤشرات البؤس في إطار الاقتصاد السياسي في غالبية الدول العربية؛ نظرًا لتحكم الدكتاتوريات بالمال العام وهدره لصالح النظم الحاكمة واستمرارها.

وفي هذا تشير الدراسات والتقارير الصادرة عن الهيئات المالية العربية إلى ارتفاع ملموس في مجموع المستفيدين من الخدمات الاجتماعية وتحسن نوعيتها.

ويستدل على ذلك من التطور الإيجابي لعدد من المؤشرات الاجتماعية، ومن أهمها معدلات القراءة بين البالغين والشباب فضلا عن معدلات الالتحاق بمراحل التعليم المختلفة، وفرص النفاذ لتكنولوجيا الاتصالات والمعلومات، ومتوسط العمر المتوقع وتراجع معدلات الوفيات.

"
مع غياب الديمقراطية في العالم العربي تمت هجرة الملايين من الأدمغة العربية؛ وبذلك فقدت الدول العربية قسمًا هامًّا من رأس مالها البشري
"
كما تشير التقارير إلى تحسن في مستويات التعليم والصحة، وكان لذلك بالغ الأثر في تطور الإنتاجية ونوعية حياة السكان في جوانب اقتصادية واجتماعية مختلفة، لكن الثابت أن ثمة أزمات مستعصية واكبت التطورات في المجتمعات العربية، وقد فاقمت من تلك الظواهر الاجتماعية والاقتصادية عملية الفساد والإفساد المالي والإداري التي رسختها النظم السياسية العربية خلال العقود الأربعة المنصرمة.

ومع غياب الديمقراطية في العالم العربي تمت هجرة الملايين من الأدمغة العربية إلى أوروبا والولايات المتحدة الأميركية؛ وبذلك فقدت الدول العربية قسمًا هامًّا من رأس مالها البشري، ناهيك عن هجرة رؤوس الأموال الكبيرة وبشكل خاص إلى الأسواق الأميركية والأوروبية.

الاقتصاد السياسي ومؤشرات البؤس
تعتبر ظاهرة الأمية الآخذة في التفاقم بسبب معوقات التعليم، والارتفاع الكبير في مجموع السكان من المشكلات المستعصية في الدول العربية، إذ سعت بعض الدول إلى الحد من اتساع تلك الظاهرة، لكن ببطء شديد.

ويشار إلى أن نصف الإناث العربيات البالغات ونحو ربع الإناث المراهقات من الأميات، كما تشير الدراسات إلى أن معدل الأمية بين البالغين في الدول العربية بقي في حدود 36% خلال عامي 2009 و2010 ، في حين سجل مؤشر الأمية بين الشباب العربي بشكل عام نحو 19%.

وتتفاوت المعدلات بين دولة عربية وأخرى، والمعدل الأدنى قد تحقق في دول مجلس التعاون الخليجي. وتوجد أكبر فجوة للنوع الاجتماعي في كل من المغرب وموريتانيا واليمن، حيث يوجد خمس إناث بالغات ملمات بالقراءة أو الكتابة مقابل عشرة ذكور بالغين ملمين بها.

وعمومًا يوجد معظم الأميين في الأرياف العربية التي تستحوذ على النسبة الكبرى من مجموع السكان في الوطن العربي، وعلى سبيل المثال لا الحصر تبلغ نسبة الأميين من الشباب في الريف ضعفي ما هي عليه في المدن في كل من الجزائر والمغرب وتونس.

"
أزمة المديونية واحدة من أكبر المشكلات الاقتصادية في الوطن العربي، لما لها من انعكاسات متشعبة تلقي بعبئها على كاهل الموازنات المالية على مستوى كل دولة عربية
"

ومن الأزمات التي تعاني منها المجتمعات العربية عدم الاستفادة بالشكل المطلوب من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وتُعزَى الفجوات الكبيرة في هذا المجال بين الدول العربية وبعض الأقاليم في العالم إلى عدة أسباب.

ومن أهم تلك الأسباب الكلفة العالية لهذه التكنولوجيا مقارنة بمتوسط الدخل المنخفض في بعض الدول العربية، وارتفاع معدلات الأمية وضعف الإلمام باللغات الأجنبية وغياب المهارات المطلوبة لاستخدام هذه التكنولوجيا حتى بين المتعلمين.

إضافة إلى الأزمات السابقة تعاني الدول العربية من أزمة المديونية وانعكاساتها المركبة، إذ تتراجع الآمال في تراكم رأسمالي حقيقي يدفع باتجاه استثمارات لها عوائد مالية ترتقي بالصحة والتعليم والرفاه الاجتماعي في الدول العربية.

وبهذا يمكن توصيف الأزمة المذكورة على أنها واحدة من أكبر المشكلات الاقتصادية في الوطن العربي، لما لها من انعكاسات متشعبة تلقي بعبئها على كاهل الموازنات المالية على مستوى كل دولة عربية ترزح تحت وطأة المديونية، ناهيك عن تداعياتها السلبية على مستويات المعيشة في غالبية الدول العربية.

وبالنسبة لحجم الديون العربية للعالم الخارجي، تشير دراسات مختلفة إلى أن القيمة التراكمية للديون الخارجية للدول العربية المقترضة ارتفعت إلى نحو تريليون دولار في نهاية عام 2010.

الثورات وعقدة الارتهان للخارج
اللافت أن قيمة الدين العام المترتب على الدول العربية المقترضة لا تزال كبيرة مقارنة مع الناتج المحلي المتحقق خلال السنوات الماضية كما أشرنا.

ومن بين الدول العربية التي ترزح تحت أعباء أزمة المديونية العربية المستعصية كل من مصر والجزائر والمغرب وسوريا ولبنان وموريتانيا وتونس والأردن وعمان والسودان وجيبوتي.

"
تحملت الشعوب العربية أعباء الديون الخارجية وكذلك أعباء المساعدات في وقت تمت فيه عملية سطو منظم من قبل النظم السياسية العربية وأزلامها على المال العام
"
وعلى الرغم من تقليص الجزائر لقيمة مديونيتها للخارج فإنها بقيت أسيرة تلك الديون الكبيرة. وبدورها تعتبر معدلات البطالة في الدول العربية من المؤشرات الهامة على مستويات الأداء الاقتصادي، حيث تصل في بعض الدول العربية إلى نحو 30% من إجمالي قوة العمل المعروضة في سوق العمل. ويعتبر عبء الإعالة للفرد عاملاً ضاغطًا على الدول وعلى المجتمعات العربية، وفي ظل انتشار وتفاقم المؤشرات السابقة يتراوح المعدل المذكور بين خمسة أفراد وسبعة أفراد، ومرد ارتفاع المعدل ارتفاع نسبة الأطفال دون الخامسة عشرة من العمر الذين تصل نسبتهم في غالبية الدول العربية إلى أكثر من 50% من السكان.

يتضح مما تقدم أن ثمة أزمات حقيقية تواكب تطور المجتمعات العربية في المقدمة منها: أزمات الأمية والبطالة والمديونية، ناهيك عن الفجوة الكبيرة بين الدول العربية وأقاليم العالم في مجالات البحث العلمي وتكنولوجيا المعلومات، فضلاً عن مؤشرات التنمية البشرية التي تعتبر منخفضة في الدول العربية.

تلك المؤشرات التي برزت بفعل سياسات النظم السياسية العربية أدت إلى ارتهان العديد من الدول العربية للخارج، من خلال اعتمادها على المساعدات الخارجية، وفي هذا السياق نذكر أن النظام البائد في مصر أوقع مصر تحت وطأة المساعدات الأميركية التي وصلت إلى ملياري دولار سنويا خلال العقد الأخير، في حين تصل المساعدات الأميركية للأردن إلى نحو ثمانمائة مليون دولار سنويا، وهناك العديد من الدول العربية الأخرى دفعت فاتورة الارتهان للخارج عبر اعتمادها على المساعدات الخارجية.

وقد تحملت الشعوب العربية أعباء الديون الخارجية وكذلك أعباء المساعدات في وقت تمت فيه عملية سطو منظم من قبل النظم السياسية العربية وأزلامها على المال العربي العام، وثمة مؤشرات على ذلك ظهرت بعد سقوط نظام حسني مبارك وزين العابدين بن علي، فضلاً عن الثروات الكبيرة التي استأثرت بها عائلة القذافي واستثمرتها خارج ليبيا .

الثورات العربية ستعيد رأس المال المهاجر
بات من شبه المؤكد أن الأهداف القريبة لقطار الثورات العربية تكمن بشكل رئيسي في محاولة إعادة الاعتبار للشعوب العربية عبر محاولة ترسيخ الديمقراطية وتعزيز مبدأ مشاركة الشعوب في كافة ميادين الحياة لرسم مستقبل واعد للأجيال القادمة.

"
بات من شبه المؤكد أن الأهداف القريبة لقطار الثورات العربية تكمن بشكل رئيسي في محاولة إعادة الاعتبار للشعوب العربية عبر محاولة ترسيخ الديمقراطية
"
في مقابل ذلك ستسعى الثورات العربية في المدى البعيد -من خلال نظم سياسية واقتصادية معبرة عن أهدافها العليا- لاعتماد سياسات مختلفة للاستفادة من القدرات البشرية والاقتصادية الكامنة والحد ما أمكن من الظواهر الاقتصادية والاجتماعية التي خلفتها النظم السياسية البائدة.

وبطبيعة الحال يتطلب الأمر المزيد من التنسيق العربي في المستقبل للنهوض بأداء المجتمعات العربية، فضلاً عن ضرورة تخصيص مزيد من الموارد المالية للإنفاق على قطاعات الصحة والتعليم والبحث العلمي العربي.

وقد تؤسس الإنجازات المرتقبة للثورات العربية لمقدمات حقيقية من شأنها أن تشجع عودة رأس المال المهاجر بشقيه المالي والبشري، وتوطينه في وطنه الأم وبغض النظر عن هذا القطر العربي أو ذاك، عندئذ يمكن القول بأن الثورات العربية قد حققت الهدف الأسمى للشعوب العربية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك