علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني


مجموعات متخمة بالوباء واللوثات
ضرورة تلمس الإجابة الصحيحة
الخصوصية الفلسطينية
شهيد فلسطين

كان للعملية الإجرامية التي استهدفت الناشط الإيطالي في قطاع غزة، وقع الصاعقة على رؤوس الفلسطينيين عمومًا وفي قطاع غزة على وجه الخصوص، الذين ذهلوا بهولها وبشاعتها وقباحتها، وباستهدافها داعية سلام ونصيرا للفلسطينيين، وضع روحه على راحته من أجل فلسطين وشعبها، ومن أجل تحشيد القوى المجتمعية ومؤسساتها في الغرب الأوروبي من أجل نصرة فلسطين وشعبها المظلوم، ومن أجل فك الحصار عن قطاع غزة، وقد رفع شعاره الشهير "الحرية لفلسطين" منذ أن وطأت قدماه أرض فلسطين قبل أقل من عقد من الزمن.

فقد جاءت العملية الإجرامية التي استهدفت حياة المناضل الأممي فيتوريو أريغوني في منزل بغزة بعد ساعات قليلة من اختطافه من قبل جماعة تدعي أنها جماعة سلفية مسلحة تسمي نفسها "تنظيم التوحيد والجهاد"، حيث طالبت بإطلاق سراح زعيمها المعتقل منذ شهر مارس/آذار 2011 الماضي لدى الجهات الأمنية الرسمية في قطاع غزة المدعو هشام السعيدني (والمكنى بالشيخ أبو الوليد المقدسي) المتورط في أعمال تكفيرية وتخريبية مست عموم الفلسطينيين في القطاع ومست السلم الوطني والأهلي.

فكيف نقرأ تلك التطورات في قطاع غزة، حيث يوجد بعض تلك المجموعات المحدودة هناك في فلسطين، وهي تحمل في طياتها لوثات مرعبة، سياسية وفكرية، مُشوهة ومُدمرة وقاتلة، تحاول أن تدفع المجتمع الفلسطيني نحو (ثقافة التكفير والتكفير المقابل) وبالتالي إدخال المجتمع الفلسطيني المحلي نحو دائرة جهنم التطاحن الذاتي، ونحو متاهات ومسارب لا تُحتمل عقابيلها ونتائجها التي لا تبقي ولا تذر.

مجموعات متخمة بالوباء واللوثات
لقد جاءت عملية اغتيال الناشط الإيطالي الشهيد فيتوريو أريغوني لتقصم ظهر البعير بشأن وجود المجموعات المتطرفة الصغيرة والمتناثرة في قطاع غزة، وفي الضفة الغربية على حد سواء، وفي بعض الجيوب في المخيمات الفلسطينية بجنوب لبنان وتحديدًا في منطقة صيدا، حيث كان قد استشهد أيضا وقبل فترة قصيرة الناشط ابن مدينة الناصرة الواقعة في قلب الجليل شمال فلسطين المحتلة عام 1948 (الفلسطيني/الإسرائيلي) جوليانو صليبا خميس برصاص أطلق عليه من مسدس حربي داخل أزقة مخيم جنين، وهو الذي عشق المخيم والتصق به وبأهله اللاجئين عام 1948 من قرى جنوب شرق مدينة حيفا، ووقف معهم بكل جوارحه وأحاسيسه وإمكانياته إبان ملحمة الصمود العظيمة التي سطرها أبناء المخيم قبل تسعة أعوام.

فقاتلو فيتريو أريغوني في قطاع غزة هم في المحصلة قاتلو جوليانو صليبا خميس في مخيم جنين، وإن اختلفت الوجوه والأسماء، وتنوعت طرائق القتل، وهم في النهاية أفراد من عتاة القتلة والمجرمين (الذين لا عقل لهم، ولا ضمير عندهم، وهم متخمون بالوباء الفتاك السياسي والفكري وفيروساته التي يصعب علاجها) في أحسن الأحوال، أو هم عملاء مأجورون للاحتلال وللقوى المناهضة للشعب الفلسطيني.

"
عملية الاعتداء الوحشية التي أدت إلى مقتل أريغوني في قطاع غزة, وضعت الحالة الفلسطينية أمام مجموعة من التساؤلات المتعلقة بشأن المجموعات التكفيرية في الساحة الفلسطينية

"
ولعل من المنطقي القول إن عملية الاعتداء الوحشية التي أدت إلى مقتل ناشط السلام الأممي الإيطالي في قطاع غزة مؤخرًا، وضعت الحالة الفلسطينية أمام مجموعة من التساؤلات المتعلقة بشأن المجموعات التكفيرية المتناثرة والمحدودة الوجود في الساحة الفلسطينية بشكل عام، وفي قطاع غزة والضفة الغربية بشكل خاص.

وهي المجموعات التي دأبت خلال السنوات الأخيرة على ارتكاب العديد من العمليات الإجرامية المتفرقة كاختطاف الصحفي البريطاني آلان جونسون عام 2007 وتفجير كنيسة وصالات للإنترنت، في أعمال وممارسات تسيء إلى الشعب الفلسطيني وإلى قضيته الوطنية، وتسيء إلى حضور القضية الفلسطينية داخل المجتمع الدولي، وتعيد تصدير القضية الفلسطينية بطريقة مؤذية لا تبقي نصيرًا ولا سندًا، في ممارسات تسيء في محصلتها للمشروع الوطني الفلسطيني وتساعد على تشويه الكفاح التحرري الفلسطيني، كما حصل مؤخرًا باغتيال الناشط الايطالي فيتوريو أريغوني الذي كان عضوًا ناشطًا، ومحوريا في حركة التضامن الدولية مع الشعب الفلسطيني.

وقد وصل أريغوني إلى غزة عام 2008 في أول قافلة لكسر الحصار بقوارب صغيرة، وقد قرر منذ ذلك الحين البقاء في القطاع، ليصبح وجهًا مألوفًا ومحبوبًا وقد برز دوره في العدوان الصهيوني الوحشي على قطاع غزة نهاية عام 2008 ومطلع عام 2009.

حقًّا، لقد ألحق هؤلاء القتلة الأوغاد والسفلة، ضررًا كبيرًا بقضية الشعب الفلسطيني ونبالتها.

إن الدوافع وراء جريمة استهداف الناشط الإيطالي فيتوريو أريغوني ومن قبله الناشط جوليانو صليبا خميس في مخيم جنين -وإن كانت تبدو للسذج أو للبلهاء أو للمأجورين ولفاعليها وهي تحمل معنى فكريا وسياسيا معينا- هي في نتيجتها عملية إجرامية مروعة، تدلّ على وجود اتجاهات ولو كانت محدودة جدا في المجتمع الفلسطيني، وهي تحمل لوثات وأوبئة (فكرية وسياسية) هي في غاية من الانحطاط ومن الإغراق في التخلف، إن لم نقل إنها صاحبة أيادي ما زالت تتآمر على الشعب الفلسطيني، وتريد أن تنال من أمنه وصموده، وتحقيق حالة إرهاب لحركة الشعوب الصديقة في العالم، المتضامنة مع قطاع غزة، وخاصة أن العدو الصهيوني وحكومة نتنياهو تبحث الآن في سبل منع أسطول الحرية الثاني من القدوم إلى قطاع غزة، وبعد أن كان للحملات الدولية التضامنية أثر ودور كبير في خلخلة الحصار المفروض على القطاع منذ خمس سنوات، وفي إعادة تقديم صورة الظلم الهائل الواقع على الشعب الفلسطيني جراء استمرار الاحتلال والحصار.

ضرورة تلمس الإجابة الصحيحة
وفي حقيقة الأمر، فإن الساحة الفلسطينية لم تكن بعيدة عن تأثيرات تيارات التكفير والتكفير المقابل والتطرف التي بدأ نجمها يسطع بعد سلسلة من الانتكاسات التي مرت عبرها المنطقة العربية عموما، وبعد سلسلة من الانهيارات الهائلة التي أصابت المشروع القومي الوطني والديمقراطي اليساري في العالم العربي.

"
تلمس الإجابة الصحيحة بشأن وجود المجموعات التكفيرية المحدودة في المجتمع الفلسطيني، أمر ضروري كمقدمة لابد منها لعلاج وجود تلك المجموعات وقطع دابر شرها
"
فلم تعد الإجابة المتمثلة في اعتبار المجموعات التكفيرية التي نشأت على امتداد الساحات الإسلامية ومنها البلاد العربية وفلسطين كرد فعل على واقع مأزوم إجابة كافية، حتى لو قيل ما قيل عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية المتردية، والتي قد تدفع الشباب للولوج في هذا الفكر المتشدد، وحتى لو تتابعت مع تبريرات مختلفة من نمط رد وجود ونشوء المجموعات المذكورة إلى الإحباط العام الذي يولد التطرف ويدفع فتية ومجموعات هوجاء إلى انتهاج طريق التطرف والتكفير.

إن مفردات الفقر والعوز والفاقة والحاجة والقهر والاستبداد وفقدان الكيانية الوطنية الجامعة والتشتت خارج فلسطين لغالبية الشعب الفلسطيني، لم تدفع جموع الفلسطينيين للتطرف منذ نكبة عام 1948، بل دفعتهم على الدوام نحو إعادة بناء الذات وسلوك دروب العلم والمعرفة ليصبح المجتمع الفلسطيني في فلسطين والشتات، المجتمع الأكثر تميزًا وعلمًا في العالم العربي بأسره كما تشير إليه المعطيات والوقائع المنشورة والرسمية.

كما دفعتهم لبناء حركة وطنية ذات أفق ديمقراطي وإنساني متنور ومتسع، بات العالم كله يعترف بنبلها وصدقيتها واحترامها حتى قبل بناء الدولة الفلسطينية المنشودة بإجماع دولي.

فبذور الفكر المتشدد أو المتطرف (لا فرق) موجودة في عقول البعض من الفتية أو الشباب إلا أنه من الصعب عليها أن تجد مجالاً للتعبير عن نفسها في فلسطين، فقد ظل انخراط التيار الأساسي للقوى الإسلامية في فلسطين من خلال حركتي حماس والجهاد الإسلامي في المقاومة العسكرية وغير العسكرية المباشرة للاحتلال الإسرائيلي، كما أن المجتمع الفلسطيني يتمتع بحالة ديمقراطية نسبية متقدمة عن المجتمعات العربية والإسلامية، وهو بعيد عن الفكر الاستئصالي التكفيري ومنابعه الخارجية وحتى الداخلية المتيبسة أصلاً، ويرى دومًا أن الصراع والتناقض الرئيسي يفترض أن يتوجه نحو الاحتلال الصهيوني وليس غيره.

ومع هذا، نقول إن تلمس الإجابة الصحيحة التي تغني عن التفسيرات السريعة، الساذجة، "الاستسابية"، والمسطحة، بشأن وجود المجموعات التكفيرية المحدودة في المجتمع الفلسطيني، أمر ضروري ومقدمة لابد منها لعلاج وجود تلك المجموعات وقطع دابر شرها وفتنها وأعمالها المسيئة والضارة بالمشروع الوطني الفلسطيني، وهو ما يفترض في جميع القوى الفلسطينية البحث عن الإجابة الصحيحة الكافية والشافية، من أجل نزع واقتلاع فتيل التفجير الذي تسعى إليه تلك المجموعات داخل المجتمع الفلسطيني، وبالتالي لجمها وإبعادها عن وسط الناس، وعن دورها التضليلي في المجتمع، وهي مهمة تعني الجميع ولا تقتصر على حركتي حماس وفتح أو الجهاد الإسلامي أو الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مثلاً، بل تعني كل القوى الفلسطينية ذات الحضور والفعل والتأثير.

الخصوصية الفلسطينية

"
طيف المقاومة والعمل الوطني بما فيه الإسلامي الوطني الجهادي في فلسطين أوسع وأرسخ وأبقى من تيارات التطرف التكفيري التي تحمل عناوين إسلامية مزورة
"
إن مسألة وجود المجموعات التكفيرية وجماعات التكفير المقابل، بقيت محدودة في فلسطين نتيجة اعتبارات هائلة تميزت بها الساحة الفلسطينية والقضية الفلسطينية بشكل عام، دليلنا على هذا المحاولات المتكررة الفاشلة التي قام بها (تنظيم القاعدة) على سبيل المثال لا الحصر، لزرع بذوره في فلسطين، ففشل تمامًا ولم يستطع أن يسجل حضورًا يذكر فوق الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967 سوى إصدار ثلاثة بيانات (وهمية على الأرجح) على مدى ست سنوات، كما فشل تمامًا في الولوج إلى داخل فلسطين المحتلة عام 1948 حيث توجد هناك حركة إسلامية وطنية فلسطينية تتصدر نضالات الشعب الفلسطيني بطريقة رائعة ومحترمة من العالم بأسره داخل ما يسمى "إسرائيل" بقيادة الحركتين الإسلاميتين الشمالية ومركزها مدينة أم الفحم بقيادة الشيخ الوقور رائد صلاح، وجنوبية في بلدة الطيبة في المثلث بقيادة الشيخ عبد الله نمر درويش والشيخ إبراهيم صرصور.

فالأجواء الفلسطينية عامة لا تساعد الآن لا في فلسطين ولا في الشتات الفلسطيني -وبالرغم مما قد يقال هنا وهناك، وبعد التجربة المريرة للشعب الفلسطيني- على نمو وانتشار الظواهر ذات التطرف الفلسطيني أيًّا كان مصدرها أو منبتها السياسي أو الفكري، وقد بقيت تلك الظواهر محدودة الانتشار والفعل وذلك لأسباب كثيرة.

فالفلسطينيون ليسوا بحاجة لوصفات قادمة من الخارج أولاً، والبيئة الفلسطينية في الداخل في الظروف القاسية تحت الاحتلال والحصار والفاقة، خصوصًا في قطاع غزة، قد تساعد على نمو اتجاهات التطرف ثانيا.

فالاتجاهات إياها تصطدم مرة جديدة بخصوصية الوضع الفلسطيني المثقل بالتجارب والآلام، والمشبع بالتعددية، والطامح نحو الديمقراطية الداخلية في سياق مشروعه الوطني المتواصل منذ عقود طويلة من الزمن.

إن طيف المقاومة والعمل الوطني بما فيه الإسلامي الوطني الجهادي في فلسطين أوسع وأرسخ وأبقى من تيارات التطرف التكفيري التي تحمل عناوين إسلامية مزورة، فالإسلام الكفاحي الحقيقي ومعه الإسلام الجهادي في فلسطين يمتلك من الحضور والفعالية والتجربة الواقعية ما يسد الطريق على قدوم أفكار تكفيرية استئصالية بثوب إسلامي مخادع من خارج فلسطين.

شهيد فلسطين
وفي المحصلة، فإن اغتيال الناشط الإيطالي في قطاع غزة وصمة عار في جبين الذين قتلوه، والشعب الفلسطيني بريء منهم بكل تأكيد، ولا يمكن تحميله آثامهم، فالشهيد أريغوني هو الآن من شهداء فلسطين، والشعب الفلسطيني معني في الوقت نفسه بالعمل عبر قواه السياسية والمجتمعية من أجل معاقبة القتلة المجرمين وفقًا للقانون، وقطع دابر شرهم، وعزلهم.

"
أريغوني بات يشكل الآن نجمة أممية ساطعة لن ينساها الشعب الفلسطيني على دروب تحرره وانعتاقه من نير الاحتلال، كما هو الحال مع راشيل كوري

 "

إن جريمة اختطاف الناشط الإيطالي الأممي الصديق الصدوق للشعب الفلسطيني أريغوني توجع القلب والوجدان، وفيها كل ما يجرح المشاعر ويكسرها، فهذا المناضل الشريف يستحق كل الاحترام والتقدير، فقد بات يشكل الآن نجمة أممية ساطعة لن ينساها الشعب الفلسطيني على دروب تحرره وانعتاقه من نير الاحتلال، كما كان حال المناضلة الأممية الأميركية راشيل كوري التي داستها "بلدوزرات" الاحتلال في قطاع غزة قبل عدة سنوات.

إننا نستسمح عائلة الشهيد الأممي وشعب إيطاليا، لكن عزاء الشعب الفلسطيني أن ذكرى المناضل فيتوريو أريغوني ستبقى دومًا محفورة وحاضرة معتقة وحية ومعلقة في ذاكرة ووجدان الشعب الفلسطيني وقوى الحرية والسلام والعدالة في العالم بأسره.

المصدر : الجزيرة