عدنان أبو عامر

عدنان أبو عامر

كاتب فلسطيني



سوريا الاعتدال والممانعة
تسخين الجبهة الشمالية
البديل القادم

انشغلت الساحتان السياسية والأمنية في إسرائيل بما يدور في سوريا من أحداث داخلية خلال الأسابيع القليلة الماضية، وبدا الأمر لكل متابع للشأن الإسرائيلي كما لو أن ما يحصل في شوارع دمشق ودرعا واللاذقية، إنما يعد شأناً إسرائيلياً داخلياً لكثرة التحليلات والمتابعات والتقييمات، التي تناولت الشأن السوري بجميع تفاصيله الدقيقة: سياسياً، وعسكرياً، واجتماعياً، وطائفياً! وحظيت المواجهات التي تشهدها سوريا باهتمام وسائل الإعلام الإسرائيلية بمختلف أشكالها وتوجهاتها.

سوريا الاعتدال والممانعة
يبدو من الأهمية بمكان الإشارة إلى النقاط المتعلقة بالإدراك الإسرائيلي لسوريا، والقائمة على الاعتبارات التالية:

1- جغرافياً: فالتطورات الجارية في سوريا، تمثل تطورات تجري في بلد مجاور لإسرائيل.

2- رسمياً: ما زالت سوريا في حالة حرب مع إسرائيل، برغم الاحتمالات القائلة بإمكانية أن تكون بلداً مرشحاً للدخول في اتفاقية سلام معها.

3- تمتلك سوريا ترسانة أسلحة كبيرة، بما في ذلك الأسلحة الصاروخية، والرؤوس الحربية الكيمياوية ذات القدرة على ضرب إسرائيل، وإذا وقعت هذه الترسانة العسكرية في يد الإسلاميين، كما ترى تل أبيب، فمن الممكن أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى اندلاع حرب شرق أوسطية كبيرة.

4- يوجد ارتفاع متزايد في سقف التساؤلات الإسرائيلية المتعلقة بما إذا كانت مناشدات دمشق القائلة بضرورة استئناف محادثات السلام مع إسرائيل ما زالت سارية المفعول، وتتمتع بالجاذبية!

5- على مدى السنوات الماضية، ظلت المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تطالب الحكومات المتعاقبة بضرورة تلبية نداءات دمشق بإحلال السلام، والسبب في ذلك، إدراكها بأنَّ التوصل إلى اتفاق سلام ناجح معها، وإن كان ثمنه إرجاع الجولان، فإنه سيتيح لإسرائيل فرصة إبعادها عن إيران، وضرب حزب الله وحركة حماس، وهذا أمر سيعزز أهدافها الإستراتيجية الكبيرة، وعلى النقيض من رئيس الوزراء السابق "إيهود أولمرت"، فإن رئيس الوزراء الحالي "بنيامين نتنياهو"، ما زال يقاوم توصيات وضغوط المؤسسة الأمنية التي تطالبه بالتفاوض مع دمشق.

"
القيادة الإسرائيلية، تتابع ما يجري في المحافظات السورية بانتباه شديد، خاصة ما يتعلق بأثرها المتوقع على زعزعة استقرار سوريا
"
وهكذا بات واضحاً أن القيادة الإسرائيلية، بشقيها: السياسي والعسكري، تتابع ما يجري في المحافظات السورية بانتباه شديد، خاصة ما يتعلق بأثرها المتوقع على زعزعة استقرار البلاد هناك، ولعل أدل على ذلك ما قام به جملة من القيادات الإسرائيلية يتزعمهم "شمعون بيريز" الرئيس الإسرائيلي، يرافقه عدد من قادة الجيش بزيارة للحدود الشمالية قرب الجولان، وإعلانه بما لا يدع مجالاً للشك أن أي زعزعة داخلية في سوريا، ستخفف عن إسرائيل "جبهة حربية"!

ومما يؤكد المخاوف الإسرائيلية، وفقاً لما ذكرته المحافل البحثية، أن تل أبيب تعرف كيف تتعامل مع المسؤولين السوريين الموجودين في دمشق، لكنها لا تعرف كيف ستتعامل مع "سوريا أخرى" في حال تغير النظام، في ضوء التوقعات التي قد تشير إلى احتمال تصاعد الموقف هناك بصورة دراماتيكية خلال الأيام المقبلة، مما سيضعها على "أتون بركان ملتهب" من الممكن انفجاره في أي وقت.

كل ذلك يعني أن النظام السوري، وفقاً للتقدير الإسرائيلي، وإن نجح في تهدئة المظاهرات، فلن يستطيع كبح جماح بقية الاحتجاجات في العديد من المدن والمناطق الأخرى، وربما يصل الأمر إلى إمكانية سقوطه في حال إصراره على التعامل بعنف مع المتظاهرين.

وتنقل أوساط إسرائيلية عن ضباط كبار في هيئة الأركان أن قيادات الجيش السوري وضعت الكثير من الأسلحة، وبالتحديد صواريخ "سكود" في مدينة درعا، نظراً لموقعها الإستراتيجي، وتحسباً لإمكانية اندلاع معركة مع إسرائيل في أي وقت، مما أثار تساؤلات عميقة في تل أبيب حول مصير هذه الصواريخ بالتحديد إن سقطت المدينة في أيدي المتظاهرين؟ وهل من الممكن أن يستخدموها لمواجهة إسرائيل؟ وما هو مصير العلاقة مع سوريا "المستقبل" إن تغيرت الأمور؟

تسخين الجبهة الشمالية
في ظل المتابعة الحثيثة من قبل المحافل الإسرائيلية بقلق لآخر التطورات الميدانية في سوريا، فإن تل أبيب تبدو واثقة من أن الرئيس "الأسد" في خطر، لأن مفعول ما وصفته بـ""الدومينو" بدأ يضرب بقوة نظام الحكم هناك، بعد أن كسر الشعب حاجز الخوف، وخرج الناس إلى الشوارع، وحطموا التماثيل الضخمة، وأضرموا النار في مباني المؤسسات الحكومية الرسمية.

وقدرت الأوساط الإسرائيلية أن استمرار الأمور في سوريا على هذا النحو، سيؤثر لفترة طويلة من انعدام الاستقرار، وستكون له آثار بعيدة المدى على الشرق الأوسط عموماً، وأمن إسرائيل خصوصاً، لاسيما وأن إيران من بين المستفيدين من التطورات الحاصلة في المنطقة.

وترى تل أبيب أن سقوط مبارك، والأحداث في البحرين، والضغط الذي تعيشه العربية السعودية عمل على تعزيز محور طهران-دمشق، والأخيرة تعتبر الحجر الرئيسي في ذلك المحور، وبالتالي فإن ضعف نظام الأسد، ناهيك عن سقوطه، سيعد ذلك ضربة شديدة لإيران، وحزب الله وحماس.

كما أن هذا الوضع يعطي "مساحة تنفس" لخصوم المعسكر الإيراني، وعلى رأسهم المعسكر الموصوف بالاعتدال، لكنه يخلق إغراءً لإيران وسوريا للتخفيف عن الأخيرة من خلال "تسخين" النزاع مع إسرائيل! فيما اعتبرت أوساط عسكرية أنَّ التخوف في الجيش الإسرائيلي ينصبّ على مصير الأسلحة غير التقليدية الكيمياوية والبيولوجية التي بحوزة سوريا، وعلى عدم وجود ضمان بأن تبقى المنطقة الشمالية على الحدود معها هادئة في حال تغير الأمور!

"
بعض الإسرائيليين يعلنون صراحة أنه يمكن القول بكل ثقة "وداعاً للسلام مع سوريا"، لأنه لو أرادت الأخيرة السلام فعلياً مع إسرائيل، لأصبح متأخراً جداً الآن
"
وفي إطار التركيز الإسرائيلي على الشأن السوري في الآونة الأخيرة، فإنها تذكر ألف سبب يجعل تصنيف الرئيس السوري ضمن النوع الذي لن يبدو متهاوناً في التراجع أمام التطورات الداخلية، محصية أسباباً عديدة منها، على ذمة التحليل الإسرائيلي:

1- العنصر الجيني العائلي: فرغم أن الحديث يدور عن أعداد مختلفة من الضحايا، فإن هناك خيطاً يربط بين ما حصل بحق الإخوان المسلمين في حماة عام 1982، وبين قتلى الأسابيع الأخيرة في درعا وصنمين ودمشق.

2- الانتماء الطائفي: فالرئيس ليس وحيداً، وهو ممثل الطائفة العلوية "الأقلية"، لكنها تتمتع بكل مناعم السلطة، وإذا رحل دون صراع، فإن فقدان الامتيازات سيخرج على الطائفة بأسرها.

3- القناعة الداخلية: فالأسد يرى نفسه كـ"بطل الكفاح" ضد إسرائيل، ولا يعتقد أنه حان الرحيل.

4- الإسناد الإقليمي: فـ"أحمدي نجاد وحسن نصر الله" على حد سواء، عقدا حلفاً مع الأسد الشاب، ولا يعتقدان أن عليه أن يرحل.

5- الازدواجية الأخلاقية الدولية: فالأسد يقدر بأن وضعه أفضل بكثير من وضع القذافي، ويعرف أن "أوباما وساركوزي وكاميرون"، سيفكرون ألف مرة قبل إطلاق الصواريخ على القصر الرئاسي في دمشق كي يحموا المنتفضين.

في ذات السياق، ترقب إسرائيل بحذر مستقبل العلاقات بين سوريا من جهة، والفصائل المسلحة الموجودة هناك كحماس وحزب الله، حيث ترعاها دمشق، وتدعمها سياسياً، معربة عن قلقها من مواصلة دعمها لها، لمحاولة صرف الأنظار عما يحصل هناك من تطورات داخلية، والضغط عليها لـ"التحرش" بإسرائيل، إن لزم الأمر!

وربما وصل الأمر ببعض الإسرائيليين للإعلان صراحة أنه يمكن القول بكل ثقة "وداعاً للسلام مع سوريا"، لأنه لو أرادت الأخيرة السلام فعلياً مع إسرائيل، لأصبح متأخراً جداً الآن.

البديل القادم
تزعم الأوساط الإسرائيلية أن السبب الوجيه لرحيل الأسد في هذه اللحظة، قد يكمن في اكتشافه فجأة أن قسماً كبيراً من الجيش وقوات الأمن لديه، يرفض قمع المتظاهرين، وينضم إليهم، وإلى أن يحصل هذا، فمسموح له مواصلة ذات الخطاب، كالوعد بالإصلاحات، وعدم القلق، وبالتالي فإن أحداً من زعماء الغرب لن يحرك ساكناً.

وفي حين أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تحاول المفاضلة بين نظام وآخر في المنطقة العربية، يبدو الوضع في الأحداث السورية مختلفاً ومغايراً، بالنظر إلى الحساسية الدقيقة للدولة السورية، لاسيما على صعيد الموقع الجيو-سياسي، بالنسبة لإسرائيل، ما يتطلب من الأخيرة أن تدير تقييماتها لما يحصل لدى جارتها الشمالية وفق أساسات هامة، تقوم على: قراءة سليمة للتطورات الداخلية هناك، والمزيد من التأهب الأمني، إلى جانب الحوار والتنسيق الوثيقين مع الولايات المتحدة، والأهم من كل ذلك "رأس مفتوح" للفرص التي قد ينطوي عليها الوضع الجديد.

وفي حين أنه ما زال من السابق لأوانه محاولة تقدير وجهة سوريا، إلا أن أهمية الأحداث فيها حالياً ليست بحجمها، وإنما في كونها غير مسبوقة في هذه الدولة التي لم تشهد مظاهرات كهذه منذ ثلاثين عاماً، ما يعني أن تغير الأمور بصورة دراماتيكية يعني بشكل تلقائي انهيار "الحلف غير المقدس" بين سوريا وإيران.

وفي الوقت الذي ما زالت فيه الأوساط الإسرائيلية تنظر بعين من الترقّب إلى مآلات الأوضاع في سوريا، فقد بدأت تطرح أسئلة استشرافية من قبيل: هل هذه هي نهاية سلطة عائلة الأسد؟ أم أنها نهاية "الخيار السوري" لإسرائيل؟ خاصة في ظل اعتياد رؤساء الحكومات الإسرائيلية التعبير في الماضي أن يفحصوا إمكانية التوصل إلى تسوية مع دمشق، أو إعلان ذلك على الأقل، كلما وصل التفاوض مع الفلسطينيين إلى وضع حرج، بل إن بعضاً منهم، كـ"رابين ونتنياهو وباراك"، خطوا خطوات عملية، لكنهم صدموا سريعاً بـ"حائط صد" من الرفض السوري.

ومع ذلك، فإن القراءة الإسرائيلية لما يحصل في سوريا اليوم تؤكد مجموعة مما أسمتها "الفرضيات الخاطئة" التي وقع فيها النظام هناك، وهي:

1- رفضه التخلي عما يوصف في إسرائيل بـ"المظلة الإيرانية"، التي تمنح الأقلية العلوية حماية من الأكثرية السنية.

2- عدم الرغبة السورية بإضعاف تأييده لـ"حزب الله" الذي يساعده في لبنان.

3- عدم السلام مع "إسرائيل" وهب له ذريعة إقامة "نظام طوارئ"، لقمع كل شرارة معارضة.

"
في الوقت الذي تفاضل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بين نظام وآخر في المنطقة العربية، يبدو الوضع في الأحداث السورية مختلفاً ومغايراً، بالنظر إلى الحساسية الدقيقة للدولة السورية
"
ومع ذلك، فإن هناك قراءة تشاؤمية في إسرائيل لما يقال إنه "ربيع الشعوب العربية"، ومنها سوريا، لأنه قد يتجلى بعد وقت قليل أنه بدء لـ"شتاء طويل مظلم"، ما يؤكد أن فرضية نزولها عن هضبة الجولان، قد أُنزل عن جدول الأعمال، بسبب ما يقال إنه شرق أوسط غير مستقر، لأنه على سبيل المثال لو وقعت إسرائيل مع سوريا على اتفاق في شأن انسحاب إلى الساحل الشرقي لبحيرة طبريا مقابل "ترتيبات أمنية"، فماذا كانت احتمالات أن يتم الحفاظ عليها؟ سواء بقي نظام الحكم الحالي، أو حل نظام آخر محله؟

أخيراً.. فإن ما تقدم من تقييم لما تفكر به الدوائر الإسرائيلية تجاه الأحداث الدائرة في سوريا، قد لا يقدم رؤية صحيحة ثاقبة، خاصة وأن الرؤى الإسرائيلية لما يحصل في المنطقة العربية، ومنها سوريا، تنطلق من اعتبارات أمنية استخبارية بحتة، لم تثبت صحتها في الكثير من الأحيان.

ومع ذلك، فإن ما تقدم من قراءة إسرائيلية، ينطبق عليه المقولة السائدة بأن "ناقل الكفر ليس بكافر"، وما ذلك إلا اجتهاد بحثي لمحاولة استقراء التوجه الإسرائيلي نحو آخر العواصم العربية مناوأة لتل أبيب من جهة، ودعوة لصناع القرار فيها والمتحالفين معها من جهة أخرى، للإمعان بجد هذه المرة في القراءة الإسرائيلية الواردة آنفاً، لأن فيها الكثير مما يمكن استلهامه من قرارات وتوجهات "قريبة ومتوسطة وبعيدة" المدى.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك