من المهم في مؤشر ما يحدث في ليبيا وخلافا لما جرى ويجري في تونس ومصر، أن الثورة الليبية ثورة حمراء فرض عليها رد العدوان والإجرام المسلح بما ملكت من صدور عارية وأسلحة نارية.
 
والعبرة هنا أن الثورة كالسيل المتدفق إن منعها مانع بالقهر والإكراه انفجرت بشكل أقوى، لذا كانت الرؤية الأميركية ذكية في حسم موقفها مع الشباب الثائر في تونس ومصر بعكس الرغبة الإسرائيلية وبعض المتحفظين من السياسيين العرب والأميركيين، وهذا ليس لأخلاق أميركا الديمقراطية، بل لأنها أدركت أن منع الثورة بشكل سلمي أو ترك الجيش يواجهها سيؤدي إلى سقوط شرعية كل أجنحة النظام، وبالتالي لن يكون بالإمكان السيطرة على مفاعيل الثورة وهيجانها، والخسارة ستكون أشد وأنكى.
 
ورغم الدرس التونسي القريب والمصري الأقرب فإن الغرب تلكأ في نصرة الثورة الليبية، مما أدى إلى ثمن دموي بالآلاف، ودفع الأمور باتجاهات الثورة الحمراء التي تدافع بدمها وسلاحها لإعادة بناء النظام جذريا، خلافا للنظامين التونسي والمصري اللذين يحتاجان إلى وقت أطول رغم أنهما في الثورة أبكر.
 
ولعل تعقيد الحسابات الغربية يبرره خليط من الأسباب التي يستوجب وضعها في عين الاعتبار، حيث إن ثورة ليبيا أتت على حين غرة للحكومات الغربية التي تلاحق ثورات الشعب العربي من مكان إلى مكان، وتحاول بكل قوتها السيطرة على مفاعيلها.
 
وزاد الطين بلة تخلف الإعلام والرأي العام الدولي عن الثورة الليبية، مما جعل الثمن الدموي عاليا وغاليا، وساهم عدم امتلاك الغرب لشبكة علاقات متغلغلة في الجيش والنخب الليبية في جعله مترددا بشأن سيناريو "ما بعد القذافي"، لذا كان الغرب مرتعدا من إعطاء الثورة الليبية غطاء دوليا وشرعية سياسية قد تؤدي به إلى المجهول، حيث ظن أن ذلك يمكن الحركات الإسلامية من الاستثمار وملء الفراغ.
 
في الجانب الآخر بات الغرب مدركا أن الثروات الهائلة التي تخبئها الأرض الليبية من نفط وغاز، تفرض عليهم موازنات بين مصالح متضاربة رجحت في البداية الصمت رغم سيل الدم الأحمر، أما عندما أدرك الغرب أن الدم الأحمر سيسيطر على النفط الأسود، انحازوا ببساطة إلى الأحمر الذي يملك الأسود.
 
الأكثر إقلاقا
أكثر ما يقلق الغرب هو الخشية من نجاح متسارع لتغيرات في البنية العربية لا تواكبها ضوابط غربية، إذ يمكن نشوء قوة إقليمية قوية غنية تضم مصر وليبيا وربما السودان لاحقا.
 
ولعل الصمت الغربي مسكون برجاء وتسول بقايا النظام العربي الرسمي تفادي الدومينو واستمرار الانهيار حيث لا إمكانية للسيطرة، والخوف هنا من انهيار الخليج العربي الذي اهتز مؤخرا في البحرين وسلطنة عمان، عندها يفقد الغرب نعمة النفط والغاز والموقع الإستراتيجي والتحالفات التي تحكم الخناق على رقاب العرب وحريتهم وثرواتهم ونهضتهم، وهو ما يؤمن طوق النجاة لربيبتهم إسرائيل. ولا ننسى أن هذا المشهد يكتمل مع حلف الممانعة حيث إيران وتركيا وحماس وحزب الله تقف على الأبواب لاقتناص فرص التأثير.
 
وما يقلق الأوروبيين أكثر من الأميركيين هو بركانُ القنبلة الديمغرافية التي يمكن أن تنفجر على شكل هجرات مليونية تنطلق من ليبيا نحوها، معظمها من دول الشمال الأفريقي فضلا عن الدول الأفريقية الأخرى لاسيما من الصومال وإريتريا وتشاد وإثيوبيا، خاصة في ظل طول الحدود البحرية والبرية البالغة نحو 1800 كلم و6000 كلم على التوالي، الأمر الذي يتعذر معه وضع حراسة فاعلة على طول هذه الحدود، خاصة مع نقص التقنية العالية والمعدات المناسبة مثل الطائرات المروحية وأجهزة الرادار الساحلية والزوارق السريعة ومناظير الرؤية الليلية، وإذا كان هذا جائزا في ظل تماسك النظام الليبي، فما بالكم في عصر الثورة؟ مما يعني أن الدول الأوروبية ستدفع ثمنا غاليا في بنيتها الديمغرافية وبالتالي الثقافية، ولاحقا من تغيّر في نظامها السياسي.
 
أما ما يخيف الغرب حقا عند نجاح الثورة الليبية هو نجاح النموذج الذي عبر عن ثورة لا تشكو الجوع ولكن تشكو الكرامة، فمداخيل الفرد الليبي حسب تقارير البنك الدولي تصل إلى 12 ألف دولار، ومعدلات الأعمار بلغت السبعين، والأمية محيت تماما.. إذن هي ثورة تستطيع بنهضتها أن تقفز على العون الغربي إلى الضغط والتأثير والمواجهة، وهذا يؤكد خطأ التقديرات الغربية والأميركية، فالشعوب العربية لم تثر لأنها جائعة، وهو ما يخيف في حالة الخليج العربي حيث الخسارة أكبر وأخطر.
 
تميط كل هذه الأسباب اللثام عن الموقف الغربي المكيافيلي الذي يوازن على الدوام بين مصالحه والمصالح المضادة، مما يفاقم من مأساة الشعب الليبي ويزيد من أثمان ثورته.
 
وقبالة ذلك فإن ثمة أسبابا أخرى تساعد النظام الليبي على البقاء فترة أكبر من النظامين التونسي والمصري، حيث ما زالت بعض المعادلات الجغرافية والقبلية تعمل لصالحه، ولاسيما عائلة القذافي (القذاذفة) التي تهمين على مقاليد السلطة في ليبيا.
 
وتتمركز هذه القبيلة في وسط ليبيا ويفوق عددها مائة ألف، وتعد من أكثر القبائل تعصبا للقذافي، ويعزز قوتها تحالفها مع قبيلة المقارحة التي تعد ثالث أهم قبيلة في ليبيا وتتمركز في الغرب، وهي من أكثر القبائل الليبية تسلحا.
 
يضاف إلى ذلك بقاء سيطرة النظام على العاصمة طرابلس أكبر المدن الليبية والتي يزيد عدد سكانها عن 1.5 مليون نسمة، لكن هذا التحالف الموالي أو المسيطر عليه من قبل رجال القذافي هش، والشكوك كبيرة في استمراره وتماسكه، وهو يراهن على ما تبقى للقذافي من ولاء وقوة ومال.
 
ويوازن هذا التحالف قبيلة الورفله التي ترتبط بعلاقات قوية مع قبيلة الزنتان، من بلدة زنتان التي تبعد فقط نحو 120 كلم إلى الجنوب من طرابلس، ومعها مدينة مصراتة ثالثة المدن الليبية والتي تبعد عن مدينة طرابلس 208 كلم شرقا، يعاضدها قبائل الطوارق في الجنوب، والأقرب منهما مدينة الزاوية التي تقع في غرب العاصمة طرابلس بنحو 48 كلم، ومعهما في شمال شرق ليبيا أهالي بنغازي والبيضاء كبرى المدن الليبية من حيث المساحة مع سكان يزيد عددهم عن المليون.
 
يوضح هذا الميزان الأولي أن الغلبة للثوار جغرافيا وقبليا وعدديا، ويزيد من ذلك سيطرة الثوار جزئيا على آبار النفط التي تتركز في جنوب وغرب بنغازي، لكن كل ذلك لا يقلل من إمكانية تمترس قوات القذافي في الدفاع والمناورة والكر والفر في بلد يعد السابع عشر من حيث المساحة على مستوى العالم.
 
وعلينا فوق ذلك أن لا ننسى أن نظام القذافي يدرك بعد ارتكابه جرائم موثقة ضد الإنسانية أن خياراته تقع فقط بين القتل أو السجن، والأمر لا يتعلق فقط بشخص القذافي بل بأبنائه والعشرات من ضباطه وأفراد عائلته، لذا فهم سيندفعون معه للقتال حتى آخر طلقة وآخر شبر.
 
ويساعد بقايا هذا النظام على بعض التماسك التغييب الفريد في ليبيا للطبقة الوسيطة الممثلة للشعب الليبي وفقا لأكذوبة المؤتمرات الشعبية التي اصطنعها نظام القذافي، والتي أضعفت وجود أي سلطة وسيطة تشريعية أو نيابية أو شعبية يلتف حولها الناس بشكل عاجل في ظل الانهيار المفاجئ لنظام القذافي، وكأن السوس نخره من الوريد إلى الوريد دون أن يدري أحد. 
 
لذا من المهم هنا أن يشكل الثوار لأنفسهم جسما سياسيا قائدا وناطقا باسم ثورتهم من كل فعاليات القوى والقبائل والجغرافيا والنخب، مع الحذر من الارتهان لبعض أزلام النظام السابق. ومن الضروري هنا البحث عن رموز فاعلة في طرابلس تكون في قائمة هذا الجسم وإن كانت مغيبة أو غائبة.
 
"
على الثوار أن يحذروا من الاستعانة بأي قوات خارجية دخيلة، لأن ذلك سيشوه ثورتهم ويطيل عمر بقايا نظام القذافي المنهار، وعليهم أن يرفضوا التدخل الخارجي بقوة وجلاء ودون تلكؤ
"
صراع المصالح
سيلعب أيضا صراع المصالح الغربية في إطالة أمد الحروب بين الفرقاء الليبيين، حيث يمكن للدول الغربية المهيمنة إقناع الرأي العام والمجتمع الدولي بل وبعض فعاليات الشعب الليبي بالتدخل باسم الوضع الإنساني، إما بقرار من مجلس الأمن أو بالالتفاف على ذلك من خلال حلف الناتو أو من خلال آلية جديدة.
 
فنماذج العراق وأفغانستان وباكستان ليست عنا ببعيد، حيث يمكن للأميركيين تحديدا وضع يدهم مباشرة على مصالح لا يتمتعون بها إلا جزئيا وثانويا، فهي:
 
أولا ستكون قريبة من الحدود الأطول مع الدول الأوروبية بما يمكنها التأثير في تلك السياسات بشكل كبير، وثانيا ستضيق الخناق عليهم بامتلاكها مصادر الطاقة الرخيصة وذات الجودة العالية، وثالثا سيمكنها كل ذلك من التأثير على المشهد الليبي الذي سيكون مشغولا بلملمة جراحه وإعادة تشكيل بنيته السياسية الجديدة.
 
كل ذلك سيكون مثار خلاف حتى بين الدول الأوروبية بعضها ببعض وبين الأميركيين والأوروبيين في الجهة المقابلة، وهذا سيعزز للأسف إطالة أمد الحرب الأهلية كتعبير عن صراع المصالح بين الأقوياء التي ستمد الفرقاء بمساعدات عسكرية أو تبقي قوتهم متقاربة بما يبقيها مستمرة، وهي بذلك تريد إما أن تذكي نار الفتنة أو تسيطر أو تقسم. 
 
على الثوار أن يحذروا من الاستعانة بأي قوات خارجية دخيلة لأن ذلك سيشوه ثورتهم ويطيل عمر بقايا نظام القذافي المنهار، وعليهم أن يرفضوا التدخل الخارجي بقوة وجلاء ودون تلكؤ.
 
يساعد في تعزيز هذا السيناريو جيش المرتزقة شبه العسكري من غينيا ونيجيريا وتشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى ومالي والسنغال وأفراد من الحركات المتمردة في إقليم دارفور غرب السودان، وهنا يجب عدم الاستهانة بهذا الجيش رغم ضعف إيمانه في الدفاع عن نظام بلد آخر.
 
فهذا الجيش خلفه -أولا- أجهزة غربية وإسرائيلية مستفيدة من استمرار حالة الفوضى. وثانيا، هؤلاء المرتزقة مدربون جيدا على الحرب الأهلية ويقدر عددهم حسب بعض التقارير بعشرات الآلاف. وثالثا، هي قوات مجهزة بأسلحة متطورة، ورابعا لن يردعها مانع أخلاقي أو وطني من ارتكاب أي مذابح بشعة.
 
الفجر الليبي
أمام كل ذلك فإن الفجر الليبي قادم لا محالة، ولا يمكن لفرد ولا نظام ولا قوة ولا مصالح أن تهزم شعبا ثائرا يبحث عن كرامته.
 
ويتوهم الغرب أن ثورات الشعوب العربية والإسلامية يمكن السيطرة عليها أو تعديل زخمها والسيطرة مرة أخرى على ثرواتها والتحكم في رقابها، فالشعب الليبي صاحب تاريخ معروف في قيادة التغيير والانعتاق من ظلم الاحتلال والاستبداد، وهو صاحب رؤية عربية وإسلامية لا تخطئها عين مراقب، وبالتالي هو منحاز إلى قضايا أمته ويفرق جيدا بين عدوه وصديقه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك