محمد علوش

محمد علوش

إعلامي وكاتب سياسي لبناني


المفهوم الطائفي وأعلى درجات تأزمه
الجذور التاريخية للطائفية
حجج المدافعين عن النظام الطائفي
النظام الاستبدادي والنظام الطائفي

وسط الضجيج والصخب وحرب التصريحات اليومية بين القيادات السياسية اللبنانية الموزعة بين قوى المعارضة والموالاة حول تشكيل الحكومة وحصة كل طرف سياسي فيها من ناحية، والجدل المرافق للمحكمة الدولية الخاصة بلبنان من ناحية أخرى، ينشط جيل جديد من الشباب على صفحات فيسبوك للمطالبة بإسقاط النظام الطائفي في لبنان غير معني بتشكيل الحكومة أو عدمها ولا بمجريات المحكمة الدولية لا من قريب ولا من بعيد.

ولعل الحراك الجديد للشباب اللبناني لم يعد يقتصر على شباب الجامعات داخل العاصمة بيروت، بل وصل الى شرائح مجتمعية عديدة تنتشر في عديد المدن اللبنانية.

وقد ترجم هؤلاء صرخاتهم بالخروج في مسيرات ومظاهرات كل يوم أحد وشعارهم الوحيد "الشعب يريد إسقاط النظام الطائفي".

المفهوم الطائفي وأعلى درجات تأزمه

"
أصبح اللبناني يعاني حالة مرضية مستفحلة، فهو يولد طائفياً ويفكر طائفياً ويتصرف طائفياً ويفرح طائفياً ويحزن طائفياً ويخاف طائفياً ويتزوج طائفياً ويموت طائفياً
"
وإذا كان لبنان قد حماه الله من ديكتاتورية الفرد أو الحزب، فإنه ابتلاه بما هو أعمق وأشد من الديكتاتورية، إنها "الطائفية" تلك الكلمة التي يفهم معناها جيدا كل فرد في لبنان، إذ هي أعمق من أن تكون مجرد سلوك سلطوي استبدادي جاء على غفلة من الزمن وجثم على صدر الشعب مستنزفا طاقاته وموارده وقاتلا لأحلام أبنائه طيلة عقدين أو أكثر كما هو الوضع في غالبية الدول العربية.

فقد أضحت الطائفية القاعدة الثابتة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية، وبلغ تغلغلها في عمق الوعي الجمعي اللبناني أن أصبحت الصابغ الأساسي لهوية الفرد ولوعيه حول المجتمع والحياة والأرض والوطن.

ومعها بات مفهوم الدولة هو ما يتم تقديمه للطائفة التي ينتمي لها الفرد من مكاسب وامتيازات، وهي -أي الطائفية- بالنسبة للفرد هي الوطن والأولى بالولاء والتبعية، وأما أهل الطوائف الأخرى فإنهم مجرد آخرين لا أشترك معهم في شيء سوى أنهم يحاولون سرقة هذه النعمة التي حباني الله بها.

وهكذا أصبح اللبناني يعاني حالة مرضية مستفحلة، فهو يولد طائفيا ويفكر طائفيا ويتصرف طائفيا ويفرح طائفيا ويحزن طائفيا ويخاف طائفيا ويتزوج طائفيا ويموت طائفيا.

وقد بلغنا من التأزم الطائفي في لبنان مبلغا لم يعد فيه للعقل الفردي ولا الجمعي مكان، مع استفحال الصراع المذهبي والإثني في الشرق الأوسط وانعكاس ذلك على الوضع اللبناني.

وقد برزت تجليات هذا التأزم بمشروع قانون، كان قد تقدم به وزير العمل في الحكومة السابقة بطرس حرب – مسيحي ماروني- قبل بضعة أشهر الى رئاسة مجلس الوزراء يتعلق بموضوع بيع الأراضي بين المواطنين اللبنانيين، وهو ينص على "منع بيع العقارات المبنية وغير المبنية الكائنة في لبنان بين أبناء طوائف مختلفة غير منتمية إلى دين واحد لمدة 15 سنة، على أن يشمل المنع أشخاص الطوائف المعنوية والأشخاص المعنويين التابعين لهذه الطوائف، والشركات العقارية التي تكون أسهمها اسمية، بحيث لا يجوز التفرغ عن أكثرية هذه الأسهم لمالكين من غير طائفة مالكيها".

وقد عقب وليد جنبلاط الزعيم الدرزي على المشروع بالقول هو "مشروع حرب يمثل نهاية الأفق المسدود للمارونية السياسية. وبعدما فشلت في السياسة، وحققت بعض النجاحات في الاقتصاد على حساب التقاليد والتراث، وصلنا إلى ما طمح له البعض وهو الفينقة الاجتماعية".

الجذور التاريخية للطائفية
برزت الطائفية في لبنان مع تراجع نفوذ الخلافة الإسلامية في إسطنبول في بسط سيطرتها التامة على الأراضي التابعة لها والتي تحوي مواطنين من غير المسلمين كما هو الحال في جبل لبنان وهو ما سمح للدول الأوروبية بالتدخل بحجة حماية المسيحيين والأقليات وسط المحيط الإسلامي.

وهكذا تغلغلت الدول الأوروبية في لبنان بين العامين 1840 و1919، فرنسا ترعى الطائفة المارونية، روسيا الأورثوذكس، النمسا الكاثوليك، وإنكلترا الدروز، وتبقى الطائفتان السنية والشيعية تحت رعاية وسلطة تركيا. وبناء عليه تم تشكيل متصرفية جبل لبنان.

"
لم يطبق أي شيء من بنود إتفاق الطائف من أجل الغاء الطائفية بل الذي حصل أن الإتفاق كرس بالنص التقاسم الطائفي والمذهبي للمواقع الرئيسية للدولة

"
ومع إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920 على لسان الجنرال الفرنسي غورو، فقد تم مراعاة الطوائف في تركيبة المجالس، لكن دون اعتماد توزيع المواقع الرئيسية على طوائف محددة، حيث لم يتضمن دستور 1926 نصا يحدد التوزيع الطائفي رغم تضمنه مسألة مراعاة الطوائف في المجالس.

وقد جرت محاولات لإلغاء الطائفية السياسية، وفشلت جميعها، أبرزها تجربة الرئيس فؤاد شهاب الذي عمد في ستينيات القرن الماضي إلى تأسيس العديد من المؤسسات الاصلاحية (مجلس الخدمة المدنية، والضمان الاجتماعي، ووزارة التصميم، والمجلس التأديبي).

ثم تجربة كمال جنبلاط صاحب الحركة الوطنية اللبنانية التي قدمت "البرنامج المرحلي للاصلاح". كما كان للجماعة الإسلامية عدة محاولات لإصلاح النظام اللبناني، باءت جميعها بالفشل.

وهكذا استمرت الطائفية تتغلغل في المشهد السياسي اللبناني، وزادت من توحشها في الحرب الأهلية اللبنانية التي بدأت في 1975 إلى أن تمّ توقيع اتفاق الطائف عام 1989 الذي أنهى الحرب الأهلية حيث أقر اتفاق الطائف المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في المجلس النيابي والحكومة، وموظفي الفئة الأولى. لكنه دعا في المقابل إلى ضرورة تشكيل هيئة وطنية تعمل على إنهاء الطائفية، وضرورة انتخاب اعضاء المجلس النيابي الثاني خارج القيد الطائفي، مع استحداث مجلس شيوخ للطوائف.

غير أنه لم يطبق شيء من بنود الاتفاق على طريق الغاء الطائفية بل الذي حصل أن الاتفاق كرس بالنص التقاسم الطائفي والمذهبي للمواقع الرئيسية للدولة.

ويعود سبب الإخفاق في القضاء على الطائفية لنمو الأحزاب الطائفية والمذهبية في العقود الماضية من ناحية ولعدم نجاح القوى التغييرية في إيجاد كتلة شعبية عابرة للطوائف أو للأحزاب الطائفية من ناحية أخرى، نظرا لحالة الصراع الشديد التي شهدها لبنان في السنوات الماضية، فضلا عن التدخلات الخارجية المستمرة وإذكائها الصراع الطائفي والمذهبي.

حجج المدافعين عن النظام الطائفي
يتذرع الرافضون لإنهاء الطائفية في لبنان بذرائع عدة منها:

- إلغاء الطائفية أمر محفوف بالمخاطر طالما أن طائفة بكاملها تملك سلاحا أقوى من سلاح الدولة، وذلك في إشارة الى سلاح المقاومة الذي يحوزه حزب الله. ولا يفسر هؤلاء أسباب بقاء الطائفية لسنوات طويلة خلت لم يكن لسلاح حزب الله فيها وجود.

- الطائفية السياسية مكنت الأقلية من الحصول على حقها في الحكم في محيط عربي وشرق أوسطي تصادر فيه الأكثرية الدينية أو العرقية حق الأقلية في الوطن، وهذا افتراض لا يستحق الوقوف عنده، إذ ما يمارس في لبنان بعيد كل البعد عن حفظ حق الأقلية والأكثرية في الحكم.

ومن أكثر الفئات اللبنانية تخوفا من إلغاء الطائفية وغير راغبة بها بالمرة الطائفة المسيحية وتحديدا المارونية السياسية، وعلى رأسهم البطريرك الماروني (السابق) نصر الله صفير، الذي يقول إن إلغاء الطائفية لا يكون بحذف النصوص وإنما بإلغائها من النفوس.

"
ينتاب المارونية السياسية القلق من إلغاء الطائفية لأن ذلك سيفقدها امتيازات كبيرة مع زيادة الخلل الديموغرافي لصالح شركائها في الوطن من المسلمين

"
وينتاب المارونية السياسية القلق من إلغاء الطائفية، لأن ذلك سيفقدها امتيازات كبيرة مع زيادة الخلل الديموغرافي لصالح شركائها في الوطن من المسلمين. ومن هنا تتردد الدولة اللبنانية في إجراء أي إحصاء رسمي حديث، وقد أجري آخر إحصاء لعدد اللبنانيين في سنة 1931، أي منذ سبعين سنة، وهو أمر لا يصدقه عقل في عصر يمكن بكبسة زر أن تعرف عدد مواطنيك، والسبب هو الخوف من معرفة حجم النتاقص في عدد المسيحيين بسبب الهجرة الدائمة والحد من المواليد الجدد لدى الطائفة التي تستحوذ على نصف الوظائف في جميع مؤسسات الدولة، في حين ينمو عدد المسلمين بشكل يكاد يتضاعف كل بضعة عقود.

النظام الإستبادي والنظام الطائفي
إذا كان النظامان الاستبدادي والطائفي يتشاركان في إضعاف الشعور بالإنتماء لدى المواطن ويقتلان إبداع وطاقات الشعوب ويسببان الهدر والتشظي في بنية المجتمع، فإنهما يختلفان من حيث درجة السوء.

فالنظام الاستبدادي عمره قصير ولا يتعدى بضعة عقود إذا ما استقرأنا التاريخ الحديث، في حين أن النظام الطائفي في نسخته اللبنانية يضرب في التاريخ إلى ما قبل قرنين من الزمن.

وبينما يفرض النظام الاستبدادي على الشعب بقوة الحديد والنار ويساهم في إنتاجه وحمايته فرد أو مجموعة صغيرة، يكون النظام الطائفي قد أصبح جزءا أساسيا من هوية الشعب وثقافته وقيمه وسلوكه.

وحين يزول الاستبداد مع رحيل المستبد أو الديكتاتور يكون النظام الطائفي قد أعاد إنتاج نفسه مع كل مجموعة جديدة تتوالى على الحكم، حيث إن أساس النظام الاستبدادي الفساد في الإدارة والحكم، أما النظام الطائفي فهو تركيب بنيوي معقد وأثره يمتد إلى اللاوعي عند الفرد الذي يتشكل منه المجتمع.

النظام الاستبدادي قد يولد في مجتمع واضح لديه الهوية والانتماء وتحكمه قواعد من القانون، أما الطائفي فهو يولد في المجتمعات التي تفتقر إلى نضوج في مفهوم الهوية والانتماء والشعور بالمصير الواحد.

يضاف لذلك أن النظام الطائفي يأتي بعد مرحلة النظام القبلي أو العشائري الذي يسود المجتمع في طور التحول والصيرورة نحو الدولة التي تنصهر فيها القوميات والأعراق في بوتقة الدولة الحديثة.

وها نحن في لبنان لم نتخط مرحلة الطائفية في العبور نحو الدولة الحديثة التي يشعر من خلالها الفرد بانتمائه للوطن. ومن هنا لا تنشأ الطائفية في الغالب إلا في مجتمعات ما قبل تكوين الدولة. ولا أدل على تخلف النظام الطائفي عن مرحلة الدولة من مصادرته لمبدأ المساواة الكاملة بين المواطنيين لا سيما ما يتعلق بتكافؤ الفرص، وهو المبدأ الذي يضعه الدستور في رأس مقوماته.

"
النظام الإستبدادي قد يولد في مجتمع واضح لديه الهوية والإنتماء وتحكمه قواعد من القانون، أمّا الطائفي فهو يولد في المجتمعات التي تفتقر إلى نضوج في مفهوم الهوية والإنتماء والشعور بالمصير الواحد

"
ويجد المراقب أن النظام الاستبدادي يتسم بحالة من الشرخ والكره والخوف المتبادل بين الشعب والنظام، لأن كلا منهما يكون في صف على النقيض من الآخر، وأن النظام الطائفي تشوبه حالة من التداخل والتكامل والتغذية المتبادلة بين القادة السياسيين والقواعد الشعبية المنتجة للطبقة السياسية الموجودة.

وبناء عليه من السهل القضاء على النظام الاستبدادي إذا ما كسر الشعب حاجزي الخوف والصمت، وهو ما حصل في كل من تونس ومصر. في حين يحتاج القضاء على الطائفية أن يبلغ الشعب من النضج الاجتماعي والثقافي والسياسي مبلغا يقنعه بضرورة التخلي عن الطائفية في المسلك والتفكير.

وبعد توضيح الخلاف بين النظامين الاستبدادي والطائفي يتوجب على المنادين بإلغاء الطائفية في لبنان أن يعلموا أن السير طويل وأن العقبة كؤود وأن الأمر يحتاج ربما إلى نضال أبعد وأعمق مما يقوم به إخواننا في الدول العربية للتخلص من نظم الاستبداد.

ويبقى الأمل قائما والفرصة سانحة للتغيير في لبنان مع التحولات الجارية في العالم العربي، حيث كان لبنان ولا يزال انعكاسا وتجليا لما ينتاب إخوانه العرب لا سيما مصر الشقيقة الكبرى.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك