حمدي عبد الرحمن

حمدي عبد الرحمن

خبير في الشؤون الأفريقية


نخب فاسدة ومستبدة
الشباب والتغيير
معوقات على طريق الثورة
ما آفاق المستقبل الأفريقي؟

يبدو أن اللحظات البطولية التي عاشتها كل من تونس ومصر وأدت في نهاية المطاف إلى التخلص من حكم الاستبداد قد امتد تأثيرها عبر الصحراء الكبرى ليصل إلى أقصى جنوب القارة الأفريقية.

ومن الثابت تاريخيا أن ساحل الصحراء لم يكن قط حاجزا يفصل شمال القارة عن جنوبها، بل إنه عوضا عن ذلك مثل معبرا لنقل الأفكار والمعتقدات. ألم يحمل التجار والدعاة من شمال أفريقيا معهم عبر دروب الصحراء الكبرى قيم وتعاليم الإسلام لتجد آذانا صاغية وقلوبا مؤمنة بين شعوب غرب أفريقيا؟!

ولعل طغاة أفريقيا وحكامها المستبدين يدركون حقيقة مسارات واتجاهات تأثير الأفكار والثورات في القارة السمراء، وهو ما جعل عروشهم تهتز خوفا ورهبة. ففي زيمبابوي التي ترزح تحت حكم روبرت موغابي منذ العام 1980 ألقي القبض على مجموعة من الشباب والناشطين سياسيا أثناء مشاهدتهم لشرائط فيديو عن الثورة المصرية وذلك بتهمة الخيانة ومحاولة قلب نظام الحكم. فهل تنتقل عدوى الثورة المصرية إلى أفريقيا؟ وما احتمالات قيام ثورة أفريقية كبرى؟ ذلك ما نحاول الإجابة عنه في هذا المقال.

نخب فاسدة ومستبدة

"
استمرار انتهاج السياسات الاقتصادية الخاطئة من قبل النخب الأفريقية تؤدي لا محالة إلى حالة من الإحباط الشديد بين الجماهير، وهو ما يدفعهم للثورة الشعبية ضد النظام
"
لقد ألهمت الثورتان التونسية والمصرية الثوار في ليبيا الذين قويت عزيمتهم للمطالبة بإنهاء حكم العقيد القذافي الذي استمر لأكثر من 40 عاما، وهو ما يجعله أقدم حاكم أفريقي على الإطلاق.

وتشهد أفريقيا حتى الآن وجود عدد من الحكام استمروا في السلطة لأكثر من عقدين متتاليين. ففي غينيا الاستوائية يمسك الرئيس ثيودورو مباسوغو بزمام السلطة منذ انقلابه العسكري عام 1979. وقد كشف مؤخرا عن قيام نجله بتكليف إحدى الشركات الألمانية بتصميم يخت يعتقد أنه ثاني أغلى يخت في العالم، وذلك بتكلفة قدرها 380 مليون دولار.

وتشمل قائمة أقدم الحكام في أفريقيا الرئيس بول بيا في الكاميرون الذي يحكم البلاد منذ العام 1982، وكذلك الرئيس الأوغندي يوري موسيفيني منذ العام 1986، وملك سوازيلاند مسواتي منذ العام 1987.

ويلاحظ أن هؤلاء الحكام عادة يحافظون على سلطتهم من خلال السيطرة على شبكة من العلاقات والمصالح العائلية والقبلية وبعض النخب العسكرية وغيرهم من المرتبطين بدائرة متداخلة من الفساد والمحسوبية.

وقد تباهى كثير من هؤلاء الحكام بأنهم استطاعوا تجنب تأثير الأزمة المالية العالمية في بلادهم، وهذا قول مردود عليه، إذ إن تأثير هذه الأزمة آت لا محالة، فالعديد من هذه البلدان يعتمد اعتماداَ كبيرا على المساعدات الغربية، التي قد تصل إلى نحو (50%) من الميزانية الوطنية.

وقد بدأت الدول المانحة الرئيسة إجراءات تقشفية واسعة، وهو ما يعني التأثير سلبا على ميزانيات المنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية العاملة في مجال المشروعات التنموية في أفريقيا.

أضف إلى ذلك أن الارتفاع الحاد في أسعار المواد الغذائية الأساسية وما يترتب عليه من ارتفاع تكاليف المعيشة في معظم الدول الأفريقية يدفع بالشرائح الاجتماعية الدنيا والوسطى إلى حالة من الغضب السياسي والاحتجاج ضد سياسات النخبة الحاكمة.

ويمكن أن نشير في هذا الخصوص إلى أن ارتفاع أسعار الخبز في مابوتو عاصمة موزمبيق العام الماضي أدت إلى أعمال شغب واسعة. ولا شك أن استمرار انتهاج السياسات الاقتصادية الخاطئة من قبل النخب الأفريقية تؤدي لا محالة إلى حالة من الإحباط الشديد بين الجماهير، وهو ما يدفعهم للثورة الشعبية ضد النظام.

الشباب والتغيير
لقد تغيرت التركيبة السكانية لجميع الدول الأفريقية بما يختلف اختلافا كبيرا عن زمن الاستقلال، فالشباب يشكلون اليوم أغلب السكان سواء في شمال القارة أو في جنوبها. وكما هو الحال في الخبرتين التونسية والمصرية كان الشباب في طليعة الانتفاضات والثورات الشعبية ضد النظم الحاكمة.

ولا شك أن حصول هؤلاء الشباب الأفارقة على تعليم متميز وقدرة على التعامل مع فنون التواصل الاجتماعي الحديثة مثل فيسبوك وتويتر قد جعلهم يقارنون أنفسهم بنظرائهم في الدول الأخرى الأفضل حالا.

ولذلك نجد أن قطاعا كبيرا من الشباب الذي فجر الثورة المصرية لم يكن متعطلا عن العمل، بل على العكس من ذلك كان يتمتع بالأمن الاقتصادي، فالمطلب الأساسي في هذه الحالة كان سياسيا، أي الحصول على نمط حياة أفضل يتمتع فيه الجميع بالحرية والديمقراطية.

ويلاحظ أن الشباب الأفريقي قد استطاع في كثير من البلدان كسر حدة الهيمنة الحكومية على وسائل الإعلام، وذلك من خلال اللجوء إلى الفضاءات الإعلامية الجديدة.

بيد أنه من الملاحظ وجود اختلافات بين الحالتين المصرية والتونسية من جهة والحالة الأفريقية جنوب الصحراء من جهة أخرى.

فالدول الأفريقية جنوب الصحراء تعاني من ضعف معدلات استخدام الإنترنت. ومع ذلك استطاع الشباب استخدام أجهزة الهاتف النقال في نقل الأخبار ومتابعة قضايا الفساد وسوء الإدارة في الدولة.

"
إذا كانت الثورة المصرية والتونسية قد اعتمدت في بدايتها على الإنترنت فإن الثورة في أفريقيا جنوب الصحراء سوف تعتمد على الهواتف النقالة
"
وعليه يمكن للهواتف النقالة أن تمارس دورا هاما في الانتفاضات الأفريقية، ولا سيما إذا كانت مجهزة بتقنية الولوج إلى الإنترنت.

ففي انتخابات زيمبابوي الأخيرة اعتاد الناس استخدام الهواتف النقالة للوقوف في مواجهة محاولات تزوير الانتخابات في المناطق النائية. ويعني ذلك أن جماعات المعارضة والمراقبين الدوليين ووسائل الإعلام المستقلة أصبح بمقدورها الوصول إلى مصادر الأخبار بسرعة أكبر من ذي قبل.

وإذا كانت الثورة المصرية والتونسية قد اعتمدت في بدايتها على الإنترنت فإن الثورة في أفريقيا جنوب الصحراء سوف تعتمد على الهواتف النقالة.

معوقات على طريق الثورة
يرى الناظر والمتأمل للحالة الأفريقية جنوب الصحراء وجود بعض المعوقات التي تقف في طريق الثورة والتحرير من حكم الاستبداد في كثير من الدول الأفريقية، ومن ذلك: أولا طبيعة النخب السياسية البديلة، حيث تعاني الأحزاب المعارضة من الضعف والهزال أو تكاد تكون استنساخا ممقوتا للأحزاب الحاكمة.

ويمكن أن نشير هنا إلى الخبرة النيجيرية. وربما يعكس الصراع الدائر حاليا في ساحل العاج بين الرئيس لوران غباغبو المنتهية ولايته والرئيس الفائز في انتخابات نوفمبر/تشرين الثاني الماضي الحسن وتارا أزمة السياسات البديلة في الواقع الأفريقي. فبغض النظر عن المعسكر الذي سوف ينتصر في ساحل العاج فإن السياسات المتبعة ستكون واحدة ولن تتغير كثيرا التوجهات الداخلية والخارجية للدولة.

أما المعوق الثاني فإنه يشير إلى الدعم الغربي والدولي للنظم المستبدة في أفريقيا، فالصين على سبيل المثال تدعم الدول العاصية غربيا مثل السودان وزيمبابوي.

وقد أعلن بنك التنمية الصينية عن خطة للاستثمار في قطاع الزراعة والتعدين في زيمبابوي بمبلغ (10) مليارات دولار، وهو ما يعني دعما مباشرا لنظام الرئيس موغابي. ومن جهة أخرى فإن الولايات المتحدة والدول الغربية ساندت نظما غير ديمقراطية في أفريقيا مثل نظام بن على في تونس ومبارك في مصر والعقيد القذافي في ليبيا، وذلك لأسباب منوعة تصب جميعها في مصلحة هذه القوى الدولية.

ومن جهة ثالثة استطاعت النخب الحاكمة في كثير من الدول الأفريقية تحييد دور المؤسسة العسكرية. وعليه أصبح الجيش عقبة أمام التغيير كما هو الحال مثلا في زيمبابوي. وربما يكون قد تم شراء واستيعاب النخبة العسكرية من خلال منحها الحوافز الكافية لضمان بقائها على الحياد.

"
يعتمد الحكام الأفارقة على إقامة تحالفات قبلية أو حشد التأييد القبلي لهم أو حتى إثارة الفرقة بين الجماعات القبلية الرئيسة لضمان استمرارهم في السلطة أطول فترة ممكنة
"
ويتمثل المعوق الرابع للتحول الديمقراطي في أفريقيا في التعددية والانقسام العرقي والإثني، فعلى خلاف الحالتين المصرية والتونسية تعاني معظم الدول الأفريقية من عدم التجانس الاجتماعي.

ولعل مكمن الخطورة هنا هو التوظيف السياسي للقبلية في أفريقيا من جانب الحكام الطغاة، إذ يعتمد هؤلاء على إقامة تحالفات قبلية أو حشد التأييد القبلي لهم أو حتى إثارة الفرقة بين الجماعات القبلية الرئيسة لضمان استمرارهم في السلطة أطول فترة ممكنة.

إن كثيرا من الأفارقة يلقون باللائمة على انتماءاتهم القبلية بدلا من القول بفساد السلطة واستبداد الحاكم. وتطرح كل من كينيا ونيجيريا وزيمبابوي أمثلة واضحة على ما نقول. يعني ذلك أن المتغير القبلي والإثني يفوق في تأثيره متغير الأداء السياسي للنخبة الحاكمة.

ما آفاق المستقبل الأفريقي؟
لقد استطاعت بعض الدول الأفريقية التي لا تزال تحكمها أحزاب منذ عهد التحرر الوطني تجنيد الشباب في منظمات حزبية تسير في ركاب النخب الحاكمة. وربما يبرر ذلك حقيقة عدم وجود مشاركة شبابية كبيرة في الحركات الاجتماعية التي تشهدها تلك الدول.

وإذا كانت الجماهير تصوت لتلك الأحزاب التي قادت البلاد نحو الاستقلال، كما هو الحال في جنوب أفريقيا وأنغولا وموزمبيق فإن نمو الغضب الشعبي لا يعني بالضرورة تبني أطروحة إسقاط النظام كما كان عليه الحال في السياقين التونسي والمصري.

وأحسب أن تنامي الغضب الشعبي في معظم الدول الأفريقية يحتم ضرورة تغيير السياسات المتبعة. كما أن تغيير الخريطة الديموغرافية في أفريقيا لصالح العناصر صغيرة السن والأكثر شبابا يدفع إلى تقويض دعائم وأركان الحكومات القائمة.

"
هل تتعلم أفريقيا من الدرسين المصري والتونسي ولا يتم تزوير إرادة الناخبين من خلال العبث في صناديق الانتخابات؟
"

إن هذه الفئات الجديدة لا تحتفظ في ذاكرتها بتراث النضال من أجل الاستعمار وتدعيم الاستقلال الوطني الذي استخدمته كثير من النخب الحاكمة مبررا شرعيا لوجودها في السلطة، وعوضا عن ذلك تسعى لتحسين مستويات معيشتها وتحقيق مزيد من الحرية والديمقراطية في بلدانها.

ولعل التحدي الأكبر الذي يواجه أفريقيا هذا العام هو أنها سوف تشهد عددا كبيرا من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، فهل تتعلم أفريقيا من الدرسين المصري والتونسي ولا يتم تزوير إرادة الناخبين من خلال العبث في صناديق الانتخابات؟ لقد هبت رياح الثورة الأفريقية الكبرى, أو على الأقل هي ماضية في طريقها رغم كل العراقيل!

المصدر : الجزيرة

التعليقات