غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري

لم تكتمل فصول الثورات العربية بعد، كما لم يستقر المشهد العربي على حالة واضحة ، وتوحي المعطيات المتراكمة على السطح العربي بأنه ثمة ما هو قادم وجديد ومختلف، فالواضح أن لكل ثورة دراما خاصة بها، كما أن لها مسارها المختلف الناتج بالضرورة عن سياق وصيرورة تكون كل ساحة، وطبيعة الواقع الاجتماعي والنظام السياسي فيها، (فهمتكم) و(الرئيس يعلن تنحيه) كانت أخبارا سارة لانتصارات ثورات عربية، لكن هذه الخلاصة يبدو أنه ليس مقدرا لها أن تندرج ضمن الوقائع العربية القادمة بسهولة ويسر.

لقد تكشف بوضوح، ومن خلال معاينة وقائع الثورة الليبية أن ثمة أنماطا من التعامل مع الثورات الشعبية قد يصار إلى اتباعها، خاصة في الساحات التي تنطوي على تركيبة اجتماعية (قبائلية أو إثنية أو طائفية)، وبتعيين أدق، في المجتمعات التعددية، أو تلك التي تحتوي على أقليات وكأكثريات.

هنا، حيث تصبح الثورة بمعناها الرمزي انقلابا على القبيلة أو الإثنية أو الطائفة الحاكمة التي غالبا تكون قد شكلت النظام السياسي في البلد وأسست الوطنية، بناء على مقتضيات استمرارها في الحكم، بحيث يصبح كل خروج عن هذه المعاني بمنزلة تمرد أو اضطراب سياسي يقتضي معالجته بطرق أمنية صرفة، ولنا في تجربة (المارونية السياسية) في لبنان خير مثال.

هل يعني ذلك اكتفاء العرب بالثورتين التونسية والمصرية، وانكفاءهم عن أي فعل ثوري، بانتظار بلوغ التاريخ منعطفا آخر جديدا؟ لا شك أن الواقع يشي بعكس ذلك تماما، فالعرب دخلوا في أفق الثورة نظريا وأيديولوجيا ورمزيا، ولم يعد بالإمكان القبول بما كان سائدا ونافذا طيلة العقود السابقة، وما يدلل على هذه الحقيقة امتلاك الساحات العربية لعدة الثورة وأدواتها (شباب رافض للواقع، أدوات اتصال وتواصل اجتماعي، وجزيرة تكشف للعالم انتهاكات الأنظمة وتحرمهم متعة القتل المستور).

على ذلك فإن استشراف مستقبل الواقع العربي يجب ألا ينطوي على التساؤل حول التغيير في هذا الواقع، الذي اجابت عنه، حتى اللحظة، الوقائع المتواترة في البيئة العربية، بل يجب أن ينصب على طبيعة هذه المتغيرات ومآلاتها، وذلك بالبناء على الإستراتيجيات المتوفرة والمحتملة لطرفي الصراع (الأنظمة والجماهير)، وبالتالي يمكن تخيل مجموعة من السيناريوات المحتملة أيضا، والقابلة للتحقق.

اكتمال عقد الثورات

"
مرآة المستقبل ستعكس مجتمعات تنخفض فيها حدة التوتر بين ما هو سياسي وما هو اجتماعي, على ما حصل في العقود الماضية، كما تتحقق فيها درجة أعلى من الانسجام بين نضالها ومطالبها
"
وبناء على هذا الاحتمال، حصول تغيير جذري في بنية النخب وطبيعة السياسات التي سادت في الفترة المنصرمة، ويبدو هذا الاحتمال الأكثر التصاقا بالواقع العربي، كما تؤيد هذا الاحتمال كل الوقائع الراهنة، وذلك بتاء على عدد من المعطيات:

1- وصول الواقع العربي إلى حال من الانسداد السياسي والمجتمعي، وافتقاد الخيارات المتاحة للخروج من هذه الحالة، بحيث تصبح الثورة ليست خيارا أفضل لمغادرة هذا الوضع، بقدر ما هي الخيار الوحيد المتاح الذي يستطيع المجتمع العربي تحمل أكلافه!

2- وجود بيئة دولية حاضنة ومشرعنة للتغيير العربي، وهذا المناخ الدولي نتج بدوره عن متغيرات عميقة أفرزتها أحداث السنوات الماضية، جراء السياسات التجريبية العبثية التي مارسها الغرب تجاه العالمين العربي والإسلامي، واستهلكت جزءا كبيرا من قدراته وشعاراته.

تبعا لهذا الاحتمال، فإن مرآة المستقبل لا شك ستعكس مجتمعات تنخفض فيها حدة التوتر بين ما هو سياسي وما هو اجتماعي، على ما حصل في العقود الماضية، كما تتحقق فيها درجة أعلى من الانسجام بين نضالها ومطالبها وتصبح أكثر اندماجا في بيئتها الدولية.

غير أن هذا الاحتمال يشترط قدرة المجتمعات العربية على هضم المتغيرات الجديدة في واقعها، وكيفية تحويلها إلى قيم مضافة في عمليات التنمية والتحول الديمقراطي.

تعثر الثورات
ورغم سلبية هذا الاحتمال، لما ينطوي عليه من تخوفات جماهيرية ونخبوية بنفس الآن، فإن احتمالية انعكاسه في مرآة مستقبل الثورات العربية أمر وارد، ويتغذى هذا الاحتمال من خطورة أن تكون الثورات العربية مجرد حالات تمرد وانتقام من أوضاع بعينها، وليست ثورات من أجل التغيير، وما يعزز هذه الفرضية استمرار ثورتي تونس ومصر دون قيادات واضحة، بل واعتكاف الذين ساهموا في صنع الثورة عن المشاركة السياسية، بحجة عدم وجود أطماع سياسية لهم!

أكثر من ذلك فإن الرهان على مثل هذا الاحتمال يستند إلى ثقافة عربية حاكمة، مردها تقويم سلبي لتجارب المعارضة الراديكالية والانشقاق الثوري التي لم تؤد إلى إحداث التغيير المنشود في العقود الماضية.

"
الخطر الأكبر الذي يتهدد الديمقراطيات الناشئة هو الإخفاق في التسيير الاقتصادي وفي السياسات التنموية الذي يقوض الاستقرار السياسي، ويفتح الباب واسعا لصعود النزعات الشعبوية والراديكالية
"
فحسب بعض النماذج النظرية التي انتشرت على نطاق واسع في الدراسات الاجتماعية، تتمنع تركيبة المجتمعات العربية على التحول الديمقراطي لأسباب تعود للبنيات العصبية الأبوية، أو لأسباب ثقافية دينية، أو لأسباب تتعلق بنمط الإنتاج الريعي القائم.

وثمة أسباب تقنية ذات طبيعة عملياتية كشفتها تجارب بعض الشعوب في الديمقراطية (بلدان أميركا الجنوبية)، وهي أن الخطر الأكبر الذي يتهدد الديمقراطيات الناشئة هو الإخفاق في التسيير الاقتصادي وفي السياسات التنموية الذي يقوض الاستقرار السياسي، ويفتح الباب واسعا لصعود النزعات الشعبوية والراديكالية الخطيرة في المدى البعيد على الممارسة الديمقراطية.

تسويات مرحلية توافقية
يقوم هذا الاحتمال على حقيقة سياسية هامة، وهي أن تغير الأنظمة السياسية هو سيرورة طويلة تحتاج إلى الوقت. وقد لا يكون التغيير وليد ثورة، بل ثمرة التفاوض والتنازل عن السلطة.

وقد يلجأ بعض ديكتاتوريي المنطقة إلى هذا الحل، والواقع أن من ينظر إلى المشهد العربي في هذه اللحظة سيجد أن ثمة دولا فيه ، وإن كانت حماسة الثورة قد بدأت تدق أبوابها، إلا أن مجتمعات هذه الدول تفتقد بشكل ملحوظ للروافع اللازمة للثورة، كما أن موازين القوى لازالت راجحة بشكل كبير لصالح أنظمة الحكم، فضلا عن وجود العديد من الاعتبارات التي قد تؤجل حدوث الثورة إن لم تعقها.

وبالطبع لا يعني ذلك بأي حال عدم حصول التغيير بحد ذاته، لكن قد يكون الحل الأمثل المتاح في هذه الحالات هو ترتيب تسويات مرحلية توافقية بين الفاعلين السياسيين والأنظمة الحاكمة، (على غرار التجربة الجنوب أفريقية) تفاديا لأفق الثورة بأثمانه الباهظة ومخاطره غير المحسوبة.

غير أن الإشكالية التي تعترض مثل هذا الاحتمال، على واقعيته، تتمثل بعدم جرأة وقدرة الأنظمة العربية على الإقدام على هذا النوع من المخاطر، وذلك لإدراكها أن هذا التصرف سيؤدي حتما إلى كشفها وخلل بنيتها التسلطية، ما يعرضها لاحقا إلى الانهيار، وفي هذا تصدق مقولة المفكر الفرنسي الشهير ألكسي دوتوكفيل بأن "أسوأ لحظات الحكومات الفاسدة هو قيامها بالإصلاحات".

وعليه، فإن انعكاس هذا المشهد في مرآة المستقبل العربي رهن قدرة الأنظمة العربية على إجراء التكييف المطلوب مع متغيرات الواقع المتسارعة، وقدرة الجماهير العربية على ضبط أشواقها للحرية والديمقراطية.

التقسيم والحروب الأهلية
هذا الاحتمال، رغم قساوته، يجد صداه ومداده في حالة الاحتقان التي تجذرت في الوجدان العربي وترسخت في الذاكرة العربية، ففي نصف قرن من الزمن الرديء والأنظمة العاثرة لم تكن المهانة وحدها والفقر وحده والديكتاتوريات على أنواعها وحدها التي خلقت هذا الاحتقان وولدت هذه الانفجارات التي لن تتوقف، بل أيضا ذلك المزيج القبيح من الهزائم والعار ومن التخلف والجوع.

وهكذا عندما تنفجر ثورة الشباب هنا أو هناك، مطالبة بالتغيير ولا تحمل معها مشروعا متكاملا لنظام بديل متفق عليه، فإن الفترة الطبيعية والضرورية للتوصل إلى هذا البديل قد تشكل المنافذ المفتوحة للاستهدافات والمؤامرات، وفي مقدمها الحروب الأهلية والشرذمة والتقسيم.

وإذا كانت الهلوسة ماثلة في تصرفات القيادات العربية، فإنها كانت في سياسات دول كثيرة، بما يثير خوفا حقيقيا من انزلاق بعض الدول إلى حروب أهلية تنتهي بتقسيم قد يشكل وباء قد يضرب في دول أخرى في المنطقة!

"
تكشف لنا التجربة الأوروبية أن البلدان التي حققت نجاحا حقيقيا في التحول الديمقراطي هي البلدان ذات البنية القومية المنسجمة والمكتملة
"

ويتعذر هذا الاحتمال مع حقيقة أن غالبية الدول العربية تفتقد إلى بنية قومية متماسكة بسبب الولاءات الماقبل دولتية (قبلية، طائفية)، وهنا تكشف لنا التجربة الأوروبية أن البلدان التي حققت نجاحا حقيقيا في التحول الديمقراطي هي البلدان ذات البنية القومية المنسجمة والمكتملة، كما هو شأن بلدان أوروبا الوسطى، في حين تعثرت النقلة في البلدان التي لم يكتمل فيها البناء القومي ولم تحقق الحد المطلوب من انسجام النسيج الوطني، كما هو شأن بلدان البلقان.

والواقع، وبما أن الثورات لا تتناسل عن بعضها، وبما أن لكل ثورة سياقها وأزماتها، وبالتالي روايتها الخاصة، فإن مرآة المستقبل العربي قد تعكس صورا شتى تقع بين ثورات ناجحة وناضجة، وأخرى تنتظر بلوغ التاريخ منعطفا آخر، لكن الأكيد والمسلم به أن الثورات الحالية نقطة انطلاق لمستقبل مختلف لن يتأخر أكثر مما مضى.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك