مهنا الحبيل

مهنا الحبيل

مدير مكتب دراسات الشرق الإسلامي بإسطنبول

تصاعدت لغة المفاصلة في إيران بين المعارضة الإصلاحية المنتمية لفكرة الثورة من المحافظين والسلطة المركزية لهم، وجاء رد كروبي قويا ضد المطالبات بإعدامه حين قال إنني متمسك بالدفاع عن الشعب حتى الموت، وكذلك برز موقف مير حسين موسوي.
 
وكان لافتا للغاية أن كلا الزعيمين لم يكترث بالاتهام الذي وجه لهما في قضية هتاف مظاهرات طهران التي استفزت المحافظين، في تجسيد جديد لانكسار المعارضة الإصلاحية المنتمية للثورة نحو تقارب مع اليسار الديني واليسار الراديكالي المعارضين.
 
وقد برز حجم الأزمة في مشهد غضب نواب التيار المحافظ وتجمعهم عند منصة الرئاسة في البرلمان الإيراني، وهي الصورة التي نقلتها العديد من وكالات الأنباء والفضائيات وكانت تُجسّد لحظة انفعال شديد يبرز حجم ما تعنيه انعطافات الثورة الإصلاحية على مستقبل النظام الديني في إيران.
 
"
أحد الهتافات الرئيسية في المظاهرة الحاشدة التي دعت إليها المعارضة لتحية ثورتي مصر وتونس، كان مؤشرا على كسر جرة التوازن
"
وليس من المعتاد أن ينطلق النواب إلى المنصة في مشهد عاطفي منفعل ويهتفون بإعدام مير موسوي وكروبي، لأن هذه في العادة لغة الشارع بينما للبرلمانيين لغة أخرى.
 
لكن أحد الهتافات الرئيسية في المظاهرة الحاشدة التي دعت إليها المعارضة لتحية ثورتي مصر وتونس، كان مؤشرا على كسر جرة التوازن الذي سعى النظام لتكريسه كمقدس ديني خارج منظومة الدولة والشعب والدستور، وهي مكانة السيد علي خامنئي المرشد الأعلى.
 
الهتاف كان موجها لشخص المرشد في رسالة حراك المعارضة الذي أخذ بعدا فكريا انشطاريا مهما، حيث كان الشارع المحتج يردد بصوت مزمجر مسموع نقلته الفضائيات عن المصورين المحليين: مبارك وبن علي، جاء دورك سيد علي.
 
فحالة الفزع النفسي لدى المحافظين كان مردها -من جانب- أن الهتاف يمثل خطورة على مستقبل الجمهورية الإيرانية، فهو يتعلق بذات الفكرة الطائفية التي قام عليها النظام من منظور حركة الاحتجاج للجماهير الشعبية، وهي تنتمي للمدرسة الشيعية التي تكثفت في الحوارات الفكرية لليسار الديني ثم انطلقت بين الشباب الجامعي، ثم تحولت إلى هتاف عام للشارع يعلن أن فكرة استحضار قسط من التأله لشخصية المرشد على هرم رئاسي مرفوضة، ليس في نطاق الحكم فقط، وإنما حتى في نطاق فكرة الوحي الديني الذي عملت عليه الثورة لشعبها أو للتنظيمات التابعة لها في المنطقة العربية.
 
وهذا الجانب من ثقافة التسخير للعقل العام التابع سعى دائما لوضعه في اعتبارية تخرج الولي الفقيه عن دائرة المحاسبة الإنسانية والتشابه المدني مع شخوص المجتمع بحكم حالة التوصيف الديني على شخصية المرشد، وهذه العقيدة منقوضة في أصل الفكرة الإسلامية لدى السنة ومدرسة التصحيح الشيعي.
 
لكن طهران وسط الزخم العاطفي المخلوط بين المظلومية الطائفية والتطلع إلى عالم النصر للإمام الغائب، كرّست هذه الحالة لتُخرج الولي الفقيه عن طبيعة الإمام المجتهد في الفقه الشيعي الذي لا يُلبس ذاته بهذه العصمة والقداسة.
 
وسقوط هذه العقيدة المركزية للثورة الإيرانية ليس سهلا، لكن إعلان نقلها إلى الشارع العام أفزع الثورة من الثورة، بحكم أن تصاعد التمرد على هذا المفهوم قد يقود عند اصطدام الشارع المدني بالمستبد الديني إلى إسقاط منظومة عقائدية وفلسفية كبيرة جدا للمشروع الذي دشن مرحلة ولي الفقيه.
 
وإن كان هذا لا يؤثر على إيمان أي فريق يصل إلى الحكم في طهران باعتقاد إمبراطورية إيران العظمى سواء أكانت دينية أم غير ذلك، فإن تفجّر هذا المفهوم له ارتباط مباشر بمسارات فكرية تاريخية لحركة الاستقطاب والهيمنة التي صنعها مفهوم الولي الفقيه في إيران والمحيط الإقليمي القريب.
 
الجانب الثاني من استشعار النظام الديني في إيران لخطورة مفهوم تناقل معنى الهتاف ضد السيد خامنئي, هو التقاط الشارع الوطني العام لهذا المفهوم كي يتجسد في ضميره الشعبي أن كل حركة استبداد واضطهاد ومطاردة وتضييق مارسها النظام تُربط الآن بالقداسة للمرشد، فيتوجه التذمر والكراهية إلى منصب المرشد بدلا من شخص السيد نجاد وحكومته والتيار المحافظ.
 
هنا يبدو النظام الديني السياسي في مأزق كبير، فتحويله شخصية السيد خامنئي إلى إسناد مباشر وقوي لشخص نجاد وتياره وقراراته تحول لكي يستهدف شخص المرشد وقيمته المعنوية في النظام، وقد يتسبب في تصاعد الضجر والكراهية، ليتحول أي تطور للمعارضة الشعبية في دورة ثائرة إلى أن الإنقاذ لا يتحقق إلا بإسقاط النظام في رأسه الهرمي.
 
وهنا يطرح الثوار الجدد شخصية ومركز السيد خامنئي كممثل لرأس النظام وبالتالي تهوي فكرة الثورة الدينية الحاكمة مقابل الحرية المدنية الجمعية، وهذا لم يكن يطرح مطلقا من تيار الإصلاح الديني الذي يقوده مير موسوي، ولكنه كان يتأرجح بين اليسار الديني واليسار الأيدولوجي وهو الآن يطرح في قارعة الطريق.
 
هنا قد يكون لتطور هذا الموقف حراك وخلاصات فكرية تتدفق مع اهتزاز البناء الأيدولوجي للثورة من الداخل في ظل تصاعد الاحتجاج على وضع الإنسان الإيراني تحت هذا النموذج من الحكم, ومن ذلك صعود فكرة الإصلاح التقدمي في ثقافة مقاصد التشريع التي سادت مؤخرا في المنطقة السنية الفكرية كثقافة أصلية تصحيحية لهيمنة ولي الأمر المستبد.

ولدى التراث الشيعي المتقدم والمتأخر في رؤاه التجديدية منهج لا يجد غضاضة من صناعة الدولة المدنية التقدمية المؤمنة بالرسالة الإسلامية، دون قالب الوصاية الملزم لتحديد العقل الفكري للمواطن الإيراني أو التابع الإقليمي المؤدي إلى السيد المرشد خُمسه وقرار عقله.
 
بل تندفع هذه الأفكار كطبيعة انفجار المعاني المكبوتة المُسلّط عليها من برنامج القهر الاستبدادي لتتحول إلى قناعات ثورية في ذاتها تتعاظم لدى جيل الشباب في إيران، وبالتالي فإن سقوطها فكريا عند صدمات ومواجهات متصاعدة يهز معاقل الفروع الفكرية في المنطقة التي تستهدي أصلا بالولاية المطلقة للولي الفقيه، ولو اتخذت صورة ظاهرية تستنسخ ثورة مصر وتونس النقيضتين في أصل الفكر الفلسفي والإيمان المدني مع فكر الثورة الطائفية.
 
"
ثورة تثور على الثورة، لكن التجربة الإنسانية تعطي جوابا صريحا في هذا التوجه، وهو أن كل محاولات تصدير الأزمة إلى الخارج لا يطفئ غضب الداخل
"
ويبدو أن قرار طهران المركزي يأخذ هذه القضية بعين الاعتبار, سواء أكان صراعا مع الذات الوطنية وعنصرها الشبابي الثائر، أو مع طرف دولي باستباق خطوة تقدم في المنطقة تؤمّن مستقبله في مواجهة العهد الثوري الجديد.
 
ثورة تثور على الثورة، لكن التجربة الإنسانية تعطي جوابا صريحا في هذا التوجه، وهو أن كل محاولات تصدير الأزمة إلى الخارج لا يطفئ غضب الداخل، وهي بالمناسبة رسالة ليست لإيران فقط بل للجميع إن أرادوا معرفة الطريق.
 
فهذه الرياح الثورية باتت تحاصر حدائق النفط الأميركية في الخليج التي طالما حُرمت منها الشعوب وأطعمت العم سام والنظام الرسمي حتى الثمالة.
 
لكن الغريب أن ترقّب طهران لمصالحها في الحديقة بات يضطرب وهي ترى الثورة داخلها أو لدى حلفائها في دمشق، فضلا عن ثورة بغداد الكبرى.
 
أضحى الجميع سواسية، لا مجال ولا فرص ولا إغاثة مجدية من الحلفاء: العدالة السياسية أو الهاوية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك