إبراهيم حمامي

إبراهيم حمامي

كاتب ومحلل سياسي فلسطيني

هي فترة قصيرة تلك التي جمعتني بالشهيد علي الجابر رحمه الله، لم تتعد أياماً معدودات، لكنها لم تكن كباقي الأيام، ولم يكن الشهيد علي كباقي الرجال، فكما يقول من خبروا التجارب إن أقوى الروابط والعلاقات هي تلك التي تجمع الجنود في ساحات الوغى، أو الأسرى في ظلمات السجون، وما كانت تلك الأيام إلا ساحة من ساحات الوغى، خاضها الشهيد رحمه الله وهو ثابت صابر لا يلين، متمنياً أن يلقى ربه شهيداً إن كتب له ذلك، وقد كان له ذلك لكن بعد شهور وشهور، في ساحة أخرى وثغر آخر.

في النصف الأخير من أكتوبر/تشرين الأول 2008، كان الملتقى في أحد فنادق لارنكا القبرصية استعداداً للإبحار نحو غزة في سفينة الكرامة، السفينة الثانية لكسر الحصار عن غزة، التقينا بطاقم الجزيرة علي وأمير، ولأن عدد المشاركين من العرب كانوا قلة ولأن عدد المصلين منهم كانوا أقل، فقد نشأت تلك العلاقة الوطيدة التي جمعت ثلاثة منا برابع هو الشهيد علي رحمه الله.

"
كرم الشهيد كان لا مثيل له، ورغم كل محاولاتنا المستميتة للمشاركة في دفع ثمن الطعام في هذا المطعم أو ذاك، فإنه كان يرفض رفضاً تاماً
"
كنا نتناول الطعام سوياً، نتحاور ونتسامر أيضاً، ويشهد الله أن كرم هذا الرجل كان لا مثيل له، ورغم كل محاولاتنا المستميتة للمشاركة في دفع ثمن الطعام في هذا المطعم أو ذاك، فإنه كان بشدة وصلابة العربي الأصيل يرفض رفضاً تاماً، اللهم إلا في مرات قليلة "غدرناه" فيها، لكنها كانت تلك المرات التي عاتبنا ولامنا فيها بحزم الأخ الأكبر وحنين الأب.

قبل انطلاق الرحلة البحرية بيوم واحد، صدر تهديد صريح من وزارتي الدفاع والخارجية الإسرائيليتين بأن ما يسمى بقوات الدفاع ستعترض السفينة التي كانت في حقيقة الأمر يختاً بحرياً صغيراً، وأنها ربما تطلق النار أو غيره من وسائل التهديد.. ليلتها جلس المشاركون ومنهم الشهيد علي رحمه الله ليتدارسوا الاحتمالات وكيفية التعامل معها، خاصة إذا ما أصيب أو قتل أحد المشاركين.

في ذلك الاجتماع وبرباطة الجأش المعهودة وبيقين وإيمان المؤمن بقدره، كان الشهيد رحمه الله يبتسم، ثم يزيد من ابتسامته لتصبح أقرب إلى الضحكة الخفيفة، ليقول: وهل هناك أفضل من مياه أو أرض فلسطين لنستشهد عليها؟! نعم كان مدركاً تمام الإدراك خطورة مهمته، وكان يعلم علم اليقين أن آلة التصوير التي يحملها هي سلاحنا الوحيد إن وقعت الواقعة، لكنه كان سعيداً بتلك المهمة، وأكثر سعادة لأنه متجه نحو غزة أرض العزة.

انطلقنا مع مغيب الشمس وساعدناه رحمه الله في حمل الكاميرا ومتعلقاتها، ولم يتوقف لحظة عن توثيق كل حركة وهمسة، ودخلنا جميعاً إلى ذلك اليخت الصغير الذي حمل ما يزيد عن عشرين مشاركاً رغم أنه في الأحوال العادية يتسع لستة فقط.

كانت ليلة عاصفة ذات أمواج عاتية، تلاعبت بنا وكأننا ريشة في مهب الريح، ولن أنسى كيف وقفنا على سطح المركب بعد غروب الشمس لصلاة المغرب والعشاء جمعاً وقصراً.. كنا أربعة نتدافع ونتساقط لعدم قدرتنا على الوقوف في وجه الحركة القوية والمتزايدة لليخت، وكان علي رحمه الله أمتننا بنية وكان يقف على الطرف كصخرة قوية نصطدم بها مع كل اهتزازة لليخت.

نحو 15 ساعة قضيناها في مياه البحر المتوسط، نسترخي من الإعياء تارة ونقف تارة أخرى، لا مكان للنوم.. كانت أكتاف بعضنا مساندنا، وكان من بينها كتف علي رحمه الله. صلاة الفجر كانت مختلفة، لم يكن هناك مجال للصعود إلى ظهر السفينة، كانت العاصفة على أشدها، فصلينا جلوساً ومع ذلك كنا نترنح، وما كنا لننتهي من أمر إلا ونجده رحمه الله يدير آلته لتصوير وتوثيق ما يحدث، لقد كان مهنياً من الطراز الرفيع، محباً لعمله متقناً له.

"
تحدى المحتل بعدسته، وصوّر وجهه القبيح، مقبلا غير مدبر، فرحاً بأنه يصنع التاريخ، جندياً مجهولاً لا يبتغي إلا رضا المولى
"
مع دخولنا مياه غزة بدأت بحرية الاحتلال ممارسة عربدتها المعتادة بالاقتراب من اليخت والدوران حوله، ومن ثم الذهاب والعودة من جديد، ومع تلك اللحظات العصيبة وفي ظل التهديدات المسبقة باقتحام اليخت واعتقال المشاركين في رحلة الكرامة، لم يكن علي الجابر إلا فلسطينياً حقيقياً، هو قطري نعم لكنه في ذلك الموقف كان فلسطينياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وقف على جانب اليخت وقد هدأت الأمواج بعض الشيء شاهراً كاميرا التصوير في وجه عربدة المحتل، متجاهلاً كل نداءات الدخول من قبل الأجانب المشاركين، كان جريئاً وشجاعاً، والأهم مؤمناً بأن لكل أجل كتابًا لا يستقدمه ولا يستأخره.

تحدى المحتل بعدسته، وصوّر وجهه القبيح، مقبلا غير مدبر، فرحاً بأنه يصنع التاريخ، جندياً مجهولاً لا يبتغي إلا رضا المولى سبحانه.

قضينا أيامنا الثلاثة في غزة، كان علي رحمه الله يتنقل من مكان إلى مكان، احتفوا به في مقر الجزيرة بغزة، جال في شوارعها، وزار معبرها المغلق الذي أجبرنا على ركوب البحر، وصولا إلى حدود غزة الشرقية مع باقي فلسطين، دخل المخيمات، التقى القيادات، كان كنحلة لا تتوقف، لا أذكر أي موقف لم يكن عليّ فيه، وكأنه لا ينام!

عدنا عبر البحر من جديد، عدنا بفرحة وسعادة غامرة بعدما حققنا الهدف من رحلة الكرامة، متحدين حصار الاحتلال وجبروته، لكن مهمة علي البشوش دائماً لم تكتمل، كان لا يزال يرصد ويسجل بعدسته كل شاردة وواردة، يسجل لحظات الوصول إلى قبرص، والترحيب بنا من الجاليات العربية هناك، يسجل ابتسامات وضحكات المشاركين وهم يدخلون ويخرجون، كان علي دائماً أمام الجميع.

كان آخر عهدي به رحمه الله عندما نقل الصور الثابتة التي التقطها إلى حاسوبي المحمول، هذه الصور التي عدت إليها أول أمس وعند سماع نبأ استشهاده لأجمع أفراد عائلتي وأقول لهم، هذا هو الشهيد في طريقه إلى غزة، في غزة نفسها، وعائداً منها، ورغم قلة صوره بشكل عام فإنني ومن قبيل الصدف ولحسن حظي أحمل له في ذاكرتي وذاكرة جهازي العديد من الصور رحمه الله، فقد تشرفت برفقته وتعلمت منه، لأودعه اليوم بهذه الكلمات التي لن توفّيَه حقه.

"
تحية لك أخي الحبيب علي حسن الجابر، رحمك الله وتقبلك وغفر لك ولنا، كنتَ خير رفيق في الدنيا، ونسأل الله أن نترافق في الآخرة بإذنه تعالى
"
كعادته صديقاً وأخاً كان يودع الجميع، ولم أكن الاستثناء، خرج حتى باب سيارة الأجرة، مازحني وعانقني بحرارة هو وزميله من طاقم الجزيرة أمير، سألني ممازحاً عن الكنافة العربية التي يشتهر بها أهل غزة، وقد أتيت ببعضها من غزة، وبكل محبة ومودة اقتسمتها بينه وبين أمير قائلاً لولا وجودكما وتغطيتكما لتلك الرحلة وهذا التحدي، لما كان له معنى أو طعم، ويشهد الله أني عنيت كل حرف قلته.

لم أره بعدها إلا على شاشات التلفاز وقد سقط شهيداً في موقع آخر ومكان آخر، سابق الجميع ليكون فيه مسجلاً وبعدسته الحدث، لكنه كان هذه المرة هو نفسه الحدث بعدما أصابته ثلاث رصاصات غادرة.

حزنت وتألمت لكني دعوت له فرحاً بأن المولى عز وجل قد اصطفاه ليكون شهيداً، نحسبه كذلك، نعم سقط شهيد الواجب علي حسن الجابر بعدما طاف مشارق الأرض ومغاربها بعدسته، سقط برصاصات في ظهره، رغم أنه ما كان ليقف إلا مواجهاً لمن أمامه، رحل عن دار الفناء غلى دار البقاء، وعرفه العالم بأسره بعدما كان جندياً مجهولاً.

تحية لك أخي الحبيب علي حسن الجابر، رحمك الله وتقبلك وغفر لك ولنا، كنتَ خير رفيق في الدنيا، ونسأل الله أن نترافق في الآخرة بإذنه تعالى.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك