عمر كوش

عمر كوش

كاتب وباحث سوري


الواقع والحدث
الأفق الوطني
ضرورة التغيير

لعل من أولى ثمرات الثورات العربية في تونس ومصر وليبيا وسواها، سقوط المقاربة الثقافوية التي سوّقتها -على مدى عقود عديدة- أوساط فكرية وثقافية غربية، ورددتها بعض الأوساط الفكرية والثقافية العربية، وأشاعت أفكاراً ونظريات وأطروحاتٍ، أجمعت على أن المجتمعات العربية تمتلك خصائص وطباعا معينة وثابتة تجعلها مختلفة عن جميع المجتمعات البشرية الأخرى، وأن الشعوب العربية لها قوانين تغيّر وتطوّر لا تشارك بها قوانين التغير والتطور المطبقة على الشعوب الأخرى، وأطلقت هذه الأطروحات والآراء ما كان يسمى "الاستثناء العربي".

وقد ضرب ما جرى في تونس ومصر وليبيا وغيرها، عرض الحائط بجملة المقولات الثقافوية والماهوية والجوهرانية التي نهضت على تلك الخصوصيات الدينية والثقافية، وأسالت حبراً كثيراً في الكتابة عن الاستعصاء العربي حيال الديمقراطية والحرية وممانعة الحداثة، وعن الخنوع والذل، بل والرضا العربي بالاستبداد والمستبدين، والاستئناس بالظلم والظالمين.

"
قدمت ثورات الشعوب العربية للعالم مثالاً جديداً للنضال الشعبي ضد الاستبداد والتسلط، وللخلاص والانعتاق والتوق إلى الديمقراطية والعيش الكريم
"
الواقع والحدث
لقد فاجأت ثورات الشعوب العربية أصحاب المقاربة الثقافوية، فكان معظمهم متحفزاً ومستفزاً من تحول الحركة الاحتجاجية إلى ثورة مدنية سلمية وعارمة، أفضت إلى أن النظام القمعي والتسلطي الذي بني منذ 23 عاماً في تونس انتهى خلال شهر واحد، بينما لم يحتمل النظام المصري الذي يمتد إلى ثلاثة عقود أكثر من 18 يوماً، وما زالت الثورة الليبية متقدة منذ 17 فبراير/شباط الماضي.

وقدمت ثورات الشعوب العربية للعالم مثالاً جديداً للنضال الشعبي ضد الاستبداد والتسلط، وللخلاص والانعتاق والتوق إلى الديمقراطية والعيش الكريم. لذلك كان بعضهم مندهشاً مما حدث، ومستاءاً لسقوط معتقداته وأفكاره التي صورت الإنسان العربي بوصفه كائناً دينياً ماضوياً وتقليدياً وممانعاً للحداثة وقيمها.

ولم ينتبه أصحاب المقاربة الثقافوية إلى ما يختزنه الواقع المعاش في البلدان العربية من مشاعر ومكنونات وطاقات، مع أنها كانت تتفجر على مرأى من عيونهم في أشكال مختلفة من الحراك الاجتماعي والسياسي الذي قمع في أكثر من مناسبة، وكان يتمخض في كل مرة عن أزمة عاصفة تثبت وجود قوى حية تنشد التغيير نحو الأفضل، لكن القمع كان أكبر، ومع قمع الحراك كان التسلط يزداد والظلم يكثر.

ولم يكن عالم المقاربات الماهوية يفتقد إلى المنهجية اللازمة، لكن النظرة الثقافوية والعنصرية كانت هي الغالبة، وكانت تحجب مفاعيل ومسببات الحراك العربي، الأمر الذي كشف عن مشكلة أيدولوجية تحجب إمكانية معرفة القوى التي كانت ترفض التغيير والإصلاح، وتحاول الالتفاف على المطالب الشعبية مع كل أزمة وعاصفة تغيير.

وأفضى الحدث في مصر وتونس عن صور وأقلمات جديدة للإنسان الفرد والجماعة، حيث أظهر أفضل ما لدى شعوبنا من قيم ومثل في الانضباط والتعاون والتعاضد وقبول الآخر، ودفع إلى واجهة الحياة العامة جيلاً جديداً من السياسيين والقادة الميدانيين الذين قادوا ونظموا المظاهرات والاحتجاجات، وشكلوا اللجان الشعبية في الأحياء لمواجهة حالة اللانظام والفوضى، والتصدي للبلطجية والحرامية والعابثين بأمن الناس وممتلكاتهم وأرواحهم، لذلك لم يتوقف الحراك الاحتجاجي على أوساط الشباب، بل توج ثورة شاركت فيها مختلف فئات الشعب المصري، وامتدت إلى مختلف المدن والبلدات والقرى البعيدة عن المركز، وانتقل صداها إلى مختلف البلدان العربية، من الأردن إلى البحرين إلى ليبيا وصولاً إلى الجزائر والمغرب، وتعداها جميعاً ليصل إلى إيران، وستصل إرهاصاتها وتداعياتها المزلزلة إلى كافة الشعوب التي تتطلع إلى الحرية والاستقلال والعدالة الاجتماعية.

لا شك في أن كتابات وأبحاثا جديدة وعديدة ستكتب عن الثورات في مصر وتونس وليبيا، وستهتم جامعات ومراكز أبحاث عديدة بدراسة المكونات والأسباب والتفاصيل والشعارات التي رفعت والإرهاصات والمفاعيل التي لا يعرف أحدٌ أين ستصل وأي البلدان ستطال في الأيام القادمة.

وقد بدأت تتزايد الكتابات والدراسات العربية والدولية الساعية إلى معرفة دوافع وأبعاد الثورات في مصر وتونس وليبيا، لكن كثيرا من التعجل والقصور أصاب قسماً منها، نظراً لصدورها عن منطق الأدلجة الذي ثبت تقادمه وبطلانه في فهم الأحداث وتفسيرها بعيداً عن الخطابات المتكلسة للقوى والأحزاب العربية التي برهنت الأحداث تجاوزها وبعدها عن الواقع في مصر وتونس وسائر البلدان العربية الأخرى.

يضاف إلى ذلك غلبة السمة التبريرية على بعض الكتابات التي ما زالت تعزف على وتر الخصوصية التونسية والمصرية، الساعية إلى فصل تونس ومصر عن فضائهما الإقليمي والحضاري. كما أن بعض الكتابات راحت تمجد وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة، خصوصاً الفيسبوك وتويتر، وتضخم من دورها في الحراك الاحتجاجي، رغم أهميتها.

"
يخطئ من يبشر بشرق أوسط إسلامي أو بدولة إسلامية، لأن الشباب التونسي والمصري أعطى الأولوية لمكانة بلديهما وكرامة المواطن وحريته وعيشه
"
الأفق الوطني
روّج أصحاب المقاربات الثقافوية والأنثروبولوجية أفكاراً تسم الثقافة العربية بالسمة الدينية، حيث كل الشعوب العربية تأسرها محددات الدين الإسلامي وشريعته، بوصفه ديناً كليانياً وشمولياً يقيد الإنسان العربي، بصرف النظر عن موقعه الاجتماعي وتحصيله العلمي وأفكاره، كونه مقيداً بسلوك محدد وثابت لا يتغير حتى لو ولد وعاش في أي بيئة كانت، والأهم هو وجود عقل عربي تراثي، اجتهد عديدون في نقده ونقد طبقات التراث المتراكمة فوقه، التي تمنعه من التفكير العقلاني ودخول الحداثة، وتجعله فرداً مستلب الإرادة الحرة والفرادة، لأنه مجرد رقم في جماعة غير مدنية تمتلك خصوصية تؤثر على سلوك أفرادها وثقافتهم وتصرفاتهم الاجتماعية، نظراً لأنها تقليدية وتسيطر عليها المشاعر والواجبات الدينية، الأمر الذي يجعلها تعيش في مجتمعات مغلقة لا تتواصل مع عالم اليوم ولا تتفاعل مع حضارة العصر، وتفتقد معنى الحرية ولا تعرفه، ولا تعني لها الديمقراطية شيئاً، لأن همها هو تطبيق الشريعة الإسلامية كي تؤمّن خلاصها الأخروي.

غير أن الثورات العربية أظهرت أن الإنسان العربي يختلف عن ما خطته الأطروحات الثقافوية، وله مطالب اجتماعية وسياسية، مثله مثل سواه من البشر في عالم اليوم، وأن الإسلام أحد مكونات شخصية الإنسان العربي، وليس المكون الوحيد والحاسم، وفندت المقولة التي تدعي أن الإنسان العربي لا يغادر الحيز الماهوي المرسوم له بالانتماء المذهبي والطائفي والجهوي، وفندت أيضاً مقولة تدعي بأن الحركات الإسلامية هي من يمتلك القوة الأيدولوجية والتنظيمية القادرة على تحدي الدولة القمعية والسلطوية، وبيّنتا حقيقة وضع الإسلاميين في كل من المجتمع التونسي والمصري، وحجمهم ووزنهم الحقيقي في الساحة السياسية، حيث يمكن القول بأن الإسلاميين لا يسيطرون -كما كان يشاع- على الشارع في أي بلد عربي، ولا يشكلون أغلبية الناس، بل هم قوة سياسية موجودة ولها اعتبارها، ويتحدد تأثيرها بمقدار اقترابها من نبض الشارع ومطالبه، مثلها مثل سائر القوى السياسية الأخرى التي أظهر الحراك الشبابي الاحتجاجي هشاشتها وضعف تأثيرها، وهو ما يفسر مشاركاتها في الثورات على مستوى الأفراد، وسيرها خلف مفردات وشعارات الخطاب الشبابي، التي تركزت حول وطنية جامعة لكافة الفئات، وتطالب بالديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة.

وكشفت أحداث الثورة في تونس ومصر زيف ورقة "الإسلاميين" التي كان يستخدمها النظام التسلطي العربي كفزاعة لتخويف الإدارات الأميركية والغربية، ويجعلها تدعمه لمواجهة ما سمي "الخطر الإسلامي"، ولكي تكف في نفس الوقت عن مطالبته بالإصلاحات السياسية، بما فيها إجراء انتخابات حرة وإقرار التعددية السياسية والممارسة الديمقراطية وإلغاء الأحكام العرفية ورفع حالة الطوارئ.

ولا شك في أن الساسة والمسؤولين في الولايات المتحدة والغرب كانوا يعون جيداً زيف هذه الإدعاءات ولا يجهلون مرادها، لكنهم كانوا يقرون بها وكأنها حقائق ثابتة وجوهرية.

ويمكن القول إن الأفق الذي تنتسب إليه ثورات الشعوب العربية أفق وطني سياسي واجتماعي، وليس إسلاميا سياسيا، وبالتالي يخطئ من يبشر "بشرق أوسط إسلامي" أو بدولة إسلامية، لأن الشباب التونسي والمصري أعطى الأولوية لمكانة بلديهما ولكرامة المواطن وحريته وعيشه، وقام بحراك سلمي دون عنف أو استخدام السلاح، وانحصرت مطالبه السياسية في إقرار الديمقراطية والتعددية وإلغاء حالة الطوارئ وتعديل الدستور ومكافحة الفساد، وكل ما يصب في سياق إرساء دعائم جمهورية ديمقراطية دستورية وعصرية.

وأثبتت الأحداث الأخيرة أن أوساطاً عديدة لم تكُ تتوقع أن ينتفض الشعب المكبوت والمقموع، ويقدم مثالاً للتضحية بكل ما لديه كي يحقق طموحاته التي يسعى إليها في العيش بكرامة وبدون خوف، وأن يحقق مواطنته بما تقتضيه من حقوق وواجبات، والأهم هو أن يقف الشعب شامخاً وأعزل بدون سلاح، ويقدم مثالاً للحراك المنظم والسلمي، ولا يتوانَ عن امتلاك مختلف سبل الصمود والمقاومة المدنية والتصميم على تحقيق أهدافه ومطالبه.

"
ينبغي على الأنظمة التسلطية العربية أن تعي تماماً الدرس الذي يفيد بأن ما كان محرماً من قبل قد انكسر، حيث بدأت الشعوب العربية كسر حاجز الخوف وتجاوز المحرمات واجتياز الخطوط الحمراء
"
ضرورة التغيير
لقد ظهر جلياً أنه بالرغم من أن الأنظمة الاستبدادية حاولت أن تبث الخوف والعجز والخضوع واليأس لدى الإنسان العربي من خلال مصادرة قراره وحجز حريته، وإخضاعه لسطوتها وتدجينه، وتغييب الفرد الحر بين جموع "الرعايا" أو "الجماهير" الساكنة على الدوام، والمتحركة أحياناً حسبما تريده الأنظمة، إلا أنها لم تتوقع أن يخرج الإنسان العربي من ضباب الاستبداد والاضطراب كي يقارعها ويهزّ أبنيتها، بعدما اكتسب القدرة اللازمة لتأكيد استقلاليته، وراح يسخر إمكانيات التواصل الاجتماعي الذي توفره التقنيات الحديثة كي يعبّر عن ذاته عبر أرضيات بالغة الاتساع ومترامية الأطراف.

لذلك ينبغي على باقي الأنظمة التسلطية العربية أن تعي تماماً الدرس الذي يفيد بأن ما كان محرماً من قبل قد انكسر، حيث بدأت الشعوب العربية كسر حاجز الخوف، وتجاوز المحرمات واجتياز الخطوط الحمراء، وبالتالي فإن الأجدى أن تدرك الأنظمة العربية ضرورة التغيير وبما يتفق مع مطالب القوى الوطنية المعارضة.

والمطلوب أن تبدأ سائر الأنظمة تهيئة المناخ للتغيير الديمقراطي السلمي عبر إلغاء حالة الطوارئ والقوانين والمحاكم الاستثنائية، والإفراج عن كافة معتقلي الرأي والسجناء السياسيين، أولئك الذين وجهت ولفقت إليهم تهماً باطلة، أو لم توجه لهم أي تهمة ولم يفرج عنهم.

وكذلك عبر تشريع التعددية الحزبية والتداول السلمي للسلطة، وضمان حرية التظاهر، وعقد الاجتماعات العامة، وإلغاء كافة القوانين التي أدت إلى حالة من الجمود والانسداد السياسي.

ولا يزال هناك متسع من الوقت للعمل على ترجمة هذه الضرورة إلى ممارسة، قبل أن تأتي ساعة لا ينفع فيها الندم، ولا القول بفهم ما تريده الشعوب.

المصدر : الجزيرة