زياد منى

زياد منى

كاتب فلسطيني


سألني بعض الأصدقاء عن سبب أو أسباب عدم الكتابة عن الانتفاضات والثورات التي شهدتها بلادنا منذ ثورة تونس البوزيدية، ثورة الجياع والمهمشين والمضطهَدين، ثورة الشعب التونسي العظيم، من دون أن يعني ذلك أني من المكثرين في الكتابة ولا أتجنب الظهور على شاشات التلفزة.

لكن سبب عدم خوضي في الكتابة عن هذه الأحداث العظيمة لم يكن انعدام الرغبة، وإنما كبر الأحداث وتجاوزها كل الكتابات، فقد جلست متسمرًا أمام الشاشة الفضية أتابع السمع والنظر، من خلف عينين دامعتين، لصراخ الملايين من جماهير أمتنا المظلومة، مطالبة بالحرية، مستحضرًا روح أواخر ستينيات القرن الماضي وسبعينياته، عندما كانت الشبيبة في أوروبا وفي بلادنا تتظاهر ضد الاستعمار والاستغلال والاضطهاد.

هل كل ما يحدث مفاجأة؟!

"
الشعب المصري كان الأكثر معرفة بنفسه وثقة بقدراته، وهو الذي لم يحِد قيد أنملة طوال أيام انتفاضته المجيدة عن مطلبه الأساسي بإسقاط النظام حتى حققه
"
أذكر أني عندما كنت في قاهرة المعز لدين الله في العام الماضي سألت زميلة مصرية مناضلة اسمها رابعة فهمي، كانت ضابطة في القوات المسلحة المصرية، وحاليًا محامية وعاملة في مجال حقوق الإنسان، اشتهرت عالميًا من خلال تعرض المباحث المصرية لها بالاعتداء الجسدي على نحو قبيح دنيء وأمام عدسات المصورين أثناء مشاركتها في حملة "كفاية".. سألتها عن آخر الطُرف الشعبية عن النظام، فأجابتني قائلة: ما فيش نكت جديدة.. النظام ده عبيط.. الشعب مش قادر يتحمل أكثر من كده، وبدل ما يعمل نكت حينزل الشارع.

ما أقصده أن الشعب المصري العظيم، العربي الأصيل، الطيب والمتسامح إلى درجة تستفز كثيرين، كان الأكثر معرفة بنفسه وثقة بقدراته، وهو الذي لم يحد قيد أنملة طوال أيام انتفاضته المجيدة الثمانية عشر عن مطلبه الأساسي "الشعب يريد إسقاط النظام" حتى حقق مطلبه.

فقط الملتحم بشعبه، والمدرك لوعيه وأحاسيسه والعارف بنفسيته، القادر فعلاً على رؤية المستقبل.

لقد عشت "ثورات" كثيرة من قبل.. كنت في ألمانيا "الشرقية" عندما انقلب النظام، بفضل غورباتشوف أساسًا (إن كان من الممكن عد ذلك فضلا أساسًا). وكم كان بشعًا وهزليًا منظر أعضاء مكتب سياسي في الحزب الشيوعي السابق و"شيوعيين مخضرمين" على شاشات التلفزة الألمانية "الغربية" يحرضون على ما كانوا هم أنفسهم يقودونه ويدعون إليه.

شاهدت كيف تحوّل مقدمو البرامج التلفزيونية هناك، من أبواق النظام إلى مدافعين عن "الحرية والديمقراطية.. إلخ". مناظر قبيحة تمامًا تدعو إلى الرثاء أكثر منها إلى أي أمر آخر.

كأني كنت أرى فيلمًا مدبلجًا على نحو رديء ومزورًا، بعدما شاهدتُه من قبل بلغته الأصلية.

ورأيت الأمر ذاته يتكرر مع يساريين عرب تحولوا بين ليلة وضحاها إلى "يساريين تائبين" مدافعين عن الاحتلال الأميركي للعراق، وخدم مستوزرين لديه، أو مطبلين للرأسمالية المتوحشة منفلتة العقال في لبنان وغير لبنان.

والأمر ذاته يتكرر هذه الأيام، على نحو هزلي، بل على نحو محزن، في التلفزيون المصري الرسمي، حيث استحال أصحاب تلك البرامج دعاة ثورة بعدما كانوا طوال سنين مطبلين وراقصين يسبحون بحمد النظام اللامبارك.

أسيادكم في الجاهلية أسيادكم في الإسلام!

سيكتب الكثير عن هذه التمثيليات الرخيصة، والشعوب ستحاسِب.. على طريقتها.

والأمر نفسه تكرر على نحو مفجع في الساحة الفلسطينية. الانحدار لم يتوقف منذ مجازر سبتمبر/أيلول وأحراش جرش وعجلون في مطلع سبعينيات القرن الماضي، حتى السقوط المروع عندما التحق القسم الأكبر من "مثقفي" الثورة (المزعومة) بصارف معاشاتهم الشهرية.

"
السقوط الثقافي الذي تجذر في سلطة أوسلو الكاريكاتيرية كان مفجعًا على نحو غير مسبوق, فقد أدار مثقفو البلاط الفلسطيني ظهورهم للقضية الوطنية وصاروا يلهثون وراء المناصب والمنافع الشخصية
"
لم يكتب عن هذا، ربما من باب التقديس للقضية الوطنية الفلسطينية ولتفادي أي تحريض انتهازي عليها، لكن السقوط "الثقافي" الفلسطيني في أواخر السبعينيات والذي تجذر في سلطة أوسلو الكاريكاتيرية على نحو نهائي، كان مفجعًا على نحو غير مسبوق. فقد أدار مثقفو "البلاط" الفلسطيني ظهورهم للقضية الوطنية وصاروا يلهثون وراء المناصب والمنافع الشخصية.

هذه المهزلة تتكرر في هذه الأيام حيث تبرز أقلام مثقفي جماعة أوسلو الذين جفت أقلامهم لكثرة ما طبلوا وزمروا للسلام المزعوم، والذي لم يكن -كالعادة- أكثر من نفاق وقح للسلطة المتهالكة على الاستسلام لشروط العدو وبرنامجه الصهيوني.

هؤلاء هم أنفسهم الذين سكتوا عن اغتيال القيادة الفلسطينية الخائبة للفنان العالمي الكبير ناجي العلي، وسكتوا عن منع جماعة أوسلو كتبا تنتقدها، وشاركوا بمختلف الأساليب والطرق في تدمير مؤسسات شعبنا الثقافية والعلمية التي بنتها أجيال بالدموع والدماء، بينما سارعوا لاهثين إلى انتقاد حكومة حماس عندما منعت كتابًا عن القصص الشعبي الفلسطيني.

وها هم يُطلون علينا في هذه الأيام ليكيلوا المديح للثورتين التونسية والمصرية، بل ووصلت الوقاحة بالبعض إلى التوصية بأمكنة الثورات القادمة، إلا في المكان الذي يجب أن يكون محط اهتمامهم الرئيسي، ألا وهو الثورة على سلطة المقاطعة المتواطئة مع العدو والأنظمة العربية المتصهينة، والنظامان الساقطان كانا منها. بل تراهم بدلاً من ذلك يرفعون شعارات مستهلكة ومضللة تطبل على نحو موارٍ للسلطة الوهمية.

هؤلاء كانوا يتدافعون لحضور مؤتمرات وندوات ومهرجانات تهريجية تتستر بالثقافة والفن تعقدها تلك الأنظمة القمعية، لم تنتج أي فائدة للثقافة العربية، ولكنها ساهمت في تمكينها من الادعاء بأنها حريصة على الثقافة والعلوم في وطننا المنكوب بها وبأمثالها.

لقد ابتليت الساحة الفلسطينية بنكبات كثيرة، وفي مقدمتها زعاماتها التي لم تقد شعبنا إلا إلى الهزائم والنكبات اللامنتهية، وابتليت أيضًا بطبقة مثقفين انتهازيين واسعة توظف قضية فلسطين -قضية العرب الأولى- لتسويغ استسلامها المذل لشروط العدو وبرامجه العنصرية، والعمل مستخدمة لدى سلطة وهمية، متهالكة على طلب رضا العدو، ومتفننة في محاولة الحصول على إعجابه بها.

"
ابتليت الساحة الفلسطينية بنكبات كثيرة، في مقدمتها زعاماتها التي لم تقد شعبنا إلا إلى الهزائم والنكبات اللامنتهية
"
يا ثوار تونس ومصر..

يا من أعددتم "قوائم العار" من الفنانين والمثقفين الذين وقفوا ضد طموحاتكم وانتفاضاتكم وثوراتكم..

يا أبطال الثورات القادمة في عالمنا العربي المنكوب..

لا تصدقوهم.

مع أن كثيرا منهم تعلم صنعة الكلام والمداهنة.

أسماؤهم معروفة، ووجوههم كذلك.

فهل تودون أن نبوح بها؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك