ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني

 

لعلنا بهذا المقال نبتعد قليلا عن بؤرة الاهتمام الشعبي العربي، لكن فلسطين تبقى عنوان الصراع ومهوى أفئدة أبناء الأمة، كما أن فكرة هذا المقال تبدو أكثر قابلية للتنفيذ في ضوء التطورات العربية المتوالية من تونس إلى مصر إلى ليبيا واليمن وما سيتبعها.
 
في سياق محاولاتها الرامية إلى استيعاب الزلزال المصري وتداعياته على الوضع الفلسطيني، لم يتوقف رئيس السلطة الوطنية محمود عباس عند تغيير الحكومة (بنفس الرئيس بالطبع) من أجل لملمة الوضع الداخلي الفتحاوي الذي طالما شكا من تهميشه من قبل سلام فياض، ولا عند الدعوة إلى انتخابات رئاسية وتشريعية مبكرة من أجل إثبات شرعيته وإيمانه بأن الشعب (في الضفة والقطاع طبعا) يريده ولا يفكر في تفجير انتفاضة في وجهه، بل أضاف إلى ذلك أيضا الدعوة إلى انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني الذي تطاول عليه العمر، وهو بالطبع البرلمان الخاص بمنظمة التحرير التي ورثها (أعني عباس) مع عناصر تركة ياسر عرفات الأخرى (السلطة وحركة فتح).
 
"
الأصل أن تأتي انتخابات المجلس الوطني في سياق إعادة تشكيل منظمة التحرير لتمثل سائر الفلسطينيين في الداخل والخارج
"
من الصعب بالطبع فصل هذه الملفات عن تداعيات نشر الوثائق الخاصة بالتفاوض، بدليل استقالة أو إقالة رئيس دائرة المفاوضات الذي اعترف بمسؤوليته عن تسرب الوثائق، في أول اعتراف صريح وواضح بصحتها بعد أسابيع من المراوحة بين الإثبات والإنكار، وبين القول إنها تعرضت لتحريف من قبل الجزيرة.
 
نقول ذلك لأن نشر الوثائق كان فضيحة من العيار الثقيل رغم أنها لم تضف جديدا بالنسبة للمعنيين بالملف الفلسطيني، والسبب أن جمهور حركة فتح كان يعيش حالة إنكار (بعضه لا يزال) لما ورد فيها من حقائق، مصرا على ترديد ما يقوله زعماؤه من أنهم يتمسكون بالثوابت الفلسطينية المعروفة (ليس من بينها بالطبع 78% من أرض فلسطين التاريخية).
 
ومع أن عباس نفسه عاد واعترف بعدم إمكانية إجراء الانتخابات، مستندا -على ما يبدو- إلى ثقة شعبية يعتقد أنه حصل عليها إثر إصراره على عرض مشروع إدانة الاستيطان على مجلس الأمن رغم ضغوط واشنطن التي اضطرت إلى استخدام "الفيتو" ضد المشروع المتبنى عربيا.
 
رغم ذلك فإنه لا أحد من المراقبين المنصفين قرأ في الخطوات المشار إليها أي تعديل يذكر في المسار السياسي الذي تختطه السلطة، بما في ذلك دعواتها الجديدة للمصالحة، وصولا إلى التلويح بأخذ ملاحظات حركة حماس على الورقة المصرية في الاعتبار.
 
والأسباب واضحة كل الوضوح، في مقدمتها أن هؤلاء الذين يعيشون على المعونات الخارجية التي لا تتدفق إلا بإذن الاحتلال، ويتحركون ببطاقات "في.آي.بي" التي يمنحها لهم، هؤلاء ليس لديهم سوى مسار سياسي واحد، حتى لو تضمن القدرة على رفض تقديم كامل التنازلات التي يريدها الإسرائيليون.
 
إن أي مصالحة يتحدثون عنها، وأي مسار سياسي يمضون فيه، لن يغادر مربع الوفاء لشروط السلطة والبرنامج الذي أنشئت من أجله، والمطلوب تبعا لذلك هو جرُّ حماس إلى ذات المربع عبر صيغة انتخابات ليس مسموحا أن تفضي بأي حال إلى نتيجة كتلك التي أفضت إليها انتخابات 2006.
 
وبعد ذلك تتواصل اللعبة القائمة حاليا ممثلة في برنامج التنسيق الأمني الذي يشرف عليه الجنرال مايكل مولر (خليفة كيث دايتون)، والذي ينقل صلاحيات الأمن إلى السلطة في المدن الفلسطينية تباعا، وصولا إلى دولة الجدار الأمني التي ستسمى مؤقتة لن تلبث أن تتحول إلى دائمة ذات نزاع حدودي مع جارتها، ربما مع بعض التعديلات الطفيفة، وإذا أبدع القوم وتوصلوا إلى اتفاق فيمكن عرضه على الناس في الضفة والقطاع من خلال استفتاء، الله وحده يعلم كيف سيجرى من أجل ضمان نتيجته لصالح الاتفاق.
 
"
التحدي الأهم الذي يواجهه الفلسطينيون اليوم هو المتمثل في وجود قيادة موحدة تمثلهم حق التمثيل وتنطق باسمهم في سائر المحافل
"
يحدث ذلك رغم دخول قادة السلطة في ورطة كبيرة بعد الذي جرى في مصر، لكنهم قوم لا ييأسون. ولعلهم يحاولون تجنب الأسوأ عبر مناوراتهم تلك، وهم عموما يدركون أن انتخابات رئاسية وتشريعية لن تكون مقنعة (بفرض أن تكون ممكنة) في ظل الانقسام، أما انتخابات المجلس الوطني فهي حكاية أخرى.
 
نتذكر أن هذا الملف كان جزءا من التوافق الذي تم بين الفصائل فيما عرف باتفاق القاهرة 2005، لكن "جماعة رام الله" ما لبثوا أن ألقوا به في سلة المهملات، ولولا التطورات المصرية لما تذكروه على هذا النحو العابر، وهو نسخ الآن بعد تجاوز الانتخابات الأخرى لعدم الإمكانية التي لم يكونوا يجهلونها عندما أعلنوا نيتهم إجراءها.
 
والأصل بالطبع أن تأتي انتخابات المجلس الوطني في سياق إعادة تشكيل منظمة التحرير لتمثل سائر الفلسطينيين في الداخل والخارج، وينص الاتفاق (اتفاق القاهرة) على إجراء الانتخابات بين الفلسطينيين حيثما تيسر ذلك، وتعيين الأعضاء بالتوافق بين الفصائل من خلال آليات معينة في حال تعذر إجراء الانتخابات في بعض الدول.
 
والحق أن قضية انتخابات المجلس الوطني ينبغي أن تكون شأنا خاصا لا صلة له بأي ملف آخر، ذلك أن التحدي الأهم الذي يواجهه الفلسطينيون اليوم هو المتمثل في وجود قيادة موحدة تمثلهم حق التمثيل وتنطق باسمهم في سائر المحافل، والأهم تحدد مسارهم السياسي، لا سيما بعدما ثبت أن السلطة لا تمثل الفلسطينيين، وهي حتى لا تمثل فلسطينيي الداخل.
 
وقد تأكد لجميع المنصفين أنها سلطة صممت لخدمة الاحتلال، وأنه ما لم تؤد انتخاباتها التشريعية والرئاسية إلى فوز الطرف الوفي لالتزاماتها في حماية أمن الاحتلال ورفض المقاومة والقبول بتسويات مشوهة أو المكوث في حالة مراوحة تخدم المحتلين، ما لم يحدث ذلك فسيجري الانقلاب على أي نتيجة أخرى كما حصل بعد فوز حماس.
 
السلطة في الضفة والقطاع يمكن أن تدار بالتوافق على نحو يجعلها سلطة إدارية لا تصطدم بالمقاومة إذا أمكن ذلك، أو تحل بناءً على توافق عام، وعموما يمكن تأجيل أمر التعامل معها إلى ما بعد حسم نتيجة القيادة الفلسطينية في الداخل والخارج، بمعنى أن تكون الانتخابات في الداخل للمجلس الوطني وحده (يمكن اعتبار الفائزين هم أعضاء المجلس التشريعي في حال الإبقاء على السلطة ومنحهم انتخاب الرئيس).
 
وهنا يمكن لحماس أن تقبل بإجراء تلك الانتخابات في ظل عدم الحاجة للمصالحة قبلها، اللهم إلا إذا أعلن "جماعة رام الله" يأسهم من برنامج التفاوض، وإمكانية قبولهم بمسار آخر للشعب الفلسطيني يؤدي إلى مصالحة شاملة.
 
"
الملف الفلسطيني اليوم دخل منعطفا جديدا لا يمكن معه استخدام ذات البضاعة القديمة، وإذا لم يفهم القوم ذلك، فسيكونون هم أيضا جزءا من تلك البضاعة التي لا بد من تغييرها لإطلاق المرحلة الجديدة
"
اليوم، وبعد التطورات الأخيرة في مصر، وتبعا لها عموم العالم العربي، ينبغي أن نعود إلى قضية القيادة الموحدة للشعب الفلسطيني بصرف النظر عن وضع السلطة التي يمكن التفكير لاحقا في إعادة النظر في طبيعة دورها، والهدف هو انتخاب قيادة فلسطينية تمثل الداخل والخارج وتقرر مسار الشعب الفلسطيني بشكل عام وليس في الضفة والقطاع فقط.
 
وفي ظني أن بالإمكان الضغط على كثير من الدول التي تؤوي اللاجئين الفلسطينيين بحيث تقبل بإجراء انتخابات في أوساطهم، لا سيما أن أكثرها معني بإثبات جديته في الحرص على حق العودة ورفض التوطين، مع أن سلطة رام الله هي التي ينبغي عليها أن تثبت ذلك بعدما كشفت وثائق التفاوض تضحيتها الكاملة بملف اللاجئين عبر تسولها إعادة مائة ألف منهم، بينما لم يوافق أولمرت إلا على خمسة آلاف، قبل أن تخبرهم تسيبي ليفني أن ذلك رأيه الشخصي، مضيفة بكل غطرسة وعنجهية أن عدد من سيعودون من اللاجئين هو صفر.
 
الملف الفلسطيني اليوم دخل منعطفا جديدا لا يمكن معه استخدام ذات البضاعة القديمة، وإذا لم يفهم القوم ذلك، فسيكونون هم أيضا جزءا من تلك البضاعة التي لا بد من تغييرها لإطلاق المرحلة الجديدة، وعنوانُها المقاومة ورفض المفاوضات العبثية ذات النتائج المعروفة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك