خالد المعيني

الاسم: خالد حمزة المعيني- المولد: 1960 بغداد - الحالة الاجتماعية: متزوج- التحصيل العلمي: دكتوراه فلسفة في العلوم السياسية - علاقات دولية


يتلخص أهم هدف من أهداف الحركة الوطنية العراقية في هذه المرحلة في مدى قدرتها على حرمان الاحتلال من تحقيق أهدافه السياسية، وراهنت الكثير من تجارب الشعوب المقهورة في مقاومتها للاحتلال على المطاولة والصبر فكثيرا ما تستجد وتنضج ظروف داخلية وخارجية ليست في الحسبان لتساهم في ترجيح كفة الشعوب في معادلة الصراع وتحقيق المعادلة التاريخية في حتمية النصر.

في العراق تم على مستوى الشق العسكري إنزال هزيمة مذلة وقاسية بقوات الاحتلال الأميركي وتم طي صفحته من خلال اعتراف إدارة الاحتلال بالهزيمة وإعلانه إستراتجية الهروب من العراق وجدولة انسحابه بتوقيتات محددة، وما ضعف وتأرجح حكوماته المتعاقبة وعدم استقرارها إلا انعكاسا حقيقيا لهذه الهزيمة واندحار المشروع الأصلي للاحتلال. هذا الأمر رتب على الحركة الوطنية العراقية مسؤولية ملحة للشروع دون إبطاء في آليات تصفية آثار الاحتلال السياسية وتراكماته المعششة في مفاصل العراق.

"
تدهور أوضاع الشعب العراقي المعيشية وتفاقم البطالة وحجم السرقات والنهب المنظم لثروات العراق الهائلة الذي تمارسه عصابات السلطة, قد يشكل بركانا لا تحمد عقباه ولا يمكن التحكم في انفجاره
"

وبعد ما يقارب ثماني سنين من عمر الاحتلال، ما هي المؤشرات الإيجابية في القضية العراقية عدا النصر العسكري؟

المؤشر الخطير الأول الذي يمثل نصرا لا يقل أهمية عن النصر العسكري يكمن في المستوى الاجتماعي وتحديدا في عودة الوعي العميق للشعب العراقي واستعادته لهويته ولحمته الوطنية بعد تساقط الادعاءات المزيفة وانتهاء مفعول المورفين الطائفي والعنصري.

ساعد في ذلك زيف ادعاءات التحرير التي حاول تسويقها عرابو الاحتلال وهم طبقة سياسية من شذاذ الآفاق ليست لديهم قضية في العراق يدافعون عنها سوى مصالحهم. هذه الطبقة تتراوح بين عملاء رسميين للاحتلال جاؤوا مع الدبابة الأميركية وبين انتهازيين وطفيليين التحقوا فيما بعد بعملية الاحتلال السياسية بدليل أن الأرض لم تهتز بعد تحت أقدامهم في المنطقة الخضراء على الطريقة التونسية والمصرية لكنهم شرعوا في تهريب أموالهم خارج العراق.

كما أن تدهور أوضاع الشعب المعيشية وتفاقم البطالة وحجم السرقات والنهب المنظم لثروات العراق الهائلة الذي تمارسه عصابات السلطة التي تطلق على نفسها صفة أحزاب قد يشكل بركانا لا تحمد عقباه ولا يمكن التحكم في انفجاره. فالشباب العراقي اليائس والمحبط الذي يمثل 50% من نسبة السكان ومعظمه دون سن العشرين ولم يعد لديه ما يخسره، يمثل خزانا متقدا للثورة.

وربما كان من حسن حظ الحركة الوطنية العراقية أن يتسابق جميع أيتام الاحتلال الأميركي دون هوادة إلى الاشتراك في غنيمة السلطة والحكومة، مما ترك الشارع فارغا لمزاولة نشاط من أي قوى وطنية صادقة لقيادة الشارع الذي يغلي بل ويبكي على قيادات وطنية ميدانية ومستقلة.

على المستوى الدولي والإقليمي يأتي اضمحلال الدور الأميركي في العراق وانحساره سياسيا على ضوء انهياره عسكريا ليشكل أهم ملمح في المشهد السياسي العراقي القادم وتأتي رياح الثورة العربية من تونس ومصر لتعيد من جديد الأمل والثقة في النفوس وتعيد بعضا من توازن القوة في المنطقة مقابل اندفاع الضغوط الأجنبية والإقليمية إلى العمق العربي نتيجة الفراغ الذي تركه العراق ومن قبله مصر لصالح إسرائيل وإيران وتركيا.

للشعب العراقي خصوصية لمن يريد استعارة نموذجي الثورة التونسية والمصرية، فعدا عن الاحتلال فإن التجانس سمة واضحة في نواة الثورتين، أما في العراق فكل شيء يخضع لحساسية مفرطة ومن يريد للحراك الشعبي العراقي والشعور العميق بالظلم أو الخداع الذي يوحد العراقيين هذه الأيام أن يبلغ مداه، عليه أن ينتقي أهدافه بدقة عالية ومدروسة وأن لا يرمي بها مرة واحدة، لأن الناس نتيجة المأساة وثقل المحنة سوف يسمعون هذه الأهداف لأول وهلة من خلال بطونهم وليس من خلال عقولهم، لذا فإن الأهداف المرحلية الحالية يجب أن لا يتعدى سقفها ما يشعر به المواطن مباشرة وينبغي على مخططي هذه الأهداف أن ينسجموا ويلتصقوا مع معاناة الناس وحرمانهم وأن يتنفسوا هواءهم.

"
تكمن خصوصية مزاج الشخصية العراقية في عفويتها وفطرتها البسيطة ومصداقيتها التي كثيرا ما يتمخض عنها سلوك عاطفي ومزاجي تصاحبه أحيانا بعض التقلبات
"

إن جدولة محسوبة للأهداف (تنطلق من نقص الخدمات وتفشي البطالة في وسط الشباب وملفات الفساد والفاسدين وتحسين مفردات البطاقة التموينية، وإطلاق سراح المعتقلين، وسن قانون فوري لرعاية ملايين الأرامل والأيتام، وزيادة رواتب المتقاعدين) هي الحزمة الأولى التي يجب التركيز عليها.

أما الأهداف على المدى المتوسط والأكثر عمقا فهي تلك الأهداف التي تتحسس خطورتها وتتفاعل معها شريحة المثقفين والشباب المتنورين الذين يدركون مدى خطورة هذه الأهداف وتأثيرها الفعلي والمحرك للتغيير الحقيقي في مستقبل العراق (مثل إلغاء الاتفاقية وطرد الاحتلال، وتعديل الدستور وإسقاط النظام السياسي للمحاصّة وتجريم كل من يتبناها ويروج لها، ورفض الفدرالية والحفاظ على هوية كركوك العراقية، ووقف التعامل مع صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وسن قانون للأحزاب والانتخابات، والمطالبة بتعويضات مادية ومعنوية جراء الغزو الأميركي البريطاني...).

تكمن خصوصية مزاج الشخصية العراقية في عفويتها وفطرتها البسيطة ومصداقيتها التي كثيرا ما يتمخض عنها سلوك عاطفي ومزاجي تصاحبه أحيانا بعض التقلبات، ولأن الشخصية العراقية عبر التاريخ ليست سهلة القياد، فإن خاصيتي النظام وشدة التنظيم فقط كفيلتان بإنجاز أهداف العراقيين وبإدامة زخم المطاولة لديهم، وهذا يقود إلى المفتاح الثاني الذي يتعلق بضرورة وجود هيكلية من نوع ما (إطار سياسي وطني) تقودها نخبة مسؤولة عن إدارة الأزمة وزخمها والمناورة بالإمكانات لحين تحقيق الأهداف، على أن يكون مثل هذا الإطار بعيدا كل البعد عن الطروحات الإيديولوجية المعقدة، وأن يكون إطارا بسيطا لكنه قادر على الإجابة عن كافة التساؤلات في عقول الناس ولديه القدرة على وضع حلول للتناقضات التي يعاني منها العراق، فالمظاهرات العفوية بالعراق لوحدها لا تكفي وقد تقود إلى الفوضى المجردة وتجهض الهدف الحقيقي من ورائها.

ومن خلال دراسة معمقة للمزاج الحالي للشعب العراقي ممزوجة ببعض الأهداف العقلانية يمكن صياغة الأهداف الرئيسية التالية لانطلاق الثورة العراقية المعاصرة:

أولا –إسقاط حكومة المحاصّة الطائفية التي خلفها الاحتلال في المنطقة الخضراء واستبدال حكومة كفاءات وطنية مستقلة بها.

ثانيا –محاربة الفساد ومحاكمة الفاسدين وملاحقة الهاربين منهم خارج العراق.

ثالثا –تقديم الخدمات الضرورية للشعب العراقي وتحسين مستواه المعيشي.

ولا يشكل كل الذي تقدم سوى نصف مقومات نجاح أي ثورة، أما نصف المعركة الثاني كما أثبتته التجربة التونسية والمصرية فهو من نصيب الإعلام وتحديدا فضائيات قوية مستقلة مثل قناة الجزيرة، فعناصر حاكمة مثل التحشيد وتحديد الأهداف وتطويرها وتسليط الضوء على الاعتداءات على المتظاهرين ما كان لها أن تأخذ كل هذا الحجم لولا ثورة الاتصالات والمعلومات.

فالشباب الذي يتماهى اليوم في الفضاءات الإلكترونية الافتراضية ممزوجا بهذه الشبكة من القنوات الفضائية تمكن من حشر الأنظمة السياسية رغم كل جبروتها في زاوية الحلبة وأسقطها بالضربة القاضية وحققت الشعوب من خلال ذلك نصرا وفوزا نظيفا في أوقات قياسية خارج كل التوقعات والحسابات المنطقية.

"
ملامح المرحلة الحالية بمحتواها السلمي المدني يجب أن تكون حضارية لا تراق فيها الدماء وتتحصن بالهوية العراقية الوطنية وتمتلك رؤيا وأهدافا واضحة المعالم وتقبل القسمة على جميع أبناء الشعب العراقي
"
إن مهارات إلكترونية مثل التصوير الدقيق العالي المستوى للحدث لحظة بلحظة وضغط الأفلام المصورة وإرسالها إلى الفضائيات عبر منظومات الإنترنت المتنقلة كفيلة بأن يجعل ليل الأنظمة الدكتاتورية أطول من المعتاد وأشد ظلاما وأحلامهم كوابيس مفزعة.

خلاصة القول يمكن اعتماد المعادلة التالية التي تصلح ابتداء لانطلاق شرارة الثورة العراقية: (فكرة وأهداف واضحة + قيادات شابة ميدانية + شعارات مبسطة + إعلام = ثورة شعبية أكيدة). ومن شأن تكامل عناصر هذه المعادلة وامتلاك مفاتيحها استكمال ما بدأته المقاومة العراقية في المرحلة الأولى من الصراع، هذه المقاومة الباسلة التي أجهزت بدماء أبنائها البررة على مشروع الاحتلال في شقه العسكري وكبدته خسائر مادية وبشرية هائلة.

فاللحظة الحاسمة قد حانت والظروف قد نضجت لمباشرة المرحلة الثانية لكي يتم كنس ما تبقى من قمامة الاحتلال ورميها في مزبلة التاريخ وتصفية آثار الاحتلال السياسية والاقتصادية.

ملامح هذه المرحلة بمحتواها السلمي المدني يجب أن تكون حضارية لا تراق فيها الدماء وتتحصن بالهوية العراقية الوطنية وتمتلك رؤيا وأهدافا واضحة المعالم وتقبل القسمة على جميع أبناء الشعب العراقي، عندئذ يكون الشعب العراقي على عتبة تحقيق أهدافه الإستراتيجية والتحررية المتمثلة بتحقيق الاستقلال الناجز والحفاظ على وحدة العراق أرضا وشعبا وصيانة هويته العربية والإسلامية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك