جهاد صقر

جهاد صقر

جهاد صقر


 

لم يعد ميدان التحرير في قلب القاهرة مجرد خط دفاع أخير لآمال الشعب المصري في الحرية والتغيير، بل تحول ما بين يوم وليلة ليصير خط دفاع أخير -في المقابل- ليس فقط للنظام العربي أو كل ما يمت إلى الاستبداد والبلطجة والشمولية بصلة، بل وكل ما يمت للقوى الإقليمية والكبرى الداعمة في المنطقة من مصالح.

تبسطت المعادلة على لسان الثائر المصري في ميدان التحرير أكثر فأكثر وما دار بخلده أن تعبير الإرادة الهادر في عبارته الخالدة -التي تعلو فوق كل همجية وتخاذل وإرهاب وبلطجة- أن "الشعب يريد إسقاط النظام" تتجاوز أبعادها نظاما محليا متآكلا إلى رديف عربي ودولي... عبارة روتها دماء ثوار التحرير ورددتها حناجر الأطفال –بكل تأثر وعفوية- من المحيط إلى الخليج.

"
بين ليلة وضحاها يعود الفارس الجريح في ميدان التحرير لممارسة دوره التاريخي مدافعا عن آمال الشعب العربي في الكرامة والعزة والحرية, وفي الجانب الآخر من نفس الميدان نظام يبحث عن دور تاريخي
"
إذن بين ليلة وضحاها يعود الفارس الجريح في ميدان التحرير لممارسة دوره التاريخي مدافعا عن آمال الشعب العربي في الكرامة والعزة والحرية... وفي الجانب الآخر من نفس الميدان نظام يبحث عن دور تاريخي هو الآخر، وإن كان الدفاع عن كل أمل في الحياة لنظام عربي وإقليمي يبدو مترنحا هو الآخر.

صراع إرادات محلي وعربي وإقليمي ودولي بامتياز تلخصه قصة عنترة بن شداد والأعرابي السائل: "لماذا يقولون عنك إنك أشجع الناس؟"، فأجاب: "هات يدك وخذ يدي، وافعل مثلما أفعل"، فجعل كل منهما يعض إصبع صاحبه بكل قوته إلى أن صرخ الأعرابي من الألم: "حسبك". عندها قال عنترة: "ويحك.. لو صبرت قليلاً يا أخا العرب لصرخت قبلك".

وبما أن "النصر صبر ساعة"، تشترك نخب حاكمة عديدة في غير عاصمة -شرقا وغربا– مع عاصمة مبارك في شرم الشيخ وتل أبيب في الرهان على انهيار خط دفاع الشعب في ميدان التحرير -كما في قصبة تونس- بما يؤدي إلى كسر روح مقاومة وآمال شعوب المنطقة مستقبلا في بصيص من حرية أو نسمة لتغيير.

أمام مثل هذا التحدي، يدرك ثائر القاهرة –وتونس- أن التفريط في إنجاز حققه عبر كسر حاجز خوف وليّ أذرع بطش وقمع، يتجاوز محظور الانزلاق من النصر إلى الهزيمة صوب الانحدار إلى ما هو أدنى... إحباط ما قبل الثورة المتمثل في غياب كل أمل لإحداث التغيير.

صحيح أن هناك من لم يدرك بعد أن التاريخ قبل تونس والقاهرة هو غيره بعدهما، وأن إرادات الشعوب من بعد هي غير تلك التي كانت سائدة قبلها.. عدم الإدراك يؤدي إلى هدر الكثير من الوقت في التعويل على أمرين أساسيين هما:

• إنهاك المقاومة الشعبية وكسر إرادة الجماهير عبر الالتفاف على مطالب الناس وإجهاض ثورتها من خلال تكتيكات لكسب الوقت كتغيير أقنعة أو تقديم عروض ترغيب وترهيب وبلطجة، بما يعين النظام الحاكم على التقاط الأنفاس وإعادة سطوته بشكل يترحم معه المواطن على عهد من ولى وباد!

• تغليب العامل الخارجي -لا سيما الغربي والإسرائيلي– على الداخلي في تحقيق استقرار النظام، وذلك رغم انكفاء مثل هذا العامل الخارجي بالأمس عندما تعلق الأمر باستقرار تونس ولبنان على سبيل المثال. وبدلا من الدفع برموز طيبة السمعة مقبولة من أوساط المجتمع لقيادة مرحلة تغيير بالغة الحساسية، تفرض حميمية العلاقة إسرائيليا نفسها قاسما مشتركا بين غالبية المطروح من أسماء في مصر والأردن، مما يطرح الشكوك بشأن ما إذا كانت الرسالة إعادة إنتاج النظام السياسي نفسه دون تغيير في المحتوى، اعتمادا على شريك إقليمي في التسويق بما يخفف من ضغوط الخارج –إن لم يؤمن الدعم المطلوب على الأقل- (انظر تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو غداة المسيرة المليونية في ميدان التحرير والإسكندرية بأنه "إذا حل نظام متشدد محل الرئيس حسني مبارك مثلما حدث في إيران وأماكن أخرى، فيمكن أن تكون النتيجة لطمة للسلام والديمقراطية").

الظاهر للعيان أن رسالة الثوار في ساحات التحرير في كل مكان مفادها أن "الشعب يريد إسقاط النظام" تتجاوز رأس الرئيس أو تبدل الوجوه نحو الطلاق البائن –وبالعشرة- مع واقع ينتمي إلى الماضي بكل ما يلزم من اجتثاث لسياسات وأنظمة، والواضح أن عمليات الترقيع الجارية على مستوى غير النظام لا ترقى إلى الحد الأدنى من تطلعات الناس –سواء من نال شرف سبق الاشتراك في الثورة أو من ينتظره مثل هذا الشرف- نحو:

• الحرية.. حرية لا تقتصر على التعبير والتفكير واختيار الشعب ممثليه، وإنما أيضا حرية للأمة تصوغ مصيرها ومستقبلها بنفسها.

• الاستقرار.. استقرار في ميادين التحرير والعزة والرخاء، لا استقرار في قيعان التبعية والمهانة والتخلف.

• الأمن.. أمن للشعب والوطن من كل إرهاب وليس أمن النظام وأعوانه وشركائه الإقليميين أو الدوليين على حساب الوطن والمواطن، سواء كان هذا الأمن اجتماعيا أو سياسيا أو اقتصاديا أو عسكريا.

"
رسالة الثوار في ساحات التحرير في كل مكان مفادها أن "الشعب يريد إسقاط النظام" تتجاوز رأس الرئيس أو تبدل الوجوه نحو الطلاق البائن –وبالعشرة- مع واقع ينتمي إلى الماضي
"

في تحول شعار الثورة الخالد من "الشعب يريد إسقاط الرئيس" إلى "الشعب يريد إسقاط النظام" تطور عفوي في قناعات الثوار، مع التحسب والخشية من أن شخصنة النظام واختزاله في شخص واحد يجعل مجرد التخلص من شخص الرئيس امتصاصا غير مرغوب لاندفاع الثورة وزخم الشارع، ذلك أن التوقع السلبي المسبق لنتائج أي حوار عقيم مع فلول النظام يظهر حجم المخاطرة في إيقاف هدر الجماهير قبل بلوغه مداه، وهو إقامة نظام جديد –على أنقاض القديم- يلبي الحد الأدنى من تطلعات الجماهير... وهي الجماهير التي تستحق ما هو أفضل مما هو معروض من بضاعة كاسدة لإجهاض التحرير.

إن نموذج "شبيه أردوغان" المأمول شعبيا لقيادة التحول الديمقراطي المنشود هو بالتأكيد ليس ما تعرضه الأنظمة في هذه المرحلة وما يليها. وعندما يتنوع المرشحون للقيادة ما بين متورط -وفقا لتقارير المنظمات الحقوقية- في جرائم تعذيب وسجون سرية، ناهيك عن الجرائم ضد الإنسانية (كحصار غزة مثلا)، أو صاحب خبرة –وفقا لمنظمات المجتمع المدني– في تزوير إرادة الناخبين بما يتعارض مع المعايير الدولية للعملية الانتخابية، أو مجهض للحوار مقص للآخر -بما في ذلك أي توجه حضاري إسلامي ولو في العمل الخيري- المفاخر في نفس الوقت بقوة العلاقة مع الشريك الإقليمي المنطلق من أيديولوجيات دينية توسعية، أو مسقط لكل ورقة توت عندما يتعلق الأمر بنزاهة نفس أو نظافة يد... وكلها بدائل يتجاوزها قطار الثوار والثورة، وإن كانت أفضل ما ينجبه نظام المرحلة!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك