- صعود القومية العربية وانزواؤها
- تداعيات التغيير بين الشرعية الثورية والدستورية
- المغالبة السلمية ومغالبة العنف والقوة

اشتعلت مصر، ولكن ليس بسبب بفعل خارجي وإنما بسبب قوى الشباب المحتقنة التي تفتقت عنها زهور ربيع الحرية، ليتنسم شذاها كل الشعب العربي.

لم يكن لأحد أن يتنبأ بنهاية سعيدة لهذه العملية الخيالية الجريئة، فقد صمتت الشعوب العربية دهرا ونطق الشباب بعدها إيمانا بمطالبهم بأن ما بدؤوه لن يثنيهم عنه أحد.

مفتاح الحل لثورة 25 يناير تم صنعه على مدى ثلاثة عقود من الزمان تراكم فيها التهميش والقهر والفقر، وتهاوت سقوف الحريات، وتدهورت الحقوق.

لم ييأس الحداد ولم تلن إرادة الشباب عندما صمموا ويمموا وجوههم شطر ميدان التحرير. شباب من الطبقة الوسطى سلّحتهم الدولة بالعلم دون التنمية، فلم يكن أمامهم ما يخسرونه نتيجة هبتهم وانتفاضتهم في وجه النظام، فقبل أن تسقط الطبقة الوسطى التي تمثلهم إلى العدم، كانت لهم الكلمة الأولى، وكان استلهام تاريخ القومية العربية، التيار الأقوى في مصر الستينيات قبل أن ينزوي، ممثلة للشرعية الثورية ومجمعة لرأي الشعوب العربية من جديد حول مصر الثورة، في إعجاب حقيقي بالثورة وصناعها.

"
جرت الأحداث وتجلّت مظاهرها في ثورة 25 يناير كحدث عظيم هزّ الوطن العربي مجددا القومية العربية من شمال أفريقيا
"
صعود القومية العربية وانزواؤها
لم يكن الرئيس جمال عبد الناصر قائدا مصريا فقط وإنما كان زعيما عربيا، استطاع أن يمد نفوذه الفكري السياسي منذ أواسط خمسينيات القرن الماضي ليشمل الأمة العربية التي تعيش على أرض واحدة تمتد من الخليج إلى المحيط، لتصبح الناصرية بعد ذلك إستراتيجية سياسية تعبّر عن فكر عربي جديد وممثلة لطموحات الشعوب العربية.

في ظل الفراغ الفكري السياسي الذي كانت تعانيه الشعوب العربية في تلك الفترة، كان لا بد من الاجتماع على أساس المقومات الرئيسة للقومية العربية مثل: اللغة، والدم، والتاريخ، والأرض ، والآلام والآمال المشتركة، ومن ثم تحولت القومية إلى تيار شعبي عام بتبني عبد الناصر لها وتسخير أجهزة دولته لخدمتها.

وجدت الناصرية قضايا عديدة على الساحة السياسية العربية، فتبنت القضية الفلسطينية من منطلق انتماء الضمير العربي لهذه الهوية العروبية المشتركة. كما تبنت قضايا أخرى مثل تحرير الإنسان العربي من الخرافات والغيبيات ومكافحة الاستعمار الجديد الذي يتمثل في التخلف السياسي والاقتصادي والثقافي والتبعية السياسية للدول الغربية.

وبسبب قوة تيار الناصرية إزاء تيارات أخرى كالبعثية، أصبحت مصر الستينيات أم العرب التي تستلهم منها الدول العربية مشاعر النضال القومي، فتصاعد دور زعيمها القيادي لتدور الأقطار العربية في فلك فكرته، مما جعل معظم القضايا الوطنية الداخلية تتماهى في هذا الأفق القومي.

وبعودة عامل الهوية القومي مع استقلال البلدان العربية من قبضة الاستعمار، تجمعت كلها تحت ظله حاملة آمال وآلام القومية العربية، لتجعل من قضية فلسطين هدفها الأسمى، ولتصبح الثورة المصرية في يوليو/تموز 1952 هي النموذج الثوري في المنطقة العربية.

لم يدم الحال طويلا فقد خفت الصوت الجماعي العربي بموت الرئيس جمال عبد الناصر، وتم خنق ما تبقى منه بتوقيع خلفه الرئيس محمد أنور السادات على اتفاقية كامب ديفد في السبعينيات، فانزوت الأقطار العربية، كل منها انكب على قضاياه، وانفصلت عرى الالتزام الأخلاقي والعاطفي بقضايا العروبة الكبرى إلى الدرجة التي قام فيها الرئيس السوداني الأسبق محمد جعفر النميري بترحيل الفلاشا سرا من إثيوبيا عبر مطار الخرطوم إلى تل أبيب.

كل هذه العوامل أسهمت في بروز تيار قديم من جديد بعد أن تراجع لصالح تيار القومية العربية، وهو التيار الإسلامي الذي يرى أن الهوية يجب أن تتحقق على أساس الوحدة الإسلامية.

ثم جاء الرئيس محمد حسني مبارك بعد اغتيال السادات عام 1981، وبحضوره الرمزي فقط في الدوائر الأفريقية دون دور حقيقي، فقدت مصر ريادتها في الوسطين العربي والأفريقي.

واليوم يرجع جيل الشباب إلى جذور الفكرة القومية من لدن الآباء المؤسسين، فيلتفتون وراءهم فلا يرون غير سراب هذه الوحدة. ولكن جرت الأحداث وتجلّت مظاهرها في ثورة 25 يناير كحدث عظيم هزّ الوطن العربي مجددا القومية العربية من شمال أفريقيا.

"
عندما تنتفي شرعية الحاكم يحاول التشبث بالسلطة بكافة الوسائل، حتى ولو أدى ذلك إلى التحالف مع الشيطان نفسه
"
تداعيات التغيير بين الشرعية الثورية والدستورية
ما عانته مصر وتعانيه دول عربية كثيرة هو العلاقة المهتزة بين الحاكم والمحكوم، فبين ثنايا أنظمة مستبدة وشعب مذعور تتغلغل الأزمات.

أولى هذه الأزمات هي أزمة شرعية الحكم، فعندما تنتفي شرعية الحاكم يحاول التشبث بالسلطة بكافة الوسائل، حتى ولو أدى ذلك إلى التحالف مع الشيطان نفسه.

وقد رأينا بروز دور شياطين المال والأعمال في ظاهرة اقتران السلطة بالثروة كما في نموذجيْ تونس ومصر، وتحالف السلطة معهما لزيادة الأثرياء ثراءً والفقراء فقرا.

وليس هذا فحسب، وإنما تسخير الآليات الدستورية والقانونية والأمنية كذلك لحماية النظام، وتغييب مبدأ التداول السلمي للسلطة، ففي مصر تجمدت النخبة الحاكمة في وجه الأحزاب السياسية مدعومة بقانون الطوارئ المعمول به منذ 1981، ولم تسمح لتيار المشاركة السياسية بالجريان.

كما أن المواطن العادي أصبح زاهدا في المشاركة السياسية لقناعته بأن ما يتم على أرض الواقع ليس بممارسة سياسية حقيقية، وإنما شكلية فقط في تعدد الأحزاب الواهنة المتكلسة بفعل الزمن وعدم التجديد.

وهي مجرد واجهة ديمقراطية تمجّد في سرها وعلنها حكم الفرد وتدعم قبضته على مفاصل الحياة، ولا تمكن من تحقيق المطالب الأساسية للشعب. وهذا ما يفسّر حيرة المعارضة، فمن فرط ضعف أدائها وفقدانها لحيويتها لا تدري من تقدم ليملأ الفراغ السياسي بعد الرئيس مبارك لتحقيق عهد ديمقراطي طال الشوق إليه وانتظره شعب مصر زمناً طويلا.

وإن كانت المعارضة طيّعة، يحركها نظام مبارك كيفما شاء، فإنه في الجانب الآخر كانت حركة الإخوان المسلمين التي تم حظرها منذ 1954، فاعتمد معها النظام سياسة إقصائية تـُحجّم دور الإخوان دون استئصالهم، وذلك كي يستخدمهم ورقة ضغط يرهب بهم الغرب عند الضغط الدولي عليه بضرورة تقديم إصلاحات ديمقراطية أو تقديم بعض التنازلات لصالح الغرب في المنطقة العربية. فقد سُمح للإخوان بخوض الانتخابات المصرية الأخيرة، ولكن نتيجة لتزويرها لم يتمكنوا من الفوز بأي مقعد في البرلمان.

تلك الأزمات عملت على تراجع هيبة الدولة بعد أن زادت قوة سطوتها وزاد تعتيمها على قضايا الفساد والإفساد الذي أدى إلى تعميق الفجوة بين الأغنياء والفقراء.

وكل هذا أدى إلى تصاعد موجات الاحتجاجات بمطالبات لم ينجح الضغط على الحكومة في تلبيتها من قبل، فطفح الكيل وتصاعدت المطالبات إلى تغيير النظام بأكمله.

فهذه الشرعية الثورية ليست وليدة 25 يناير وحدها وإنما جربها الشعب المصري في ثورة يوليو1952، ومن قبلها كان حضور الشرعية الثورية في ثورة سعد زغلول عام 1919 ضد الوجود البريطاني.

"
ما بعد الثورة يعني عهدا ديمقراطيا جديدا ليس فيه شيء من رموز النظام السابق حتى ولو أعلنوا توبتهم، وتغيير النظام ليس واجهة براقة وإنما هو بشارة بإمكانية تحقيق دولة العدالة السياسية والديمقراطية
"
المغالبة السلمية ومغالبة العنف والقوة
باعتبار القيم السياسية كالمساواة والعدالة والحرية قيما إنسانية وأخلاقية في المقام الأول، فإن ارتباطها بفلسفة السياسة كغايات يُتوخى تحقيقها من السلطة، يجعل هذه القيم رهينة بطبيعة السلطة التي يتعين عليها تنزيلها على أرض الواقع.

ولكن وعلى مدى التاريخ السياسي تصطدم هذه القيم والأمل في تحقيقها بظاهرة العنف الكامن في مفاصل السلطة إلى الدرجة التي تجعلنا نربط –مضطرين- بين هذه القيم والسلطة كمكونات لشيء واحد، وبينها وبين العنف كمسلك تتخذه السلطة للوصول إلى أهدافها وحمايتها.

هذه الفكرة وبتطبيقها على نموذج الثورة المصرية في 25 يناير نجد أن اتباع النظام لكل الوسائل الخفية والظاهرة -بما في ذلك استخدام "البلطجية" وبعض رجال الشرطة والأمن الذين هجموا على شباب ميدان التحرير بالخيول والجمال، والتي خلفت مئات القتلى وعشرات المئات من الجرحى- هو ترسيخ لظاهرة العنف كضرورة آنية لمكافحة ثورة سلمية.

فميكيافيلية النظام استنكرت القيم السائدة في المجال الأخلاقي بمواجهة الحالة السلمية بالعنف، ورأت حسب ميكيافيلي: "أن القواعد السياسية التي يجب أن يتمسك بها الفاعل السياسي, أي الأمير, هي ضرورة اللجوء إلى العنف. فالعنف يعد من المكونات الأساسية لكل عمل سياسي يتوخى النجاعة والفعالية"، وكل المسالك السياسية تبقى مشروعة لديه للحفاظ على السلطة ودعمها.

اتبع شباب الثورة الوسائل السلمية التي هي من أفضل وسائل المقاومة، نظرا لأن السلطة بقبضتها الحديدية سخّرت موارد البلاد للمواجهات العنيفة بكل ما أوتيت من عتاد بشري وأسلحة.

ولكن المقاومة السلمية شلّت قدرة النظام وأضعفت همته، فسحب قوات الأمن من شوارع المدن بعد المواجهات الدامية مع المتظاهرين يوم الجمعة 28 يناير/كانون الثاني.

لم يستخدم الشباب العنف الذي هو آخر التدابير المشروعة بشروط محددة لرفع الظلم بعد استنفاد كل الوسائل السلمية، وثبتوا على مقاومتهم السلمية حتى أعلن الرئيس محمد حسني مبارك مساء الجمعة في 11 فبراير/شباط تنحيه عن السلطة، وتكليفه المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد.

ولأنه ليست في الوطن العربي ولا عالم السياسة اليوم مدينة فاضلة، فإن الغلبة والقهر هما من خاصيات المدينة الضالة كما وصفها الفارابي. ففي كتابه "آراء أهل المدينة الفاضلة"، أوضح أن السياسة لا تقترن بالضرورة بالعسف والعنف، ففي المدينة الفاضلة يسود العقل الكامل والقيم المثلى، وتكون السياسة فيها حكيمة وقويمة، حيث تهدف إلى إسعاد الإنسان". ولكن أين نحن من الفارابي وآراء أهل مدينته الفاضلة.

فسياسة الحكم الأوحد والرجل الواحد يصعب تحديدها وتعريفها لأنها ليست كامنة في ذات هذا الحاكم أو ذاك، وإنما تتجلى في علاقة الحاكم بالمحكومين، فإذا ارتقى في تحاوره وتواصله مع شعبه وتداوله للسلطة ارتقت السياسة، وإذا لم يفعل انحطت. وهذا الانحدار ليس مجرد أحكام جزافية وإنما هو فكرة لصيقة بالوضع المأزوم لتاريخ السياسة في الوطن العربي.

اليوم ننظر بإعجاب شديد إلى شباب الثورة المصرية، ولكنه إعجاب يشوبه شيء من الإشفاق عليهم. فما زال هناك الكثير من الضغط الذي يجب أن يمارسه هؤلاء الشباب على النظام العسكري لكي يوفي بالتزاماته بشأن تحقيق الحرية والديمقراطية.

فالثمن الذي دفعوه للتخلص من النظام السابق كان دماء الشهداء، ويتطلب منهم هذا الثمن الباهظ وعيا أكثر بقيم ثورتهم السلمية حتى لا تُختطف الثورة من أمام أعينهم.

وبالرغم من أن تغيير النظام تطلب إرادة حديدية منهم، فإن التحدي الآن هو في تغيير جوهر النظام كهدف أساسي للثورة بإعادة صياغة الدستور وضمان إجراء انتخابات حرة ونزيهة.

لا يتمنى أحد أن تعود مصر ستين عاما إلى الوراء، إلى ما حدث في ثورة يوليو 1952 عندما تم اختطاف الثورة الشعبية من قبل الضباط الأحرار.

ما بعد الثورة يعني عهدا ديمقراطيا جديدا ليس فيه شيء من رموز النظام السابق، حتى ولو أعلنوا توبتهم، وتغيير النظام ليس واجهة براقة وإنما هو بشارة بإمكانية تحقيق دولة العدالة السياسية والديمقراطية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك