علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني


غرابة أطوار أم حلقة في مخطط
القذافي والساحة الفلسطينية
انتهاء سنوات العسل والانتقال من الراديكالية
الاستدارة الأميركية والأثمان الليبية

فاجأت انتفاضة الشعب الليبي الكثير من المراقبين والمتابعين، الذين اتجهت أنظارهم صوب اليمن والجزائر والبحرين، متوقعين انتقال ارتدادات الزلزال التونسي والمصري إليها مباشرة، بعد النقلة النوعية الأولى التي تحققت في مسار انتصار الشعبين التونسي والمصري، باقتلاع الرأس القيادي الأول في نظاميْ البلدين، في انتصار ديمقراطي أذهل العالم بأسره، عبر ثورة شعبية حقيقية، كانت حضارية ونظيفة بالمعنى العام، حتى وإن سكبت من خلالها الدماء الزكية الطاهرة لبضع مئات من أحرار تونس ومصر الذين ضرجوا بدمائهم شجرة كرامة وحرية مصر وتونس، وفتحوا الطريق أمام البديل الوطني الديمقراطي الحقيقي.

والمفاجأة الأولى التي جاءت من ليبيا، كانت في سقوط مقولة البعض الذين اعتقدوا أن التاريخ الراديكالي للنظام الليبي في دعم الفصائل الفلسطينية وقوى التحرر في العالم، قد يشفع له أمام شعبه، وقد يمنع من اندلاع شرارات السخط والغضب الشعبي في وجهه.

كما جاءت المفاجأة الثانية في هذا الكم الهائل من التصعيد الدموي الذي واجه به النظام الشعب والمدنيين في الشوارع، في ظل صمت غربي وأميركي مشبوه، بالرغم من صدور أصوات خافتة وخجولة ومتحشرجة من هنا وهناك.

فكيف نستطيع قراءة الحدث الليبي، وعلاقات ليبيا بالفلسطينيين، والانتقال الراديكالي، وما هو سر تلك المواقف الغربية، وأين خصوصية الحالة الليبية عن مثيلتيها في كل من مصر وتونس؟.

غرابة أطوار أم حلقة في مخطط

"
أصبح رأس النظام العقيد القذافي نجم الكاريكاتير في كل المؤتمرات, لدرجة أن البعض من العرب الرسميين بدأ يتساءل "هل سلوك القذافي غرابة أطوار أم حلقة في مخطط؟"
"
في البداية لابد من القول إن حالة الغليان والتململ بين الناس في ليبيا لم تكن بنت لحظتها، أو وليدة حصرية من رحم الثورتين المصرية والتونسية، بل جاءت في سياقات من تراكم الاحتقانات المتتالية رويداً رويداً بين الناس في ليبيا من النخب السياسية والفكرية إلى صفوف العامة جراء السياسات الداخلية التي دأب النظام على اتباعها خلال عقود سلطة القذافي، وهي السياسات التي أبقت ليبيا بلداً متخلفاً جداً وفق كافة مقاييس التنمية البشرية، بالرغم من الطفرة النفطية التي تعشها.

كما أبقت ليبيا بلداً غنياً دون دور مؤثر على كل المستويات العربية والإقليمية والدولية، فضلاً عن المفاسد الهائلة التي دمغت النظام على صعيد سياساته الداخلية، وتفشي البيروقراطية والتخمة والهدر، وإنفاق المردود القومي الليبي في حسابات طائشة ومغامرات غير مسؤولة وقعت في مسار حياة النظام الليبي طوال العقود الماضية.

إضافة لعجز وعدم قدرة النظام على تلبية متطلبات القوى الاجتماعية الليبية، وغياب الشرعية لأصحاب القرار المؤسساتي المفترضين في هيكل النظام، مع تغول شخصية القذافي وسطوة أبنائه، وتعاظم عدم المساواة الاقتصادية بين الفئات الاجتماعية، وغياب المشاركة السياسية الفعلية من قبل الشعب الليبي، فضلا عن تبعثر الوحدة الثقافية.

كما جاء تراكم تلك الاحتقانات جراء السياسات الخارجية المتخبطة والارتجالية التي طالما قدّم النظام فيها ليبيا بثوب محزن بل ومخز، وقد امتلأت تلك السياسات بالأطوار الغريبة والمتقلبة التي حكمت سلوك العقيد معمر القذافي، وصولاً إلى ما يمكن تسميته بـ"الخزعبلات" التي طالما كان يطلقها رأس النظام بين فترة وأخرى، وبين مؤتمر وآخر يعقد في ليبيا أو غير ليبيا، ليصبح رأس النظام العقيد القذافي دوماً "نجم الكاريكاتير" فيها، وخصوصاً داخل غرف القمم العربية التي شهدت على الدوام تهريجات العقيد القذافي، لدرجة أن البعض من العرب الرسميين بدأ يتساءل منذ فترات طويلة "هل سلوك القذافي غرابة أطوار أم حلقة في مخطط؟".

إن تلك السياسات الخارجية والداخلية، كانت سبباً أساسيا في تهتك حالة النظام، وارتطامها بالواقع، حيث دخلت البشرية الألفية الجديدة منذ عقد من الزمن فيما النظام ما زال حاله كحاله في عام 1969، يراوح مكانه دون تحقيق إنجاز يذكر على صعيد الانتقال بـ"ليبيا" من طور إلى طور على مستوى البناء الداخلي والمؤسسات والاقتصاد والسياسات الإستراتيجية، بالرغم من العوائد النفطية الهائلة التي جعلت من ليبيا بلداً غنياً بامتياز، بلداً مترامي الأطراف والمساحات، ولا يقطنه سوى أعداد قليلة من البشر قياساً بمساحته الشاسعة.

القذافي والساحة الفلسطينية
ومن جانب آخر، رب سائل يسأل: أليس في انتقاد نظام القذافي ورجمه بعد سقوطه المرتقب تنكرا لكل ما صنعه وقدمه للفلسطينيين؟، ألم تكن ليبيا ونظام القذافي من الدول المحسوبة على الخط الوطني، والتي قدمت الدعم والإسناد لمختلف الفصائل الفلسطينية خلال العقود الماضية؟، ولماذا هذا التنكر لدور ليبيا القذافي في دعم وإمداد فصائل العمل الوطني الفلسطيني؟.

"
كانت ليبيا من البلدان العربية المشهود لها بدعم وإسناد الثورة الفلسطينية وكافة فصائلها تقريباً, غير أن الوجه الآخر للحقيقة، كان سعي ليبيا على الدوام للاستحواذ على موقع مقرر في المعادلة الفلسطينية
"
للإجابة على تلك التساؤلات، نقول نعم وبكل صراحة، وبكل تقدير، ودون نكران للجميل، كانت ليبيا وشعبها العربي من البلدان العربية المشهود لها بدعم وإسناد الثورة الفلسطينية وكافة فصائلها تقريباً بكل سبل الدعم المادي واللوجستي منذ عام 1969، إلى درجة كانت فيها ليبيا تتبنى بعضاً من تلك الفصائل الفلسطينية كـ"الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين/القيادة العامة" بزعامة أحمد جبريل وغيرها، تبنياً أبوياً تاماً، خلال سنوات السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، وكانت موئلاً لبعض منها، فيما افترقت عنها بعض الفصائل التي لم تكن سيرتها "سمن وعسل" مع القذافي وسياساته على الدوام.

وفي المقابل لم تبخل تلك الفصائل -(كالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والجبهة الشعبية/القيادة العامة، ومنظمة الصاعقة، وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، وجبهة التحرير الفلسطينية، والجبهة الديمقراطية، وحركة فتح الانتفاضة، وحتى حركة فتح الرسمية) التي ارتبطت مع ليبيا بشهر عسل طويل وطويل، ومعها بعض أحزاب القوى الوطنية اللبنانية كالحزب الشيوعي اللبناني، ومنظمة العمل الشيوعي في لبنان، والحزب التقدمي الاشتراكي، والحزب السوري القومي الاجتماعي- في إرسال مقاتليها لمناصرة العقيد القذافي في حربه مع تشاد في صحراء أوزو خلال النصف الثاني من عقد الثمانينيات من القرن الماضي، حيث كانت القوات الفلسطينية بمثابة التشكيلات الأساسية التي قاتلت التشاديين في أعماق الصحراء الليبية اعتقاداً بأنها تسدد لنظام القذافي فواتير الإخلاص المتبادل.

غير أن الوجه الآخر للحقيقة، كان سعي ليبيا على الدوام للاستحواذ على موقع مقرر في المعادلة الفلسطينية، استناداً إلى الدعم الوافر ولـ"مزراب الدولارات" الذي سكبه وصبه العقيد القذافي على بعض القوى والفصائل ومنها الفصائل اليسارية الفلسطينية، ووصلت الأمور إلى أن اندفع العقيد القذافي باتجاه المساهمة الفعّالة في ترتيب مسلسل الانشقاق الدموي الذي ضرب الساحة الفلسطينية منتصف عام 1983 عبر مندوبه عبد السلام جلود الذي كان موجودا في الساحة بشكل دائم طوال فترة الانقسام، وقد كلف ذلك الانقسام الشعب الفلسطيني أثمانا باهظة من الدماء والضحايا والدمار بسبب المعارك الطاحنة التي دارت في حينها بين أبناء البيت الفلسطيني الواحد في سهل البقاع وبعلبك وطرابلس شمال لبنان.

انتهاء سنوات العسل والانتقال من الراديكالية
إن بوادر انتهاء سنوات العسل الليبية مع الفصائل الفلسطينية ومع الشعارات أو السلوك الراديكالي، لاحت عملياً أوائل تسعينيات القرن الماضي، وتحديداً بعد حصار العراق، حيث تراجع الوجود الفصائلي الفلسطيني في ليبيا, وأغلقت كافة القواعد العسكرية الفلسطينية تقريباً، وبقي الوجود العسكري الفلسطيني رمزياً وبحدود معينة، بينما بقي التمثيل والوجود السياسي العلني مقتصراً على منظمة التحرير الفلسطينية، وبالتالي حركة فتح عبر سفارة دولة فلسطين في طرابلس.

إن القفزة النوعية التي استجدت في حينها، كانت قد جرت في ظل إدراك والتقاط العقيد القذافي للمتغيرات الدولية التي برزت في حينها مع انهيار الاتحاد السوفياتي وولادة القطبية الأحادية، وفي سياق محاولاته الحثيثة التي دأب على بذلها لرفع الحصار الذي فرض على ليبيا، بعد التهمة التي وجهت إليها بشأن الطائرة الأميركية (طائرة بان أم) التي انفجرت في سماء أسكتلندا في منطقة "لوكربي" وقد قتل جميع ركابها.

"
بوادر انتهاء سنوات العسل الليبية مع الفصائل الفلسطينية ومع الشعارات أو السلوك الراديكالي، لاحت عملياً أوائل تسعينيات القرن الماضي، وتحديداً بعد حصار العراق
"
وقد اندفع العقيد القذافي في نهاية المطاف للقبول بتسليم المتهمين الليبيين بشأن حادثة لوكربي، وقبل بدفع الاستحقاقات المالية لعائلات الضحايا في تهمة لم يتم إثباتها حتى الآن بحق ليبيا، فقد بقيت التهمة "جوالة" تنتقل من طرف إلى طرف، بل وبلع العقيد القذافي تهمة ثانية تمثلت في انفجار "طائرة داكوتا" المدنية الفرنسية في سماء النيجر، دون إثبات أيضا، ودفع تعويضات لعائلات الضحايا.

وكل ذلك في مسعى من القذافي لإعادة ترتيب علاقاته مع الغرب، وهو ما تم أخيرا بإعادة العلاقات الدبلوماسية والتجارية مع الولايات المتحدة نهاية عام 2007، حيث تم رفع اسم ليبيا من قائمة الدول الداعمة للإرهاب العالمي، إلا أن حيثيات تطور الملف الليبي/الأميركي تستوجب من الباحثين والمتابعين التوقف قليلاً لدراسة هذا التحول بعد أن كال الطرفان لبعضهما البعض كل أشكال الاتهامات والاتهامات المضادة، والحروب العلنية -كما وقع عام 1985 في خليج سرت- وغير العلنية، وهي اتهامات وحروب ساهمت ودفعت نحو قطيعة دامت ثلاثة عقود ونيفا من الزمن.

وفي هذا السياق، شكّلت حالة سيف الإسلام القذافي وادعاءاته الإصلاحية والديمقراطية والانفتاحية، محاولة إضافية من العقيد معمر القذافي في مساعيه لإرساء علاقاته مع الغرب والولايات المتحدة، وتوجت بالزيارة التي قام بها سيف الإسلام القذافي للولايات المتحدة الأميركية قبل عامين، وهو ما أعطى مؤشراً قوياً على اتجاهات القذافي في المرحلة التالية التي نعيشها الآن مع هدوء الموقف الأميركي وبقائه عند حدود معينة، بالرغم من القمع والبطش الرهيب المسلط من أجهزة النظام على أبناء ليبيا المنتفضين.

الاستدارة الأميركية والأثمان الليبية
إن الاستدارة الأميركية أتت بعد أن قدمت طرابلس الغرب خلال العقد الأخير، كل مستوجبات الانفتاح على الإدارة الأميركية، فلم يكن الانقلاب والتحول في السياسة الليبية الرسمية تجاه المقولات التي طرحتها ما سميت ثورة الفاتح من أيلول/سبتمبر عام 1969، إلا خطوات مدروسة هدفت في جانب كبير منها لاستيعاب متغيرات الخارطة الدولية بعد انهيار التوازن الدولي وبدايات تفكك القطب الشرقي السوفياتي الموازي للولايات المتحدة.

"
بدأت القيادة الليبية باشتقاق سياسة مغايرة للخط العام الراديكالي الذي اتخذته منذ السبعينيات وصولاً إلى أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، فأعطت العديد من الإشارات الهامة للغرب بشكل عام وللولايات المتحدة بشكل خاص
"
والتباشير الأولى لذلك التحول في الملف المشترك بين الطرفين، بدأت انطلاقاً من العاصمة الليبية قبل أكثر من عقد ونصف من الزمن، عندما بدأت القيادة الليبية بتحجيم وتفكيك علاقاتها مع قوى شكلت إرهاقا وعبئاً كبيراً على طرابلس الغرب.

فقد بدأت القيادة الليبية باشتقاق سياسة مغايرة للخط العام الراديكالي الذي اتخذته منذ السبعينيات وصولاً إلى أواخر الثمانينيات من القرن الماضي، فأعطت العديد من الإشارات الهامة للغرب بشكل عام وللولايات المتحدة بشكل خاص، وعملت جاهدة على التخلص من نظام العقوبات الأميركية وتلويحات مجلس الأمن بِشأن توجيه العقوبات لها، وسعت لاحتواء ودعم واشنطن لجماعات المعارضة الليبية التي افتتحت قواعد عمل لها فوق أراضي الولايات المتحدة.

ومن هنا، يخطئ من يعتقد أن الصمت الأميركي والصوت النقدي الخجول لما يجري الآن في ليبيا مفاجئ أو غير متوقع في أحسن الأحوال. فالأجواء السائدة منذ سنوات بين ليبيا وواشنطن وبعض عواصم القرار الغربي، تأتي في السياق العام من التطور الملاحظ والمرصود منذ سنوات بالرغم من الأثمان الليبية الباهظة لقاء التحول الذي وقع، وبعد أن عملت الدبلوماسية الليبية جاهدة للتخلص من "إرث" الماضي، ومن بقايا العلاقات التي كانت ليبيا قد نسجتها مع منظومات قوى وأحزاب في العالم حتى الفلبين، مروراً بالحديقة الخلفية لواشنطن في القارة الأميركية الوسطى والجنوبية.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك