محمد جلال هاشم

محمد جلال هاشم

محمد جلال هاشم


الثورة إلى أين؟!
أزمة الحداثة وأزمة الثورة

نجحت ثورة يناير/فبراير 2011م في مصر وأطاحت بثلاثين عاماً من حكم حسني مبارك. وهذا حدث فريد في تاريخ البشريّة، ليس من حيث اجتراح الثّورة الشّعبيّة، فقد اجترحها الشعب التّونسي قبلهم بأسابيع، واجترحها الشّعب السّوداني قبلهما بعقود (ثلاث ثورات شعبيّة خلال مائة عام، 1885-1985، أسقطت أنظمة دكتاتورية).

ولكن ما يميّز ثورة مصر هو كونها الأولى خلال آلاف السنين ظلّ فيها الشّعب المصري يعيش في استكانة تامّة لأنواع الحكم التي كانت جميعها قمعيّة وباطشة.

فالشّعب المصري فريد في خصائصه وتجاربه، فأعظم ما قد يفتخر به "الأهرامات" التي تقف شاهداً على مؤسّسة السُّخرة التي لولاها لما تمكّن فراعنتُها من بنائها؛ كما تقف مصر حالة فريدة في كونها اشترت الرّقيق، فكان أن حكمها هؤلاء الرّقيق مئات السنين.

كما حكمها محمّد علي باشا الألباني سلالته لما يربو على 100 عام، وتماهى في الثّقافة المصريّة لدرجة ألا يُنظر إليه بوصفه مستعمراً. فإذا قام هذا الشّعب أخيراً بإسقاط نظم الحكم غير العادلة عبر حركة الشّارع، فهذا يعني أنّنا بصدد مرحلة تاريخية جديدة تشهد غروب شمس أنظمة الحكم الشّموليّة بالمنطقة.

الثورة إلى أين؟!

"
مجيء أي نظام ديمقراطي حر سوف يفتح الباب على مصراعيه لكوامن العنف والقهر المضاد في أن تعبّر عن نفسها. فالمرء لا يمكنه أن يرجّ زجاجة المشروب الغازي ثم يفتح العبوة دون أن يتوقع فورانها في وجهه وضياعها
"
ولكن، ماذا تحمل هذه الثورات في جعبتها لشعوب المنطقة؟ إن مجيء أي نظام ديمقراطي حرّ سوف يفتح الباب على مصراعيه لكوامن العنف والقهر المضاد في أن تعبّر عن نفسها. فالمرء لا يمكنه أن يرجّ زجاجة المشروب الغازي ثم يفتح العبوة دون أن يتوقع فورانها في وجهه وضياعها.

وغالباً ما يتشكل هذا الفوران بثقافة البلد، وهي هنا إسلامية، سلفية. فما لا يمكن إنكاره هو دور الحركات السلفية في الانضمام سريعاً للمظاهرات بغية إسقاط النظام، الغريم التاريخي. وهكذا سوف يصعد نجم هذه الحركات -التي تنفعل بالدين انفعالاً رومانسيّاً وربّما غير واقعي، مثل الإخوان المسلمين بمختلف اتجاهاتهم وتنظيماتهم- عالياً في الشارع المصري، ثم لاحقاً في البرلمان بالضّرورة.

والتناقض هنا هو أنّ صعود هؤلاء سوف يهدّد الديمقراطية من جهتين؛ الجهة الأولى هو عدم إيمانهم المبدئي بالديمقراطية من حيث إعطاء الآخرين حقّ أن يكونوا مختلفين عن غيرهم من النّاس، ثمّ من حيث طرائق الحكم التي تقوم على إعطاء الشّعب حقّ أن يفصل في شكل الحكم الذي يريده، فضلاً عن ترسانة من القوانين العقابيّة التي قد يختزلون جميع فكرهم في تطبيقها (انظر التّجربة السّودانيّة والطالبانية).

فهم قد يسعون لتطبيق النّموذج الذي يؤمنون به في الحكم بزعم أنّ هذا هو خيار الشّعب الذي صوّت لهم. وهذا النّموذج غير متصالح مع ما يُعرف بمفهوم الدّولة المدنيّة تخفيفاً، والعلمانيّة بصريح العبارة.

فهذه الحركات تصدر في فكرها من موقع الرّفض والعداء لما عليه حال المجتمع الرّاهن؛ فعندهم ينبغي إخراج نهر الثّقافة من مجراه الحالي وإعادة صبِّه في مجرى آخر لا يُعرف عنه شيء بخلاف خلوص النّيّة في أحسن الأحوال.

أمّا الجانب الآخر، فهو تدخّل قوى أكثر حداثيّةً (مثل الجيش أو الثّورة المضادّة) لوقف هذه الرّدّة الديمقراطية والعودة إلى الوراء. ولكن مشكلة مثل هذا التّدخّل تكمن في أنّ الجيش لا يملك أكثر من الأوضاع التي كانت قائمة أصلاً، أي الحكم الشمولي.

كما تكمن مشكلة أيّ ثورة مضادّة في قلّة حيلتها لمواجهة مكيافيليّة الإسلاميّين؛ فتغيير أوضاع المجتمع راديكالياً قد لا يستغرق أكثر من عام (انظر تجربة الإسلاميّين في السّودان وتسريح ما يربو على 300 ألف من الخدمة المدنيّة تحت زعم الصّالح العام في السّنة الأولى لحكمهم؛ ثم إعلان الجهاد في الجنوب مما حتم انفصاله لاحقاً).

فإذا حدث أيّ إجراء أو تقنين راديكالي من شأنه منع مجيء معارضي الإسلاميين إلى الحكم، فلن يكون في مقدور هؤلاء أن يثوروا ضدّ الوضع بما قد يهدد الديمقراطية حرصاً عليها. فالإسلاميّون سوف يتّهمونهم بالكيل بمكيالين لعدم صبرهم لحين الانتخابات القادمة، بينما يعمل الإسلاميون على تكريس حكمهم وتقويض الديمقراطية.

تنطوي هذه المسألة على الابتزاز ثم الفوضى، بما يجعل القطاعات الدّنيا تنفر من الديمقراطية للفوضى وانعدام هيبة الدّولة (العراق ولبنان الآن). قد يفضي هذا الاحتراب إلى حالة من الصّراع غير البنّاء من شأنه أن يضعف بنية الدّولة ويدفعها للسقوط (الحالة الصّومالية). هذا فضلاً عن عدم القدرة على الإيفاء بالالتزامات الدولية مثل معاهدة السلام، وبالتالي تحويل العالم الغربي إلى عدو بدلاً من صديق.

أزمة الحداثة وأزمة الثورة
كانت مصر رائدة مشروع الحداثة فيما يعرف بالعالم العربي الإسلامي لعقود خلت. ولهذا تمكن دراسة مؤشّرات الحداثة والتقليدية في هذا العالم من خلال حالة مصر.

وقد انتكس هذا المشروع بدليل العجز عن تحقيق توافقيّة للحكم يتفيّأ الجميع ظلالها، حتّى كانت الثّورة الشعبية الممهورة بدماء الشّهداء. وفي رأينا أنّ انتكاسة مشروع النّهضة في مصر تعود إلى ثلاثة أسباب رئيسيّة، الأوّل منها هو تصدّي مصر لقيادة مشروع خاسر هو مشروع الوحدة العربيّة وفق مفهوم الدّولة الوطنيّة الواحدة.

فما يُنظر إليهم على أنّهم عرب يجوز النظر إليهم على أنهم شعوب متباينة ثقافياً، لكنها تتكلم اللغة العربيّة الفصحى، أي أنهم عربفونيّون. هذا السّبب نجمت عنه هزيمة 1967م، فضلاً عن فشل حكومات الفكر القومي عن تلبية طموحات شعوبها لاحقاً. فالكلمة المفتاحية هنا هي "التكامل والتنسيق" لا "الوحدة السياسية".

"
انتكاسة مشروع النهضة في مصر تعود إلى ثلاثة أسباب رئيسيّة، الأوّل هو تصدّي مصر لقيادة مشروع الوحدة العربيّة الخاسر, والثّاني هو التعثر المنهجي والتطبيقي لمشروع الحداثة, والثالث هو العجز عن تحقيق أيّ قدر من الاستقلاليّة عن مؤسسات الحكم الدّكتاتوري
"

أمّا السبب الثّاني فيتعلّق بالتعثر المنهجي والتطبيقي لمشروع الحداثة من حيث هو تطوّر من التراث الإسلامي في مجتمع مسلم. فبالرّغم من انبعاث تيّارات الحداثة أوّل أمرها من داخل مؤسّسة الأزهر الدّينيّة التقليديّة (محمد عبده، علي عبد الرازق، طه حسين... إلخ)، فإنّ تيّار الحداثة انكفأ في مجمله على الدّحض النّظري للأسس الفقهيّة الدّينيّة التي تؤسّس لسيطرة الفهم التقليدي على مناحي الحياة بطريقة تجافي روح العصر.

من ذلك مثلاً تفنيد علي عبد الرّازق لمفهوم الدّولة الدّينيّة استشرافاً لتوطين مفهوم الدّولة المدنيّة إسلاميّاً؛ وكذلك مفهوم طه حسين لمستقبل مصر من حيث هويّتها. إذ سرعان ما ضاعت هذه الدعوة في خضمّ التيار المحافظ أولاً ثم تيار القومية الناهض لاحقاً. أمّا في مجال السّلوك الفردي فلم يقدّم مشروع النهضة المصريّة أيّ فهم فقهي حداثي (مثلاً من قبيل مراجعة ترسانة المحرّمات الفقهيّة التي تشكّل سلوك الفرد داخل منظومة المجتمع).

أي أنّ مشروع الحداثة قام على نفس الأسس الفقهيّة السّلوكيّة مع تمسّح علماني سعى لتحييد الدّين في مجال السّياسة بتجاهله. وبهذا أصبح في مقدور المؤسّسة الدّينيّة التّقليديّة، ممثّلةً في الأزهر من جانب، وفي الحركات الأصوليّة من جانب آخر، أن تواصل عملها، مستندةً على ذات البنية الفقهيّة التي قام عليها مشروع الحداثة، ولكن في سبيل بلوغ غايات مناقضة استناداً إلى قراءة نصّيّة أصولية متزمّتة.

أمّا السّبب الثّالث فهو العجز عن تحقيق أيّ قدر من الاستقلاليّة عن مؤسسات الحكم الدّكتاتوريّة الموروثة. فقد قامت الحداثة السّياسيّة على تغليف أنظمتها الشمولية القائمة وفق قانون الغلبة، بأوراق الديمقراطية المهترئة.

وقد بلغوا الغاية في حكمهم العضوض بأخرة عندما عمدوا إلى توريث الجمهوريّات للأبناء في ظلّ خضوع المجتمع. وساعد في هذا استمرار أنظمة الحكم الملكيّة حولهم، إذ قدمت النموذج لجدوى سياسة التوريث.

كان قصارى ما بلغته هذه الدّول وشعوبها معايشة حالات من التناقض غير الجدليّ. فمع ما هي عليه من دكتاتوريّة وتسلّط غاشم، وقدرة على القمع لا تعرف حدوداً تقف عندها، شرعت في تجميل نفسها بمساحيق الديمقراطية على غرار ما رفدت به التجربة الغربيّة، مختزلةً ذلك كلّه في آليّات الترشّح والانتخاب، ثمّ المجالس التمثيليّة، ثم التنافس على رئاسة الجمهوريّة.

ويكمن التناقض في أنّ هذا الانفتاح الديمقراطي ليس حقيقيّاً بل صوريّاً، وينبغي للاعبين في ميدانه أن يتصفوا بالذكاء اللازم ليدركوا هذا. فهو أشبه بتطويل حبل الحمار، ثمّ يبقى على الأخير أن يعرف حدود دائرة حرّيّته في التنقل.

نجم عن هذه التناقضات وضع شاذ. فقد أصبحت الحداثة مظهراً خارجيّاً مرتبطاً بالملبس والمأكل والمسكن، ومباشرة منتجات تكنولوجيا الغرب مباشرة لا تعرف الحدود، بينما تقبع الذات في حالة من التقليديّة الرّاسخة، غير المتصالحة مع روح الحداثة، الأمر الذي جعل تهمة التخلّف موجهة لهم باستمرار. خذ في ذلك لبنان الذي يبدو شكلاً كدولة أوروبّيّة مزروعة في خاصرة المنطقة، بينما لا تزال جرائم الشّرف تحتلّ أعلى المعدّلات فيه.

من جانب آخر، يدفع القمع المنظّم هذه الشّعوب إلى الانكفاء إلى الدين وفق خطابه التقليدي الأصولي الذي لا يعرف التصالح مع الحداثيّة الغربيّة التي تمّ تدشينها بالمنطقة، إثر مغادرة المستعمر لها، والتي أصبحت الأسر والطّبقات الحاكمة تتمثلها ظاهريّاً.

برزت من أثر هذا ظاهرة التّديّن الرّومانسي الحالم الذي يسعى لاسترجاع عصور الإسلام الأولى. ولهذا ينتهي بهم الأمر إلى أن يصبحوا بدورهم صوريّين في فكرهم دون تعمّق، إذ يطالبون بتطبيق الشّريعة التي بها سيكون انصلاح المجتمع حسب اعتقادهم، بينما لا تعدو في فكرهم أكثر من معاقبة جرائم السّرقة اليدويّة وشرب الخمر والزّنا... إلخ، حسبما هو معروف في عقوبات الحدود تقليديّاً.

وبهذا قد يصبح جلد شاربي الخمر أهمّ من إطعام القطاعات الفقيرة التي تصنع وتبيع هذه الخمور لتعتاش منها؛ ويصبح قطع يد السّارق أهمّ من محاربة نهب المال العام... إلخ (انظر تجربة الإسلاميّين في السّودان).

"
هل ستتمكن مصر من استعادة دورها الريادي في المنطقة، وذلك بأن تقدم لنا تجربة ديمقراطية معافاة وبناءة، تجمع ما بين الأصالة والمعاصرة، بما يمكن أن يصبح نموذجاً لمشروع الحداثة بالمنطقة؟
"
ما إن تشرع هذه الدّول في تطبيق الدّيمقراطيّة الصّوريّة حتى تجد هذه الحركات الأصوليّة المقموعة فرصتها للتعبير عن نفسها وعن أحلامها المكبوتة (انظر حالة الكويت)، ومن ثمّ الاستفادة المكيافيليّة من جوّ الحرّيّات لتكبير كتلتها الجماهيريّة التي عادةً ما تكون مستعدّة لمثل هذه الدّعوات، إذ هي نفسها القطاعات الاجتماعيّة العريضة التي تعيش تحت الحرمان والقمع.

لهذا قد لا يعني التحوّل الدّيمقراطي الحقيقي -من حيث حرّيّة التعبير والترشّح والانتخاب والتصويت- أكثر من فرصة سانحة لقتل ذات الدّيمقراطيّة. عندها لا تجد القطاعات المتنفّذة في المجتمع (كالجيش في الجزائر مثلاً، ثم تركيا) غير أن تستولي على السّلطة.

فإذا كان لا بدّ من الدّكتاتوريّة، فلتكن دكتاتوريّة غير دينيّة وغير رجعيّة، بدلاً عن تلك التي لا تعرف شيئاً عن شروط بناء الدّولة الحديثة (حسبما يرون). فإذا أضفنا عامل العولمة وتحوّل العالم إلى قرية صغيرة، أمكننا هذا من تصوّر الورطة التي تعيش فيها الشّعوب العربفونيّة (العربيّة)، جرّاء عجزها عن اجتراح حداثة نابعة من مخزونها القيمي دونما اتباع أعمى أو مرضي للتقاليد، ودونما انفعال رومانسي بالدّين الحنيف.

السؤال المطروح هو: هل ستتمكن مصر من استعادة دورها الريادي في المنطقة، وذلك بأن تقدم لنا تجربة ديمقراطية معافاة وبناءة تجمع ما بين الأصالة والمعاصرة، بما يمكن أن يصبح نموذجاً لمشروع الحداثة في المنطقة؟، هذا ما ستكشف عنه الأيام القادمات.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك