محمد إبراهيم المدهون

محمد إبراهيم المدهون

محمد إبراهيم المدهون


رياح التغيير
صنع في تونس ومن ثم مصر
لماذا تونس ومصر؟
ماذا بعد؟

في محاضرة عن افتتاح العام الجديد 2011، تحدثت عن "عام مضى وأمنيات عام جديد". إحدى مفردات جرد الحساب للعام الماضي أن الاستبداد في الأنظمة العربية غدا مفضوحا وعنوانه استبداد العائلة الحاكمة الدكتاتورية والتوريث الفج، والملفات الخطرة التي على الطاولة ومنها الملف الإيراني ومشاريع تقسيم المنطقة بدءاً بالسودان واستفتائها، ومصر وفتنتها الطائفية المتزايدة، ومخاطر تقسيم العراق طائفياً، واليمن كذلك معرض للإنهاك والانتهاك، ومشروع التقسيم الطائفي للسعودية، وفي المغرب العربي هناك فتيل الصحراء الكبرى، وفي لبنان توجد إرهاصات اللعب بالنار في فتنة طائفية مقيتة جديدة، وليس أخيرا الصومال المنسي، فوق كل ذلك جرت في 2010 انتخابات مزيفة "على عينك يا تاجر" في ترسيخ فج للعائلة الحاكمة المالكة.

وفلسطين 2010 تتم تصفيتها جغرافياً وتاريخياً وبشرياً في ظل صمت عربي مطبق وتقاعس فلسطيني رسمي كشفت مستوره الجزيرة. وما تمنيناه في العام 2011 أن تتوقف مشاريع التقسيم للمقسم، وأن تلتئم وحدة الأمة على قواعد الحرية والمواطنة والحقوق الإنسانية والديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وأن يتم استنهاض المشروع الكبير لتحرير فلسطين، القضية المركزية للأمة.

وأن الأمل في العام 2011 يتحقق في انتفاضة الجماهير العربية على قاعدة "إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ" [الرعد: 11].

رياح التغيير
أيام قليلة في مطلع العام الجديد كانت كافية لسقوط حاكمة قرطاج وزوجها في مشهد دراماتيكي، حلم بدأ بصفعة من شرطية متجبرة وغير حكيمة على وجه مواطن مستضعف وغير كريم عند زمرة الاستبداد، وما هي إلا أيام قليلة حتى امتد لهيب النار إلى أكبر دولة عربية وخلال يوم جمعة الغضب وما تلاه، لتلتهب مصر تحت عنوان "سقوط النظام".

بوعزيزي يحرق نفسه ليوقع بدمه وروحه ورائحة لحمه المشوي أعمق بيان سياسي في التاريخ ليكون بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، فاستجابت الجماهير النابضة في تونس الخضراء ولاحقاً في مصر، أكبر قطر عربي مستهدف أمنيا ومخابراتيا من أميركا وإسرائيل، وفي أكثر موقع حساسية ومُسيطر عليه أمنيا في شمال أفريقيا "فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا" [الحشر: 2].

"
أمام ثورة تونس الخضراء ومصر الكنانة يتوقف استعلاء الاستبداد والأمن التونسي والمصري الرسمي، وتنهار بنية حزب الاستبداد الذي غدا في لحظة سراباً
"
وفي العواصم العربية المُشبعة بالنضال في سنوات طوال عجاف في ظل حكم الاستبداد المفرط، تقول الجماهير الحية لبوعزيزي "لا تحرق نفسك وسنحرق الطغاة"، سنحرق حكم الأسر المستبدة من وراء قناع اسمه "الحكم الجمهوري" وزيف مسرحيات الانتخابات المفضوحة والمزيفة والشعارات البرَّاقة التي يكشف زيفها اليوم أصغر شبل عربي في أكثر منطقة عربية نائية بفضل التجربة التراكمية طوال عقود مضت، وبفضل الإعلام الجديد (الجزيرة نموذجا) وثورة تويتر وفيسبوك، والفضائيات وعصر العولمة، ونهضة المعرفة والمعلوماتية الموثقة بالصوت والصورة والهمسة، وإلهام انتفاضات الشعب الفلسطيني.

ومثلت غزة النموذج في صمودها محركاً لمفاعيل الكرامة والعزة العربية، ولم يعد المستبد أياً كان قادراً على منع وصولها لتحقق الصورة استمرار النبض في شرايين الحرية المتقدة في عزة العربي المرتقب لحظة الوثب منهياً مرحلة الاستبداد الأسري والتوريث والملكية المطلقة ونهب الثروات والخيرات، ومبشرا بانتهاء حقبة "الحكم الجبري" التي بشَّر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أمام ثورة تونس الخضراء ومصر الكنانة يتوقف استعلاء الاستبداد والأمن التونسي والمصري الرسمي، وانهارت بنية حزب الاستبداد الذي غدا في لحظة سراباً، رغم مسيرة من الإرهاب الممنهج في تونس ومصر عبر سنوات عجاف تمت فيها محاصرة الصوت والصورة وملاحقة الهمسة والكلمة والفكرة، علاوة على الحصار السياسي والملاحقة المستمرة لكل صوت مخالف، ولا أقول معارض، ورغم تفشي الظلم الاجتماعي وسيطرة القطط السمان وأحلافهم على المشاريع والأموال والاقتصاد، علاوة على الارتهان الأمني المطلق.

وأذكركم باغتيال خليل الوزير في حمام الشط في العام 1988، وأن تونس ومصر على يد الطغاة مثلت موطئ قدم إستراتيجيا أمنيا وعسكرياً لأميركا وفرنسا وإسرائيل في شمال أفريقيا ومصر، ويمكن الانتباه كذلك إلى خبر عودة السياح الإسرائيليين من تونس بسبب الثورة، والالتفات إلى قول يديعوت "فقدنا صديقا سريا رسميا لإسرائيل ودولة مؤيدة لإسرائيل، وكانت تعتبر محطة سياحية إسرائيلية ونخشى صعود إسلاميين"، بينما قال سيلفان شالوم "أدعو الجهات الدولية لمنع الإسلاميين من السيطرة على الحكم في تونس". وعلاوة على كل ما سلف ذكره فقد سبق أن نشرت ويكيليكس مئات الوثائق عن واقع تونس وتستعد لنشر وثائق عن مصر.

صنع في تونس ومن ثم مصر
ما جرى في تونس الخضراء وامتد إلى مصر الكنانة كان سريعاً ومفاجئاً وإستراتيجياً إلى حد أنه أضحى محطة تاريخية فاصلة، حيث إنه لأول مرة تحدث ثورة جماهيرية عربياً، وبعد ثورات على غرار إيران والفلبين قد تؤسس هذه لمنظومة عربية جديدة على أساس من العدالة والحرية والديمقراطية وحقوق الإنسان.

وأهمية ما جرى كذلك تتمثل عربياً في الخروج عن ثقافة "إنه قدر" وفلسفتها المهزومة في التغيير وفي مواجهة الاستبداد "وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ" [العنكبوت: 69].

وهي كذلك إبراز للقوة الشعبية والجماهيرية والشبابية، والمطلوب اليوم توظيفها أمثل توظيف عبر التأطير والتحشيد لصالح الشعوب وحريتها وكرامتها. ومن هنا يمكن المبادرة عربيا وشبابيا على وجه التحديد إلى إطلاق أكبر حملة معارضة مجتمعية في الشارع العربي وعلى أساس من القضايا المجتمعية للمواطن العربي كي تتجسد مجددا في أكثر من قطر ملامح النموذج العربي الجديد للانتصار الشعبي والثورة، وهذه ليست دعوة لتقليد الحرق الذاتي كما يحدث في أكثر من مدينة عربية، وإنما دعوة لبناء مجتمعي عربي رصين على أساس من حرية المواطن وكرامته وحقه في الحياة والرأي والعطاء لدينه ووطنه وشعبه.

"
مثلت ثورة تونس الخضراء ومن ثم مصر الكنانة منعطفاً هاماً في مسيرة استعادة بناء ملامح مرحلة عربية جديدة لتفخر تونس ومن ثم مصر بالقول "صنع في تونس ومن ثم مصر"
"
تونس ومن ثم مصر بذلك قد قدمت النموذج الناجح الذي يمكن الاقتداء به والبناء عليه بعد كسر حاجز الخوف من نمور الورق المتهاوية. وثورة تونس ومصر إعلان سقوط وهم الانتظار من أجل أن تلحق عروش الارتزاق من السلطة بقضايا الأمة خاصة فلسطين والعراق، فقد صبرت الشعوب على الاستبداد على أمل منح الفرصة لمسيرة التحرير لفلسطين (قضية الأمة المركزية)، واكتشفت الجماهير أنها فقدت الحرية في مواطنها ولم يتحقق لها التحرير في قضيتها الكبرى، ومن هنا كانت ثورة تونس ومصر إعادة لترتيب الأولويات.

فبوابة تحرير فلسطين هي الحرية للإنسان العربي في مواطنه واتخاذه القرار بالالتحاق بمسيرة التحرير لفلسطين والعراق، ولم تعد تنطلي على الشعوب العربية أن خياراتها محصورة بين الاستبداد أو الاحتلال ولا خيار ثالث لهما، ومن هنا فإن إعادة الترتيب هذه ستشكل حلقة إستراتيجية في ملامح المرحلة العربية الجديدة من الحرية والتحرر في آن واحد.

تشكلت ملامح المرحلة العربية التي نحياها اليوم بعد سقوط وهم الانتخابات والشعارات والديمقراطية حتى سقطت لقمة العيش لصالح القطط السمان في جمهوريات وممالك الفساد والتوريث عبر أسرة حاكمة مالكة لكل شيء ومن حولها كما يقول الأخ عبد الحليم قنديل: "بطانة من مماليك البيزنس وجنرالات الأمن، تعيش بلا قواعد اجتماعية ولا سياسية، وبأيديولوجية الشفط والنهب العام، واستنادا لعصا الكبت الأمني العام، فيما بدت الشعوب غائبة كلياً عن الصورة، وأقرب لغبار بشري يطحنه الغلاء والفقر والبطالة، تعيش محن الاقتصاد المنهوب الريعي الهش، وتمارس فقط بطولة و"أكروبات" البقاء على قيد الحياة، وتعاني السحق والتهميش الغالب في ممالك الصمت العائلي".

ليتكرس عبر هذا النموذج شعبيا ترسيخ للاستبداد والفقر والفساد وانهيار مجتمع الإنتاج وتكريس مجتمع الاستهلاك والتبعية، ومن هنا سقطت مشاريع النهضة العربية، وكذلك سقطت مشاريع التحرر والحرية، ولم يعد في القوس منزع إلا باستعادة الحرية من أجل التحرر والنهضة في آن واحد.

وعلى ذلك فقد قطعت تونس قول كل خطيب، ومثلت ثورة تونس الخضراء ومن ثم مصر الكنانة منعطفا هاماً في مسيرة استعادة بناء ملامح مرحلة عربية جديدة لتفخر تونس ومن ثم مصر بالقول "صنع في تونس ومن ثم مصر"، ولتمثل بذلك إيذانا بفجر جديد يبزغ في العالم العربي لا تسيطر عليه أميركا.

لماذا تونس ومصر؟
لقد مثل الحكم الأمني المطلق في تونس ومصر تربة خصبة للاحتقان الدائم والجاهز للانفجار فور توفر الشرارة التي أطلقها بوعزيزي، وحيث إن تراخي المستبدين واستهتارهم بأرواح أبناء تونس ومصر واستخفاف أجهزة الأمن بذكاء الناس ووعيهم وإرادتهم مثّل المخزونَ لبرميل البارود الذي يتفجر تباعاً ليكون في كل ولاية ومدينة ويشتت بذلك تركيز القطط السمان وحماتهم من جيش المرتزقة والنفاق.

وكان من حُسن الطالع أن يكون ذلك في دول مثل تونس ومصر التي تمتلك بشكل كبير شعبا لا يعوزه مزيد من الوعي والنضج لإرادة الثورة، فنسبة التعليم مرتفعة والوعي السياسي كبير وعوامل الاحتقان أكثر من أن تُحصي: اقتصاد ومال تحتكره القطط السمان، وبطالة الخريجين خصوصا، وأجيال جديدة تتفجر شباباً وعطاءً، واستبداد منقطع النظير إذا قورن بالاستبداد في أقطار عربية أخرى.

"
تراخي المستبدين واستهتارهم بأرواح أبناء تونس ومصر واستخفاف أجهزة الأمن بذكاء الناس ووعيهم وإرادتهم مثّلَ المخزون لبرميل البارود الذي يتفجر تباعا
"
تونس ومصر تعتبران دولا بوليسية أمنية تحتقر حقوق الإنسان، علاوة على ذلك فإن المستبديْن لم يواريا سوأتهما بتبني قضية التحرر الأولى للعالم العربي (فلسطين) كما فعل الأذكياء من المستبدين ولكنهما عاشا مستبدين بلا قضية تربطهما بالجماهير وبدون صلة مع الشارع في لقمة عيشه ولامبالاة مقيتة تجاه كافة القضايا والمستجدات على الساحة العربية كبُرت أم صغُرت. وساهم في كل ذلك توفر مجتمع متجانس وغير طائفي على حد كبير مما لم يوفر فرصة للالتحاق بطائفة ضد أخرى.

ولمَّا وصلت الثورة تونس العاصمة والقاهرة الكبرى وبدأ الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر تنضح معالمه خاصة بعد أن ميز الجيش بين الدولة والمستبد، وتخلى الحلفاء (أميركا وفرنسا وبريطانيا وإسرائيل) عن حليفهم سريعا، لم يعد للمستبد في تونس موطئ قدم، وإرهاصات ذات السيناريو موجودة في مصر.

ماذا بعد؟
"وللحرية الحمراء باب بكل يد مدرجة يدق"، فالدماء التونسية والمصرية ثمن الحرية الغالية ولا ينبغي ضياعها عبر ما يجري من محاولة إنتاج لنظام بن علي ومبارك مرة أخرى بالتدليس وباختطاف ثمار الثورة عبر استثناء إرادة الجماهير، ومحاولة تزيين مخرجات الثورة زورا وبهتاناً، أو باستثناء القوى والجماهير السياسية النابضة.

والمشكلة الآن في افتقاد ثورات تونس ومصر لقيادة ظاهرة ورمزية تشكل المرجع والمحرك والوقود، ويأتي من هنا دور النخبة بتجدد دعوة المفكرين في تونس ومصر كي نسمع أصواتهم عاليا عبر بوابة الجماهير مما قد يمثل رأسا للثورة وحماية المنجزات ودماء الأحرار واستثمارا للثورة في التغيير الشامل الحقيقي، وذلك سيكون مرتبطا بدرجة وعي الشعب صاحب الخطاب المطلبي الواضح الذي أطلق الثورات ومستوى الثقة لديه الذي سيمنع خلط الانتهازية بالمبدئية وخاصة في مراحل التحول.

ومن هنا فإن المتوقع حدوثه أن تدوم الثورة حتى يوقفها أحد ثلاثة احتمالات: وقوع انقلاب عسكري يعيد السيطرة الأمنية على البلاد، أو أن تقبض نُخب النظام القائم بدعم من الجيش على ناصية البلاد، أو اللجوء إلى عقد صفقة مع القوى السياسية الحية لتمرير المرحلة الانتقالية إلى الانتخابات.

وهنا يكون قد تم التسليم للجماهير النابضة بالحرية لتونس ومصر، وعلى الجانب الآخر فإن قوى الظلم العالمية يمكن أن تحاول الرد على هذه الإهانة في تونس ومصر في موقع عربي آخر.

"
علينا ونحن نرمق تونس الخضراء ومصر الكنانة وكشف المستور أن نستبشر بعام للتغيير الشامل لا الجزئي، والعميق لا السطحي، والجذري لا الفوقي، والمستقر لا الوقتي
"

أخيراً امتد لهيب الثورة العربية الكبرى الحقيقية لتعلن أن العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين يحمل ربيع الشعوب وليفهم بن علي سريعا ماذا يريد الشعب التونسي، وأملنا أن تنتقل "عدوى الفهم" سريعا إلى مبارك ومن ثم إلى الساحات العربية من المحيط إلى الخليج.

وعلينا في عام جديد، ونحن نرمق تونس الخضراء ومصر الكنانة وكشف المستور، أن نستبشر بعام للتغيير الشامل لا الجزئي، والعميق لا السطحي، والجذري لا الفوقي، والمستقر لا الوقتي، والمنضبط لا الفوضوي، والمتدرج قطريا إلى العالمية، تقود النخبة الشعوب ولا تنوب عنها، وذلك ليس بالوقوف على الأطلال واستدرار الدموع وإنما بالثقة بالله تبارك وتعالى والبحث عن الأمل والتشبث بصناعة الحياة والقضاء على الاستبداد، وأن نعمل على بناء أجيال شباب الأمة على الحرية حتى لا تنكسر ولا تتلوث وتمسك بزمام المبادرة لاستلام راية البناء وتصحيح المسار كي ترسو الأمة على شاطئ الحرية والكرامة والتحرير والحضارة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك