وحيد مفضل

وحيد مفضل

باحث وكاتب علمي مصري


مقدمات وأسباب التهاوي
مشاهد الثورة الرئيسية
مكاسب الثورة والشعب المصري
مخاوف المرحلة القادمة

"عيش .. حرية .. عدالة اجتماعية"، شعار بليغ من أربع كلمات لا أكثر، لكنه يجمل كامل حقوق الفرد في أي منحى بالأرض، استطاع نظام مبارك السابق استنطاقه بكل اقتدار، وبفساده المستشري وأدائه السيئ عبر ثلاثة عقود كاملة، من أفواه ملايين المصريين من الشباب وفئات الشعب الأخرى، ممن خرجوا يوم 25 يناير2011 وأيام الغضب اللاحقة في ثورة بيضاء نقية مطالبين بإسقاط رموز الفساد القائم، وإسقاط كل معالم التدني الذي عاصروه خلال ثلاثين سنة من الحكم غير الرشيد.

هكذا بدأ هتاف الثائرين، وهكذا بدا أن هذا هو المطلب الأساسي لمحركي الثورة، لكن القسوة المفرطة والإدارة الخاطئة للأزمة والغباء السياسي وصلف أركان النظام مع صمود جموع الشعب المحتشدة وتلاحم فئاته المختلفة، قد ساهم في إعطاء الثورة زخما إضافيا، وفي رفع سقف المطالب إلى حدود عليا، لم يكن يعتقد أن الشعب المصري قادرا على البوح والجهر بها، كما ساهم في سقوط النظام القائم وتهاويه في لحظة واحدة فارقة، سيظل يذكرها التاريخ للأبد، وستسطر قصتها بأحرف من نور في صفحات نضال الشعوب ضد الطغاة والحكام الاستبداديين.

لكن ثورة 25 يناير لم تنبع من فراغ ولم تندلع فجأة، كما قد يبدو للكثيرين، بل سبقتها أيام غضب كثيرة ومقدمات طويلة وأسباب عديدة تراكمية، تعود إلى حوالي ثلاثين عاما خلت، هذا وإن بدا أن مطلق شرارتها الأولى هم شباب المصريين من مستخدمي فيسبوك ومجموعة "كلنا خالد سعيد" الإلكترونية وحركة 6 أبريل وبقية الجماعات الاحتجاجية المشابهة الأخرى.

مقدمات وأسباب التهاوي
من أهم هذه الأسباب، افتقاد مبارك القائد للكاريزما الشخصية والوعود المتتالية الكاذبة التي أطلقها مبارك نفسه ومعاونوه والقائمون على الحكم عبر السنين الماضية، ومن أبرز هذه الوعود تحقيق الرخاء وتحسين دخول المواطنين وإرساء نظام ديمقراطي سليم، وإجراء انتخابات نيابية ورئاسية نظيفة، وإنهاء العمل بقانون الطوارئ وغيرها من الوعود التي طالما طنطن بها النظام على أسماع المواطنين، دون أن يستطيع تحقيقها أو الإيفاء بها.

"
من أسباب تهاوي نظام مبارك استشراء الفساد والرشوة والمحسوبية في كافة الأوصال والأعمال الحكومية وبين كبار العاملين بها، وتزاوج السلطة مع المال، وسيطرة حفنة من رجال الأعمال على الحياة في مصر
"
من أسباب تهاوي نظام مبارك أيضا، استشراء الفساد والرشوة والمحسوبية في كافة الأوصال والأعمال الحكومية وبين كبار العاملين بها، وتزاوج السلطة مع المال، وسيطرة حفنة من رجال الأعمال على الحياة السياسية والاقتصادية في مصر، واقتصار مسؤولية إدارة الدولة وكثير من الوزارات الحكومية على فئة محدودة من المنتفعين وبطانة النظام دون النخبة وشرفاء الوطن الحقيقيين.

ومن الأسباب الفاعلة كذلك زيادة موجة الغلاء وارتفاع الأسعار باطراد وتزايد معدلات الفقر وسوء الخدمات الحكومية المقدمة وفشل الدولة في توفير حياة كريمة للمواطنين وفي الاضطلاع بمسؤولياتها الأساسية مع كثرة الأزمات وحوادث إهدار المال العام وإهدار آدمية المواطنين في طوابير الخبز اليومية وأنابيب الغاز وبقية المواد التموينية.

لا يمكن أيضا إغفال الأثر النفسي التراكمي لحالات القمع المنهجي والتضييق الأمني وكبت الحريات وحوادث التعذيب المتتالية وإهانة المواطنين في أقسام الشرطة وبقية القطاعات الحكومية، مع امتهان أحكام القضاء، وغياب الأمن الجنائي والاجتماعي وانتشار الجريمة بشكل لافت خلال الفترة الأخيرة.

يضاف إلى هذا تراجع دور مصر الدولي والإقليمي واتباع الدولة لسياسات اقتصادية فاشلة تعتمد على بيع القطاع العام وفرض ضرائب جديدة وغير عادلة على الدخول والممتلكات الشخصية، والتباهي بمعدلات نمو مرتفعة، من دون تحقيق تنمية حقيقية، ودون انعكاس هذا على المواطن البسيط وطبقات الشعب الكادحة.

وقد شكلت هذه الأسباب مجتمعة مخزونا حقيقيا للغضب وحنقا متناميا بين عدد كبير ومتزايد من أفراد الشعب المصري، وبدرجة ساهمت كثيرا في تدني الأخلاقيات والمعاملات الاجتماعية، وسوء العلاقة بين الفرد والمجتمع وبين المجتمع والدولة، مع عدم شعور الفرد بذاته أو بمعنى الوطن، وبدرجة أصبح معها أيضا الشعب المصري مهيئا للثورة وقاب قوسين أو أدنى من الانفجار، وهو ما تحقق فعلا في 25 يناير الماضي بضغطة زر واحدة من الناشط الالكتروني وائل غنيم محرر مجموعة "كلنا خالد سعيد" على فيسبوك.

لكن ثورة 25 يناير كان لها إرهاصات كثيرة وسبقها أكثر من بادرة تنم عن تطلع الشعب المصري للتغيير واستعداده للثورة. ومن هذه الإرهاصات، مظاهرات عمال المحلة في 6 أبريل 2008، والتى لم يقدر لها الانتشار والتوسع في باقي ربوع مصر، بسبب العنف المفرط ونجاح أجهزة الشرطة والنظام الحاكم حينها في تحجيم وقمع المتظاهرين.

ومنها أيضا الوقفات الاحتجاجية التي جرى تنظيمها غير ذات مرة في الإسكندرية في عام 2010 أثناء محاكة المتهمين بقتل وتعذيب المواطن خالد سعيد، وهم من المخبرين السريين وجهاز الشرطة المصري، والتي قوبلت أيضا بعنف مفرط وسحق لجموع المحتجين. لا يجب أيضا أن ننسى دور حركة كفاية والجمعية الوطنية للتغيير وكتابات النشطاء والصحفيين المعارضين والمستقلين في تهيئة المجتمع المصري للتغيير وفي كشف أخطاء وخطايا النظام الحاكم للقراء والمتابعين.

لم يكن إذن على وائل غنيم أو غيره من الناشطين، إلا مجرد إطلاق الشرارة الأولى وإشعال فتيل الثورة، ولم يكن بوسع الشباب المصري الحالم بمستقبل أفضل وفئات الشعب الأخرى المهيئة أساسا للانفجار والمتطلعة لتكرار تجربة دولة تونس الشقيقة، سوى التفاعل مع هذا والانطلاق في مسيرات سلمية مطالبة بتحقيق أسس العيشة الكريمة والعدالة وبتغيير النظام بأكمله.

مشاهد الثورة الرئيسية

"
كان من سوء حظ أركان حكم مبارك، أن تضافر أكثر من مشهد مؤثر وعامل فاعل في تأجيج مشاعر الثائرين وحشد مزيد من المتظاهرين وحصول الثورة على زخم هائل ومتنام، لم يكن ممكنا اكتسابه في الظروف العادية
"
ولقد كان من سوء حظ أركان حكم هذا النظام، أن تضافر أكثر من مشهد مؤثر وعامل فاعل في تأجيج مشاعر الثائرين وحشد مزيد من المتظاهرين وحصول الثورة ذاتها على زخم هائل ومتنام، لم يكن ممكنا اكتسابه في الظروف العادية، مما ساهم حقيقة في توجيه هذه الثورة لمساراتها الصحيحة، وفي إيصال المتظاهرين إلى نقطة اللاعودة.

المشهد الأول تمثل في استخدام العنف المفرط مع المتظاهرين وسقوط عدد من القتلى والجرحي منذ اليوم الأول للمظاهرات في كل من القاهرة والسويس، تلي هذا استفزاز واستنفار جميع الأجهزة الأمنية لقمع مزيد من المتظاهرين عن طريق تعطيل الإنترنت وقطع وسائل الاتصال وشبكات الموبايل، في إجراء استفزازي ورجعي مشين، لم يسبق لأي دولة مدنية وذات سيادة وتدعي الديمقراطية وحرية الرأي تطبيقه أو الإقدام عليه.

وقد كان هذا بمثابة غباء سياسي وأمني منقطع النظير، لأنه ساهم ببساطة في لفت أنظار بقية فئات المجتمع المصري غير العابئة بالمظاهرات، إلى حجم وثقل الحشود الشعبية المتظاهرة، وإلى تخوف أجهزة النظام الحاكم منها ومن الشعارات المنادية بها.

المشهد الثاني تراءى يوم جمعة الغضب 28 يناير/كانون الثاني بشكل صاخب، حينما اجتمعت كل وسائل العنف الشرطي والقمع الأمني في مصر المحروسة على إجهاض محاولات التظاهر وتفريق الجموع المحتشدة بكثافة، حتى لو كان هذا عن طريق دعس هذه الجموع بسيارات الشرطة، وإطلاق الرصاص الحي، وإغراق المتظاهرين بالقنابل المسيلة الدموع والمدافع المائية، وقنص العشرات منهم وقتلهم بدم بارد وبغير رحمة.

غير أن أسوأ ما في هذا المشهد هو انسحاب قوات الشرطة بشكل مفاجئ وغير مبرر، وهذا بالتزامن مع حرق عدد كبير من أقسام الشرطة وإطلاق البلطجية والمساجين من محابسهم وإشاعة الفوضى وحالات السلب والنهب في بر مصر بشكل غير مسبوق، وبدرجة أستدعي معها نزول الجيش للشوارع المدنية لأول مرة منذ انتفاضة يناير1977.

ولقد كان من نتائج تداعي صور الانسحاب الجماعي للشرطة وحوادث القتل العمد والسلب والنهب المتكاثرة على شاشة الفضائيات في ذلك اليوم وما تلاه، أن تزايد السخط العام داخليا وخارجيا على النظام الحاكم، وبقدر انعكس إيجابيا على أعداد المتظاهرين وعلى مقدار الغضب الكامن في صدور الثائرين وفئات الشعب المصري الأخرى المتابعة للموقف.

المشهد الثالث: تلى أول تظاهرة مليونية بميدان التحرير يوم الثلاثاء 1 فبراير/شباط، وفيه تواصل الغباء السياسي والأمني من قبل مؤيدي مبارك ورجالات الحزب الوطني الحاكم، بإطلاق هؤلاء لفئة مأجورة من البلطجية والخارجين عن القانون على الجموع المحتشدة بالميدان في محاولة خائبة وبائسة لتفريقهم وتشريدهم، مستخدمين في هذا وسائل همجية وهجمات بربرية مشينة، وهذا فيما عرف دارجا بموقعة الجمل، وهو ما تسبب في خسارة مبارك لبعض التعاطف الشعبي الحادث بعد خطابه الثاني، وإحياء بواعث الثورة من جديد.

المشهد الرابع: كان -على بساطته وعفويته- بالغ التأثير والفاعلية، وتمثل في بكاء الناشط وائل غنيم تأثرا بصور شهداء الثورة، وذلك أثناء لقاء تلفزيوني مباشر، تابعه ملايين المصريين يوم 7 فبراير/شباط بعد إطلاق سراحه مباشرة من المعتقل، واستطاع وائل من خلال حديثه الطاغي والمفعم بكم هائل من الصدق والمباشرة والإحساس بالوطنية، كسب تعاطف غالبية الملتفين حول الشاشة وغيرهم من جموع الشعب غير العابئ بما يحدث حوله.

في نفس إطار هذا المشهد، ساهمت النماذج الإيجابية الكثيرة والجيدة التي عرضتها الفضائيات العربية والقنوات التلفزيونية غير الحكومية في مصر لنماذج المعتصمين في ميدان التحرير، ومنهم نخبة كبيرة من الكتاب والممثلين والشخصيات المصرية العامة من المعروف عنهم انتماءهم الوطني وإخلاصهم ومصداقيتهم الشديدة، في كسب مزيد من المؤيدين للثورة، وفي إجلاء الصورة القبيحة التي كان الإعلام المصري الحكومي يحاول بكل الطرق والوسائل إلصاقها بكل من في الميدان.

تتابع المشاهد السابقة مع وجود خلفية كبيرة لمشاكل كثيرة سبق الإشارة إليها آنفا، فضلا عن تباطؤ النظام الحاكم في اتخاذ القرارات الصحيحة وسرعته الشديدة في اتخاذ القرارات الخاطئة، ومحاولاته المستمرة في الالتفاف حول مطالب الشباب الثائر، قد أفضى إلى تنامي زخم الثورة وتزايد المؤيدين لها وللمعتصمين بميدان التحرير باطراد، وبدرجة أصبح معها الميدان قبلة لكل الثائرين ورمزا للثورة الجديدة.

"
ساهم الأسلوب الخطابي الخاطئ والاستفزازي لمعظم أحاديث الرئيس مبارك ومعاونيه في تزايد سخط الجماهير وتزايد عنادها وإصرارها على البقاء بالميدان حتى يتحقق مطلب الرحيل ويتم إسقاط النظام
"
كذلك ساهم الأسلوب الخطابي الخاطئ والاستفزازي لمعظم أحاديث الرئيس مبارك ومعاونيه على ما اعترى هذا الأسلوب من صلف وعناد متتال وتعال وحديث متعاظم للأنا، دون إقرار بالخطأ أو اعتراف بمشروعية طلبات الجماهير الثائرة، في تزايد سخط هذه الجماهير وتزايد عنادها وإصرارها على البقاء بالميدان حتى يتحقق مطلب الرحيل ويتم إسقاط النظام.

لا يمكن كذلك إغفال الدور الملهم والفاعل الذي لعبته الفضائيات والقنوات التلفزيونية الموجهة للمنطقة العربية بخاصة الجزيرة والعربية والبي بي سي والحرة ودريم وغيرها، في إضافة حراك إضافي وزخم متصاعد للثورة والثائرين في ميدان التحرير وخارجه، وذلك ببثها المباشر والمتوالي للأحداث وتسجيلات حوادث القتل والانتهاكات المنهجية المتكررة، ولقاءاتها المباشرة مع شباب الثورة وداعميها، ولقاءاتها كذلك بالضحايا والأمهات الثكلى.

مكاسب الثورة والشعب المصري
ولقد كان من الطبيعي أن تتجمع كل المشاهد السابقة في النهاية في كادر واحد بالغ الإضاءة وتاريخي بكل المقاييس، تمثل في تهاوي أركان النظام القائم وقبول مبارك التنحي، عبر كلمة مقتضبة وواجمة بلسان نائبه المعين، مساء يوم مشهود ولن ينساه المصريون عبر التاريخ (11 فبراير/شباط 2011). غير أن نجاحات الثورة لم تقتصر على تحقيق هذا المطلب فقط، بل كان لها جملة أخرى من الإيجابيات والنجاحات الأزلية، التي لا ينبغي التقليل من شأنها، لما في ذلك من آثار ونتائج ممتدة وبعيدة المدى على شؤون الحياة والاقتصاد ومستقبل الديمقراطية والحكم في بر مصر.

وبعيدا عن مستقبل الحكم والديمقراطية في مصر الذي لا شك أنهما سيكونان أفضل خلال الفترة القادمة، فإن من أبرز هذه الإيجابيات، اكتشاف العالم والمصريين أنفسهم لدرر مكنونة وطاقات بشرية هائلة وبالغة الحيوية ضمن فئات الشعب المصري، لطالما تم تهميشها واتهامها بضحالة الفكر وغياب الرؤية، ونقصد بهذه الفئات العمرية الصغيرة وشباب فيسبوك ومستخدمي الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي.

لقد ذهل العالم والنظام القائم من حسن تنظيم الشباب الثائر، ومن ارتفاع مستوى ثقافتهم ووعيهم بما يدور حولهم، كما ذهل من سيولة تحركات هذه الفئة في ظل عدم وجود قيادة موحدة أو محددة لهم، وفي ظل عدم تبنيهم لأي أجندات سياسية مسبقة.

من أبرز الإيجابيات أيضا كسر حاجز الخوف بلا رجعة، وتأصل فكرة حرية التعبير بين المصريين، من خلال قدرة المواطنين وفئات الشعب المختلفة -من دون النخبة والكتاب المعارضين- على التعبير عن رأيهم بحرية، بمنتهى الجرأة ودون وجود سقف أعلى للنقد أو الخوف من عصى رجال الأمن.

وهذا مما ينبغي اعتباره واعتبار نتائجه جيدا في المستقبل، لأن ممارسة حرية التعبير بشفافية والتوسع في ممارستها على مستوى القاعدة الجماهيرية، ستساعد من دون شك في ترسيخ حقوق المواطن وتشكيل وعي الجماهير بحقيقة الأمور الجارية، وقدرة الهيئات والمنظمات المجتمعية على محاسبة الوزراء والمسؤولين المحليين، وهو لم يكن متاحا أو ممكنا بشكل حقيقي خلال فترة حكم مبارك.

"
من إيجابيات الثورة أيضا تلاحم قوى وفئات الشعب المختلفة وعودة القيم المجتمعية بين المواطنين بعد أن قضى عليها نظام مبارك من خلال انتشار المحسوبية والاكتواء بنار الغلاء والانشغال بمحاولة الحصول على مداخيل إضافية
"
ومن إيجابيات الثورة أيضا تلاحم قوى وفئات الشعب المختلفة وعودة القيم المجتمعية بين المواطنين بعد أن قضى عليها نظام مبارك من خلال انتشار المحسوبية والاكتواء بنار الغلاء والانشغال بمحاولة الحصول على مداخيل إضافية، وغير ذلك مما ساهم في انفصال المواطن المصري عن محيطه الإنساني وعن بيئته الاجتماعية.

وقد ظهرت هذه الإيجابيات بشكل جلي في ميدان التحرير بين جموع المتظاهرين، وظهرت كذلك خارجه في أزقة المدن وشوارعها الممتدة، من خلال تفعيل المواطنين لفكرة اللجان الشعبية وتعاونهم في تنظيم وأداء الخدمات الحكومية المتوقفة من حفاظ على الأمن وتسيير المرور وتنظيف الشوارع، وغير ذلك.

يدخل في نفس الإطار أيضا مشهد ذوبان الفوارق الطائفية ما بين المسلمين والمسيحيين، وابتعاد مظاهر الشحن الطائفي عن واقع الحياة المصرية لأول مرة منذ فترة طويلة، وهو ما قد يسهم في التخفيف من حدة النعرات الطائفية ومن المشاكل المنبنية على هذه النعرات مستقبلا.

كما يدخل فيه مشهد احتواء الجيش لمطالب الشعب في النهاية وبعد فترة طويلة من الحياد، ثم تعاظم مشاعر الاعتزاز بدور الجيش الوطني بعد أن كان غائبا عن الصورة الذهنية للمواطن العادي وعن المشهد المدني طوال العقود السابقة، حيث لم تدخل مصر أي حروب خلال عهد مبارك، وهو ما يحسب له.

من الإيجابيات المشهودة أيضا تعميق الشعور بالانتماء والروح الوطنية والكشف عن رموز الفساد وقوائم الأموال المنهوبة وإقصاء عدد من الوجوه الممقوتة وقيادات الحزب الوطني من الحياة السياسية والاقتصادية الحاكمة، بعد أن فقد الجميع الأمل في إمكانية إزاحتها أو تغييرها إلا عن طريق الوفاة أو الرحمة الإلهية.

مخاوف المرحلة القادمة
إيجابيات ثورة 25 يناير ومكتسبات الشعب المصري منها كثيرة جدا في الواقع ويصعب حقيقة حصرها بشمولية أو بدقة حاليا، لكن هذا على أي حال لا يعني أنها بدون مخاوف ودون سلبيات، ومن أبرز هذه المخاوف بالطبع احتمال تحول حلم الديمقراطية إلى فوضى منهجية، ومحاولة البعض السطو على نجاحات الثورة أو اقتناص ثمارها، وعدم شفاء جسد مصر السقيم من علات المرض، بسبب استمرارية وجود ذيول النظام السابق في الحكم حتى اللحظة.

وهذا لا يعني أيضا خلو مشاهد الثورة من بعض الظلال القاتمة والسلبيات ومنها تحول فكرة الحساب عند البعض إلى رغبة جامحة في الانتقام، وإصدار قوائم للعار تصنف النخبة والمشاهير في بر مصر إلى قسمين مع أو ضد الثورة، وتزايد وتيرة الحركات الاحتجاجية والمطالب الفئوية بطريقة تعيق الإنتاج ونهضة اقتصاد الدولة، وتخوف البعض من تحول مصر إلى إيران ثانية، وغير ذلك مما يستحق الانتباه إليه وإعطاءه أهمية.

غير أن أكثر ما يقلقني إضافة إلى ما سبق ذكره آنفا، هو إقصاء شباب مصر -مفجر الثورة الحقيقي- ثانية من المشهد بعد فترة، واحتمال إهمال الطاقات والكفاءات الشبابية البازغة من آليات الحكم الإداري في البلاد، واقتصارها ثانية على الفئات العمرية الكبيرة ممن هم في العقد السادس أو السابع.

"
لا تخلو مشاهد الثورة من بعض الظلال القاتمة والسلبيات ومنها تحول فكرة الحساب عند البعض إلى رغبة جامحة في الانتقام، وإصدار قوائم للعار، وتزايد وتيرة الحركات الاحتجاجية والمطالب الفئوية بطريقة تعيق الإنتاج
"
كما يقلقني أن يتحول ائتلاف شباب 25 يناير إلى حزب سياسي، فالعفوية وعدم وجود أجندات أو توجهات سياسية للغالبية الساحقة منهم كانت هي سر نجاحهم المذهل، كما كان فكرهم الثوري -لا الحزبي- هو الداعي لتفجير هذه الثورة وانطلاقها من مخزون الغضب الشعبي الكامن بالشارع المصري، وهذا في نفس الوقت الذي لم يتمكن فيه أي حزب سياسي في تحقيق قاعدة شعبية حقيقية أو ينجح في إحداث أي حراك بين أوساط جماهير الشعب المتحفزة للغضب والثورة.

على أي حال فإن الثورة قد أنجزت جل مهامها، ولا يتبقى بعد ذلك إلا استمرار العمل لإنجاز استحقاقات المرحلة الصعبة القادمة، وترقب الأحداث لرؤية ما ستسفر عنه الأيام والشهور القادمة، وحينها سيمكن للمؤرخين وجميع المتابعين تقييم منجزات الثورة بالكامل ورصد جميع نتائجها وآثارها برؤية أوسع وقدر أكبر من الموضوعية والشمولية.

لكن الثابت الآن -ومهما كانت هذه النتائج- أن الشعب المصري قد استطاع بثورته الشريفة والنقية تلك كسب احترام وتقدير العالم أجمع، كما استطاع أن يحجز لنضاله صفحة مشرفة للغاية وباهرة الإضاءة في تاريخ الثورات الشعبية المجيدة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك