العياشي عنصر

العياشي عنصر

العياشي عنصر


تعاقب الحركات الاحتجاجية في الجزائر
احتجاجات يناير 2011 الشعبية
في دلالة الثورة الشعبية التونسية والمصرية

في هذا الجزء الثاني يتناول الكاتب تعدد الحركات الاحتجاجية في الجزائر وصولا إلى الاحتجاجات الشعبية في يناير/كانون الثاني 2011, التي كانت بمثابة عاصفة هوجاء من الغضب الاجتماعي ولكن لم يتم استثمارها بالشكل الصحيح، موضحا أن ثمة تشابها بين حالة الجزائر وحالتي مصر وتونس من ناحية الشكل, ولكن على مستوى العمق، هناك اختلافات جوهرية.

تعاقب الحركات الاحتجاجية في الجزائر
شكلت أوضاع التدهور الاجتماعي والاقتصادي والغلق السياسي التي عرفتها الجزائر منذ ما يقارب 30 سنة مدخلا لحالة الاضطراب وغياب الأمن والسلم الاجتماعيين مجسدة أحد المعالم المميزة لوضعية البلاد.

وقد امتدت فترة عدم الاستقرار وغياب السلم لمدة طويلة من الزمن، أي منذ منتصف ثمانينيات القرن العشرين مرورا بعقد التسعينيات الذي تميز بحرب أهلية بين القوات النظامية والجماعات الإسلامية المسلحة، وصولا إلى العقد الأول من القرن الحادي والعشرين حيث لم تكن الصورة مغايرة قط.

فالحركات الاحتجاجية رغم عدم انتظامها لم تتوقف لغاية يوم 5 يناير/كانون الثاني 2011 تاريخ انفجار الأوضاع مجددا في انتفاضة شعبية قادها الشباب ضد حالة البؤس والقهر والظلم الاجتماعي، وأرادها النظام شغبا بسبب ارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية.

"
شكلت تلك الحركات الاحتجاجية جزءًا لا يتجزأ من الزمن الطبيعي للحياة في مختلف مناطق البلاد، حتى أصبح لسان حال الناس يردد: "تعددت الأسباب والاحتجاجات واحدة" الفقر، التسلط، الاستبداد، الظلم الاجتماعي، الإقصاء، التهميش
"
لقد شكلت تلك الحركات الاحتجاجية جزءًا لا يتجزأ من الزمن الطبيعي للحياة في مختلف مناطق البلاد، حتى أصبح لسان حال الناس يردد: "تعددت الأسباب والاحتجاجات واحدة" الفقر، التسلط، الاستبداد، الظلم الاجتماعي، الإقصاء، والتهميش الذي طال الملايين من المواطنين رجالا ونساء، كبارا وصغارا في مختلف جهات البلاد.

كل واحد من هذه العوامل يعتبر سببا كافيا لإشعال فتيل الحركات الاحتجاجية ومدها بمصدر وقود لا ينضب، وذخيرة مستمرة على مدى ثلاثة عقود من الزمن، بحيث لا تخمد تلك الاحتجاجات في جهة حتى يمتد لهيبها إلى جهة أخرى.

والملاحظ أن هذه الحركات الاحتجاجية قد تنوعت أشكالها وتعددت أسبابها مع مرور الوقت، ومنها الإضرابات التي قامت بها فئات مهنية متعددة من الطبقات الوسطى مثل أساتذة التعليم بمراحله المختلة (الإعدادي والمتوسط والثانوي)، على مدى فترات متقطعة تتراوح بين شهر وثلاثة أشهر خلال السنوات الماضية كلها، وكذالك إضرابات الأطباء وأعوان السلك الطبي بمختلف درجاتهم، وهي الأخرى كانت متواترة خلال عدة سنوات من العقد المنصرم، ثم إضرابات أساتذة الجامعات الذين لم يتوقفوا عن هذه الحركة الاحتجاجية منذ منتصف التسعينيات، بحيث لا يخمد صوتهم إلا ليطفو من جديد على السطح سنة بعد أخرى لغاية 2010، والشيء نفسه يقال عن موظفي ومستخدمي الإدارة العمومية، بالإضافة إلى الاحتجاجات الطلابية التي كثيرا ما تندلع بسبب ظروف الحياة السيئة مرة، وبسبب التغييرات العشوائية التي تحدث في نظام التعليم مرات أخرى، ثم هناك الاحتجاجات الشعبية العامة التي لا تستمر فترات طويلة، ولكنها متواترة بشكل ملحوظ وتأتي على شكل زوابع وأعاصير الغضب التي تنفجر فجأة لأسباب كثيرا ما تبدو "واهية" للملاحظ غير الدقيق، ثم سرعان ما تخمد بعد أن تأتي في طريقها على الأخضر واليابس بسبب أعمال العنف والتخريب التي تصاحب تلك الموجات من الغضب الشعبي العارم.

وبعضها قد يستمر لأيام أو لأسابيع، وهي غالبا ما تحدث في الأحياء الشعبية المكتظة بالسكان في ظل انعدام أبسط شروط الحياة الكريمة، أحياء الفقر والبؤس الاجتماعي الموجودة في كبرى المدن الجزائرية. وغالبا ما تكون عمليات توزيع المساكن الاجتماعية، ونقص الماء الشروب، وانقطاع الكهرباء، وغياب الطرق والمدارس في تلك الأحياء الشعبية، وفي "مدن الصفيح" التي تشكل أحزمة الفقر والبؤس حول معظم المدن الكبرى سببا وجيها لاندلاع مثل تلك الحركات الاحتجاجية العارمة التي تتميز بعفويتها وعدم تنظيمها وكذلك درجة العنف والتخريب التي تصاحبها.

ولعل من أشهر الحركات الاحتجاجية الشعبية العنيفة أحداث "الربيع القبائلي" التي اندلعت في أبريل/نيسان 1980، وكانت بمثابة أول مواجهة عنيفة بين السكان المدنيين والسلطة تعرفها البلاد منذ الاستقلال عام 1962. واستمرت المظاهرات والإضرابات والمواجهات العنيفة التي شلت كامل منطقة بلاد القبائل لفترة طويلة من الزمن استعمل فيها النظام أقسى درجات العنف وقمع الحركة بشراسة وسجن المئات من النشطاء خاصة من طلاب الجامعات والثانويات.

من الناحية السياسية يمكن اعتبار هذه الحركة بمثابة انتفاضة شعبية عفوية قادها طلاب الجامعات المنضوين تحت الحركة الثقافية البربرية، أما على المستوى الاجتماعي فقد شكلت نقطة البداية لظهور نخبة مثقفة من طلاب الجامعات الملتزمين بقضايا الشعب والنشطاء المدافعين عن الحقوق المدنية.

وقد فتحت هذه الانتفاضة الطريق لانتفاضات شعبية أخرى مشهورة مثل انتفاضة سكان مدينة قسنطينة وضواحيها سنة 1986، ثم بعدها بسنتين أحداث 5 أكتوبر/تشرين الأول 1988 الشهيرة التي كانت الأشمل والأعنف في تاريخ الانتفاضات الاجتماعية الشعبية في الجزائر حتى الآن.

كما عرفت منطقة القبائل بعد عقدين من ذلك بمناسبة الاحتفال بذكرى الربيع القبائلي حركة احتجاج شعبية عنيفة وواسعة سميت بحركة "الربيع الأسود" في أبريل/ نيسان 2001. وقد انفجرت الاحتجاجات بعد مقتل الشاب "ماسينيسا قرباح" يوم 18 أبريل/نيسان 2001 على يد قوات الدرك الوطني، وقد وصفه وزير الداخلية آنذاك بأنه شاب منحرف لتبرير استعمال العنف معه. وكانت المظاهرات والمواجهات عنيفة وقوبلت بعمليات قمع شرسة من قبل قوات الأمن والدرك الوطني راح ضحيتها ما لا يقل عن 70 من الشباب بالإضافة إلى مئات الجرحى والموقوفين.

"
فتحت انتفاضة "الربيع القبائلي 1980" الطريق لانتفاضات شعبية أخرى مشهورة مثل انتفاضة سكان مدينة قسنطينة 1986، ثم انتفاضة 5 أكتوبر 1988 الشهيرة التي كانت الأشمل والأعنف في تاريخ الانتفاضات الاجتماعية الشعبية في الجزائر حتى الآن
"
أدت تلك الأحداث إلى انسحاب حزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية ذي القاعدة الشعبية الأمازيغية من الحكومة في مايو/أيار 2001، كما كان من نتائجها تشكيل تنظيم شعبي جديد عرف باسم "تنسيقية العروش" في يونيو/حزيران 2001 الذي يضم أبرز العائلات في منطقة القبائل وممثلين عن الفعاليات البربرية المختلفة خاصة منظمات المجتمع المدني.

وقد حاول زعماء العروش الضغط على السلطة حيث سار مئات الآلاف من المتظاهرين يوم 14 يونيو/ حزيران 2001، في العاصمة وتسببت المظاهرات التي لم تواجهها قوات الأمن بأمر من وزارة الداخلية في محاولة لامتصاص الغضب الشعبي، في حرق وتدمير واجهات المحلات والمؤسسات العمومية والخاصة.

ثم جاءت أحداث منطقة وادي ميزاب (غرداية) التي استمرت فيها المواجهات بشكل متقطع خلال سنتين تقريبا 2008-2010 بين سكان من أصول إثنية ومذهبية متباينة: العرب المالكيين والأمازيغ الأباضيين.

حدث ذلك بالرغم من أن هؤلاء السكان تعايشوا في سلم ووئام مئات السنين، ولم تحدث بينهم نزاعات مثل تلك التي عرفتها المنطقة خلال الفترة المذكورة. ويجمع المتتبعون للأحداث بما في ذلك العقلاء من سكان المنطقة ذاتها على أن تضافر عوامل خارجية منها تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، والتنافس بين تيارات وأحزاب سياسية للسيطرة على المنطقة، وصراع الأجنحة داخل مؤسسات النظام حول النفوذ، وتوظيف عناصر التباين والاختلاف العرقي والمذهبي ضمن تلك الصراعات، بالإضافة إلى التمييز الذي مارسه ممثلو النظام على المستوى المحلي بين سكان المنطقة كانت وراء تفجير الأوضاع وتفاقمها.

تلك الأحداث التي ذهب ضحيتها عدد من الأشخاص وتسببت في خسائر مادية قدرت بمليارات الدنانير (حرق مئات المنازل، السيارات، والمتاجر). وقد اتهمت الحكومة بالتقصير وعدم التدخل في الوقت المناسب، وسوء الإدارة والانحياز لطرف على حساب آخر في تعاملها مع تلك الأزمة التي استمرت لفترة طويلة نسبيا. ولم تقتصر أعمال العنف والتخريب على الفرقتين المتنازعتين من السكان، بل كانت السلطات المحلية وقوات الأمن طرفا رئيسيا فيها، كما كانت الأموال العمومية ضحية لها.

احتجاجات يناير 2011 الشعبية
بعد أيام من اندلاع الحركة الاحتجاجية في سيدي بوزيد بتونس (27 ديسمبر/كانون الأول2010) التي امتدت لتعم التراب التونسي كله وتشعل ثورة شعبية أطاحت بالنظام التسلطي والاستبدادي الذي أقامه بن علي واستمر 23 سنة، وفي الأسبوع الأول من شهر يناير (في 5 يناير/كانون الثاني 2011) اندلعت حركة احتجاجية بالأحياء الشعبية الفقيرة في مدينة وهران.

كان السبب المباشر حسب التفسير الرسمي ارتفاع أسعار بعض المواد الغذائية الأساسية مثل السميد، والسكر والزيت وغيرها. لكن في الحقيقة، تلك لم تكن سوى القطرة التي أفاضت الكأس، إذ إن حالة الاحتقان والضغط التي تعرفها البلاد ليست جديدة، فقبلها بأيام معدودات وقعت مواجهات عنيفة بين سكان الأحياء الشعبية الفقيرة بالعاصمة (حي ديار الشمس، وباش جراح)، وقوات الأمن على خلفية الطعن في نزاهة توزيع المساكن الاجتماعية، إذ وجهت التهم إلى السلطات المحلية وممثلي الدولة (الوالي ورئيس البلدية، والمجالس المحلية) بعدم العدل والإنصاف في توزيع المساكن وقد صارت هذه ظاهرة تقليدية في الجزائر منذ ثلاثة عقود.

وقبل ذلك كانت أحداث عنف مماثلة قد وقعت في عدد من المدن الجزائرية مثل عنابة، ووهران، وورقلة وغرداية، للأسباب ذاتها مثل التوزيع غير العادل للسكن الاجتماعي، وتفاقم البطالة بين الشباب بمن فيهم خريجو المعاهد العليا والجامعات، وانتشار الرشوة والفساد والظلم الاجتماعي (الحقرة بتعبير الشباب الجزائري) بشكل غير مسبوق.

"
 كانت انتفاضة يناير 2011عفوية، بدأت محلية في بعض الأحياء الفقيرة في مدينة وهران كبرى مدن الغرب الجزائري, لكنها سرعان ما انتشرت إلى بقية المدن الأخرى في الوسط والشرق لتصبح بعد يوم من اندلاعها حركة احتجاجية وطنية بامتياز
"
وكالعادة مع كل تلك الانتفاضات الاجتماعية، كانت الانتفاضة الأخيرة عفوية، وبدأت محلية في بعض الأحياء الفقيرة في مدينة وهران كبرى مدن الغرب الجزائري. لكنها سرعان ما انتشرت إلى بقية المدن الأخرى في الوسط وبخاصة العاصمة، ثم امتدت لتشمل مدن الشرق وتصبح بعد يوم من اندلاعها حركة احتجاجية وطنية بامتياز.

ويعود الفضل في ذلك دون شك إلى وسائل الاتصال الرقمية الحديثة، وفي مقدمتها الهاتف الجوال، وشبكة الإنترنت، والمواقع الاجتماعية، وبخاصة الفيسبوك Facebook التي صار لها شأن كبير ودور حاسم في الانتفاضات الاجتماعية والثورات الشعبية (من إيران إلى الجزائر مرورا بمصر وتونس)، وذلك ما يجعل هذه الحقبة التاريخية عن جدارة حقبة الثورات الرقمية.

من الملاحظ أن حصيلة المواجهات رغم عنفها لم تكن كبيرة بفضل ما اكتسبته السلطة من حنكة في التعامل مع تلك الأحداث، وبسبب الخوف من اتساع رقعتها وخروجها عن السيطرة، ويبدو أن التعليمات الموجهة لقوات الأمن من أجل ضبط النفس وعدم استعمال العنف المفرط قد قلصت من عدد الضحايا في صفوف الشباب الثائر.

لقد تميزت حركة يناير/كانون الثاني 2011 بنفس الميزات التي اتسمت بها حركات الاحتجاج السابقة مثل قصر المدة، وغياب التأطير، وغياب مطالب وشعارات محددة موجهة للنظام، وغلبة أعمال العنف والتخريب التي طالت الممتلكات العامة والخاصة على حد سواء، بالإضافة إلى رموز السلطة.

باختصار، كانت الانتفاضة بمثابة عاصفة هوجاء من الغضب الاجتماعي الذي لم يتم استثماره بالشكل الصحيح، ولم يوجه بشكل سليم لتحقيق مطالب اجتماعية أو سياسية محددة.

ويبدو من الوهلة الأولى أن حركة 5 يناير/كانون الثاني 2011 قد أكدت مجموعة من الحقائق التي أضحت سمة غالبة على الحالة الجزائرية وهي:

1- سيطرة الحركة الشعبية العفوية على تحركات الشارع الجزائري.

2- الحضور القوي لفئة الشباب في مجمل حركات الاحتجاج الاجتماعي ذات الطابع الشعبي العام.

3- غياب تأطير من قبل تنظيمات المجتمع المدني أو الأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات المدنية.

4- لم تشكل الحركات الاحتجاجية هياكل تنظيمية ذاتية، كما لم تفرز قيادات من داخلها، ولم تقم بوضع برامج أو خطط عمل ومطالب واضحة ومحددة. ربما يعود ذلك إلى عامل الزمن القصير الذي استغرقته تلك الحركات، ونقص الخبرة النضالية لدى الشباب الذين يمثلون القوة الضاربة فيها.

5- يتميز الشباب الجزائري عامة، والفئات التي تمثل الغالبية في هذه الحركات بنقص الانضباط التنظيمي عموما، والثقافة السياسية بالخصوص، فأعداد الشباب المنخرطين في جمعيات مدنية، أو نقابات أو أحزاب سياسية محدودة جدا، إن لم نقل منعدمة تماما.

6- وبالنظر إلى ما سبق فإن الحركات الاحتجاجية تتميز بغياب لوائح مطلبية واضحة تتضمن مطالب اجتماعية واقتصادية وسياسية محددة.

7- لعل ذلك يفسر غلبة طابع المواجهات العنيفة وأعمال السلب والتخريب على مسار هذه الحركات وافتقادها لأفق سياسي واضح بسبب كل النقائص المشار إليها آنفا.

8- تبدو الأحزاب السياسية والتنظيمات المدنية متخلفة كثيرا عن وتيرة الأحداث، وغير موفقة في قراءتها لتطورات الوضع في الشارع الجزائري، وذلك ليس بالأمر الغريب عندما نعرف مدى الفجوة التي تفصلها عن المجتمع عموما، وفئة الشباب خصوصا.

"
وقفت كل التنظيمات السياسية والمدنية في الجزائر متفرجة على انتفاضة 5 يناير/كانون الثاني 2011 التي فاجأتها كما فاجأت النظام وأجهزة الأمن، ولم يتعد سقف المساندة للمحتجين لدى بعضها سوى التعبير الشفوي المحتشم عن مشروعية الأسباب التي دفعت الشباب للنزول إلى الشارع
"
9- لذلك تبدو تلك القوى السياسية التقليدية عاجزة تماما عن احتواء وتوجيه هذه الحركات الاحتجاجية حتى بعد انطلاقها، الأمر الذي يساعد على تحولها إلى أعمال عنف وسلب وتخريب، ورغم الخسائر في الأرواح والممتلكات، فإن مثل هذه النتائج تصب في خدمة إستراتجيات النظام الذي يشيطن الحركات الاحتجاجية ويفرغها من كل محتواها الاجتماعي والسياسي، ويوظفها لبسط نفوذه على المجتمع الذي يبدو عقب تلك الأحداث مستاءً من النتائج السلبية التي أدت إليها.

10- لم تشذ حركة يناير/كانون الثاني 2011 عن هذه القاعدة العامة، حيث تميزت بمواجهات عنيفة مع قوات الأمن، تخللها التخريب والنهب والسلب للممتلكات العامة والخاصة، وهو أمر متوقع وطبيعي في ظل المميزات المذكورة آنفا، حيث نقص الخبرة النضالية ومحدودية التجربة السياسية، والانضباط التنظيمي وغياب قيادة موجهة ومؤطرة للحركة سواء كانت نابعة من داخلها أو جاءت من الخارج.

11- لقد وقفت كل التنظيمات السياسية والمدنية في الجزائر متفرجة على انتفاضة 5 يناير/كانون الثاني 2011 التي فاجأتها كما فاجأت النظام وأجهزة الأمن، ولم يتعد سقف المساندة للمحتجين لدى بعضها سوى التعبير الشفوي المحتشم عن مشروعية الأسباب التي دفعت الشباب للنزول إلى الشارع. بل إن العديد من القوى الموالية للنظام، بما فيها الأحزاب السياسية والتنظيمات المهنية والنقابية سواء الممثلة في الحكومة أو المحسوبة على ما يسمى بالمعارضة، عبرت عن استيائها وتنديدها بهذه الحركة، ووصفت أصحابها كالعادة بالمشاغبين والمخربين والمتطرفين الذين تحركهم جهات خارجية ضد مصلحة البلاد والوطن.

في دلالة الثورة الشعبية التونسية والمصرية
تبدو الحركات الاحتجاجية في الجزائر بمثابة عواصف أو زوابع هوجاء بدون هدف أو غاية أو أفق، وظيفتها الوحيدة التعبير عن حالة الإحباط العميق والشعور باليأس، حالة من الغضب العارم والاستياء الكبير نتيجة الظلم الاجتماعي وتدهور الأوضاع المعيشية والاستبداد والفساد.

ذلك ما عبرت عنه الحركات الاحتجاجية التي عرفتها الجزائر وبلدان أخرى قبل اليوم بما فيها تونس التي صنعت ثورتها الشعبية التاريخية انطلاقا من حركة احتجاجية "عادية" مثل عشرات سبقتها من دون أن يحصل من ورائها تغيير بالحجم الذي وقع في حركة يناير/كانون الثاني 2011.

"
تبدو الحركات الاحتجاجية في الجزائر بمثابة عواصف أو زوابع هوجاء بدون هدف أو غاية أو أفق، وظيفتها الوحيدة التعبير عن حالة الإحباط العميق والشعور باليأس، حالة من الغضب العارم والاستياء الكبير
"
الأمر الرئيسي والحاسم في تجربة تونس الأخيرة المسماة "ثورة الياسمين" (وأعتقد شخصيا أن هذه التسمية غير موفقة، بل ذات إيحاءات سلبية تقلل من قيمتها، وإن كان ليس هذا محل الحديث عن ذلك)، وثورة مصر هو القراءة السليمة والصحيحة لانتفاضة الشعب التونسي والمصري من قبل الفصائل المستنيرة والواعية من المجتمع، بما فيها نخب الطبقة الوسطى المنظمة وصاحبة الخبرة النضالية السياسية والمدنية والنقابية التي سارعت لمساندة الانتفاضة الشعبية وتأطيرها بعد أن اتسعت رقعتها لتشمل كامل القطر التونسي والمصري.

لقد نجحت تلك النخب منذ البداية في الالتحام بالقوى الشعبية والوقوف معها في خندق واحد، وحولت الحدث الذي كان يمكن أن يكون عاديا وعابرا جدا مثل غيره من الأحداث السابقة إلى نقطة تحول تاريخية كبرى بفضل الوعي السياسي والقراءة السليمة للواقع ومؤشراته، وبفضل التخلص من روح الانتهازية والوصولية والنخبوية التي طالما ميزت النخب في البلاد العربية.

لم يتردد المثقفون ورجال الفكر وأصحاب المهن الحرة من قضاة ومحامين وفنانين، كما لم يتردد النقابيون وزعماء أحزاب المعارضة في الالتحام بالحركة الشعبية التي قادها الشباب والناس العاديون في مدن وقرى الداخل مثل سيدي بوزيد والقصرين والرديف وتالة قبل وصولها إلى الحواضر الكبرى مثل صفاقس والقيروان وبنزرت وتونس العاصمة التي مثلت الضربة القاضية للنظام الاستبدادي الذي شيده بن علي الرئيس الهارب على مدى عقدين من الزمن.

وكذلك الأمر في الحالة المصرية حيث بدأت الانتفاضة في السويس والإسماعيلية وبورسعيد لتأخذ طابعا جماهيريا في القاهرة والإسكندرية ومدن الصعيد المصري مثل أسيوط. كما أن العامل الحاسم الآخر في نجاح هذه الثورات كان دون شك الموقف المشرف الذي اتخذه الجيش في تونس وفي مصر برفضه لعب دور أداة قمع الانتفاضة الشعبية، بل أكثر من ذلك يبدو مما توفر من معلومات أنه انحاز بشكل صريح إلى جانب الثورة الشعبية في كلا البلدين.

إن المقارنة بين الأحداث المتزامنة التي وقعت في الجزائر وتونس، ثم بعد ذلك الانتفاضة الثورية التي هزت عرش الطغيان في مصر منذ 25 يناير/كانون الثاني 2011، تبدي الفرق للملاحظ جليا تماما. فنحن أمام أحداث متشابهة على مستوى المظهر بشكل كبير جدا: تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية لقطاعات واسعة من المجتمع، استفحال البطالة، وانتشار الفساد والرشوة والظلم، وتقييد الحريات المدنية والسياسية. ويبدو أن الفرق بين الحالات الثلاث، رغم قيمتها وأهميتها ليس جوهريا.

لكن على مستوى العمق، هناك اختلافات جوهرية بين تلك الحالات، لعل أولها كان الحاضر الأكبر في حالتي تونس ومصر، والغائب الأكبر في حالة الجزائر خلال الاحتجاجات الشعبية في يناير/كانون الثاني 2011 التي تحولت في الحالتين الأوليين إلى ثورة شعبية حقيقية، بينما تحولت في الحالة الثالثة إلى زوبعة في فنجان، وهو الحضور القوي لنخب اجتماعية واعية منظمة، ملتزمة بمصلحة المجتمع الواسع، عملت على توفير الرؤية السليمة لجماهير المحتجين وتوجيه طاقتها بشكل منظم وسليم، ومنها دون شك نخب الطبقة الوسطى مثل المحامين والأطباء والصحفيين والنقابيين الذين لعبوا دورا مفصليا في نجاح الثورات الشعبية في تونس ومصر.

هذه القوى التي ألقت بكل ثقلها وراء الشعب والتحمت به، ولم تبق وراءه أو تخذله، بل تقدمته لتؤطر الحركة وتحولها إلى ثورة شعبية فعلية، قامت مع مرور الأيام بتنظيم صفوفها وبناء هياكلها، وبناء تحالف واسع يجمع كل الأطياف السياسية، وصاغت أرضية مطالبها بشكل سياسي واضح لا لبس فيه ولا غموض.

"
تحولت الاحتجاجات في تونس ومصر إلى ثورة شعبية حقيقية, بينما تحولت في الجزائر إلى زوبعة في فنجان، والسبب هو الحضور القوي لنخب اجتماعية واعية، منظمة، ملتزمة بمصلحة المجتمع, أما في الجزائر فقد اتسمت الاحتجاجات بالتشتت
"

المطلب هو تقويض أسس النظام المستبد، وبناء مجتمع ديمقراطي يتمتع فيه المواطن بالحريات الأساسية.

العامل الثاني المهم والحاسم كان دون ريب موقف المؤسسة العسكرية التي تصرفت بشكل عقلاني ومسؤول وانحازت في نهاية الأمر لصالح الجماهير.

أما في الحالة الجزائرية فما يلاحظ هو التشتت والتشرذم المميز للقوى السياسية عموما، والمعارضة بالخصوص. بالرغم من الدعوات والمحاولات المتكررة إلى جمع الشمل، كما تقوم به بعض التنظيمات المدنية مثل الرابطة الوطنية من أجل الدفاع عن حقوق الإنسان وبعض النقابات المستقلة. لكن القوى السياسية الأساسية في المعارضة، مثل حزب القوى الاشتراكية (بزعامة حسين آيت أحمد) وحزب التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية (سعيد سعدي) وحزب العمال (لويزة حنون) والأحزاب الإسلامية المعارضة مثل النهضة والإصلاح لا تزال منقسمة ولم تلتق على رأي منذ أكثر من عشرين سنة.

بل أسوأ من ذلك تفرق بينها عداوات شخصية وأيديولوجية وسياسية لم تستطع تجاوزها في أي مناسبة منذ أن بدأ عهد التعددية السياسية دستوريا في 1989. والأهم من كل ذلك موقف المؤسسة العسكرية في الجزائر التي رمت بكل ثقلها وراء النظام السياسي القائم وأصبحت تشكل ضامنه الرئيسي، إن لم تكن هي بالفعل صاحبة القرار فيه، كما تذهب إليه كل المؤشرات؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك