طلعت مسلم

طلعت مسلم

لواء أركان حرب متقاعد


قرار الانسحاب وأسبابه
عوامل أدت إلى تغيير القرار

نتائج الانسحاب الرئيسية
الحل الأميركي
الحل العراقي

أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما في 21 أكتوبر/ تشرين الأول الماضي قرار انسحاب القوات الأميركية من العراق بنهاية العام، وكان هذا إقرارا وإعلانا عن فشل المباحثات التي جرت بين مسؤولي الولايات المتحدة والمسؤولين العسكريين حول امتداد بقاء بعض القوات الأميركية في العراق للقيام بمهام تدريبية.

وكانت هذه المباحثات قد جرت منذ أوائل العام الحالي، وشارك فيها نائب الرئيس الأميركي ووزير الدفاع السابق غيتس ووزير الدفاع التالي بانيتا ورئيس الأركان وبعض مسؤولي وزارة الخارجية ووزارة الدفاع بالولايات المتحدة، ومن جهة العراق شارك فيها رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي بالإضافة إلى وزير الدفاع ورئيس الأركان العراقي.

ومع إعلان الرئيس عن الانسحاب أعلن عن مفوضات تتم خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2011 ، وعن دعوته لرئيس وزراء العراق للاجتماع به في البيت الأبيض في شهر ديسمبر/كانون الأول من نفس العام.

قرار الانسحاب وأسبابه
رغم أن الرئيس الأميركي يصر على أن الولايات المتحدة تنسحب من العراق من موقع القوة وأن هامات جنودها مرفوعة إلى أعلى، وأنه يتخذ القرار وفقا لوعده للأميركيين قبل انتخابه بالانسحاب من العراق فإن هذا لا يستطيع أن ينفي أن القرار يمثل فشلا للسياسة الأميركية بل ويشكل معضلة وتحديا أمام القيادة الأميركية، ولكننا لا بد أن نقدر الدوافع التي تدفع الولايات المتحدة إلى الانسحاب من العراق على هذا النحو.

"
الاتفاق بين الولايات المتحدة والعراق بانسحاب القوات الأميركية من العراق يشكل عنصرا هاما في أسباب قرار الانسحاب، حيث لم يكن منطقيا أن تبقى القوات الأميركية بعد نهاية عام 2011 دون اتفاق جديد
"
لاشك أن الاتفاق بين الولايات المتحدة والعراق بانسحاب القوات الأميركية من العراق يشكل عنصرا هاما في أسباب قرار الانسحاب، حيث لم يكن منطقيا أن تبقى القوات الأميركية في العراق بعد نهاية عام 2011 دون اتفاق جديد يسمح لها بذلك.

ويمثل إعلان الرئيس الأميركي خطوة انتخابية من الدرجة الأولى فهي تشير إلى التزام الرئيس بالوعد الذي قطعه على نفسه قبل انتخابه، وهو لم يغلق الباب أمام اتفاق جديد يسمح بعدد قليل من القوات تتمتع بالحصانة، وحينئذ يكون قد حقق الفائدة ولم يخسرها بالقرار الجديد.

من جهة أخرى يمثل القرار خطوة في مصلحة رئيس الوزراء العراقي حيث يبدو أنه استجاب للرغبة الشعبية واستطاع أن يفرض رغبة الشعب على الولايات المتحدة وهي من هي، وهذا ربما لا يمنعه من الموافقة على وجود عسكري أميركي أقل بالحصانة المطلوبة أميركيا نتيجة للمباحثات مع الفريق أو الرئيس الأميركي.

كان كلا الطرفين قد أعربا عن رغبتهما في وجود عسكري قليل بعد نهاية عام 2011، والرغبة في امتداد وجود قوة تصل إلى خمسين ألفا لدى الطرفين الولايات المتحدة لتحقيق توازن إستراتيجي وتوفر قواعد انطلاق عند الضرورة خاصة مع الشعور بالتهديد الإيراني، والعراق يحتاجه لتوفير قوة للدفاع عنه في حال تعرضه لهجوم أو تهديد خاصة أن القوات العراقية ستظل محتاجة إلى دعم لفترة ليست بالقصيرة.

عوامل أدت إلى تغيير القرار
كان العامل الأساسي الذي أدى إلى تغيير القرار هو إصرار العراق ممثلا في حكومته واستجابة لمطالب الشعب على عدم منح حصانة للقوات التي تبقى من الولايات المتحدة ونتيجة للانتقادات الموجهة إلى الحكومة لعلاقتها بالولايات المتحدة وإيران، خاصة مع شعورها بأن انسحاب القوات الأميركية من العراق سيؤدي إلى اختلال التفوق الذي تمتعت به خلال الفترة الماضية وانكشاف ضعفها أمام التهديدات الخارجية وضعف موقفها حيال كل من إيران وتركيا وإسرائيل, وبالتالي فهي في حاجة إلى سند شعبي يمكن أن يحققه لها ائتلافها إذا توفرت له أدوات التأثير وهي هنا موقفها من الوجود الأميركي والحصانة. ويعتبر هذا القرار في نفس الوقت انتصارا للمقاومة العراقية التي لم تتوقف طوال فترة الاحتلال والوجود الأميركي في العراق.

أما العامل الثاني فهو وعد الرئيس أوباما أثناء حملته الانتخابية عام 2008 بانسحاب القوات الأميركية من العراق وقرب الانتخابات الرئاسية والتشريعية مما يمكن أن يستخدم ضده في المعركة الانتخابية، هكذا وجد الرئيس الأميركي نفسه أمام لحظة الحساب عن الوفاء بالوعود لناخبيه الذين منحوه أصواتهم.

هناك أيضا رغبة شعبية أميركية عارمة لدى غالبية الأميركيين وخاصة أهالي الجنود لعودة العاملين في المنطقة إلى عائلاتهم، ولما كان من المستحيل عودة القوات الموجودة في أفغانستان بسرعة كان لا بد من أن ينسحب أغلب الجنود من العراق.

"
من الأسباب التي ساعدت في قرار الانسحاب وعد الرئيس أوباما أثناء حملته الانتخابية عام 2008 بانسحاب القوات الأميركية من العراق وقرب الانتخابات الرئاسية والتشريعية مما يمكن أن يستخدم ضده في المعركة الانتخابية
"
كانت هناك أيضا حاجة الولايات المتحدة إلى توفير احتياطيات إستراتيجية تمكن القيادة الأميركية من التدخل واستخدام القوة العسكرية الأميركية في أركان المعمورة الأربعة عند الضرورة، وكان الوجود العسكري في العراق يؤدي إلى ابتلاع هذه الاحتياطيات، ولا شك أن الحديث عن عودة آخر جندي يجعل الاحتياطي الإستراتيجي كبيرا نسبيا لأول مرة منذ أكتوبر/تشرين الأول عام 2001.

ساعد على تغيير القرار التراجع النسبي في الحوادث الأمنية في العراق وبالتالي انخفاض نسبي في الحاجة إلى دعم أميركي لمواجهة الحوادث الأمنية التي كانت قد وصلت إلى أكثر من مائة حادثة يوميا لتصل إلى مستوى العشرات.

نتائج الانسحاب الرئيسية
يؤدي انسحاب القوات الأميركية من العراق إلى نتائج إستراتيجية لأطراف متعددة وهي العراق والولايات المتحدة ودول المنطقة وخاصة إيران وتركيا وإسرائيل.

أول ما يظهر هو حدوث فراغ عسكري في العراق لفترة نتيجة لغياب القوات الأميركية التي ظلت هناك فترة تقرب من تسع سنوات خاصة فيما يتعلق بالقوات الجوية والدفاع الجوي، حيث تفتقر القوات العراقية إلى القوات الجوية التي تمكنها من التصدي لانتهاك مجالاتها الجوية وبالتالي احتمال تعرضها لعدوان جوي، هذا بإضافة إلى النقص في عناصر كثيرة فيما يختص بالمعدات وكذا فيما يتعلق بالخبرة في اتخاذ القرارات التي كان الجانب الأميركي يقوم بها.

كذلك فإن انسحاب القوات الأميركية من العراق يشكل فرصة لإطلاق النفوذ الإيراني والتركي في المنطقة وعلى العراق بالدرجة الأولى بما فيها استخدام القوات التركية في شمال العراق بحجة مطاردة عناصر حزب العمال الكردستاني الذين تعودوا اللجوء إلى كردستان العراق بعد القيام بعمليات تعتبرها تركيا إرهابية في شرق تركيا، وكان وجود القوات الأميركية يشكل رادعا للقوات التركية وإن كانت لم تمنعها، إلا أن وجودها كان يضع حدا لاستخدام القوات التركية سواء الجوية أو البرية في شمال العراق.

من جهة أخرى فإن الوجود الأميركي في العراق شكل حاجزا في مواجهة العمل العسكري الإيراني المباشر في العراق، وقيدا على استخدام القوات المسلحة الإيرانية بأشكالها وصورها المختلفة في المنطقة.

"
الوجود الأميركي في العراق شكل حاجزا في مواجهة العمل العسكري الإيراني المباشر في العراق، وقيدا على استخدام القوات المسلحة الإيرانية بأشكالها وصورها المختلفة في المنطقة
"
ويؤدي الانسحاب المذكور إلى حرمان الولايات المتحدة من قواعد كانت متوفرة ووصل عددها في وقت من الأوقات وفقا لتصريحات مسؤولين أميركيين إلى خمسمائة وخمس قواعد، وقد تحتاج بعضها الولايات المتحدة عند الضرورة الإستراتيجية التي تبدو قريبة بالنسبة للضغط على إيران على الأقل، كما تمكنها من المساومة مع تركيا في حال استخدام قواتها في المنطقة.

يتيح الانسحاب الأميركي من العراق الفرصة للقوات الإسرائيلية للتدخل في العراق دون عائق يعرقل العمل العسكري الإسرائيلي في المستقبل القريب وبعد ذلك مع تقدم التطور العسكري الإسرائيلي خاصة بعد استلام إسرائيل المتوقع لطائرات من طراز أف 35 بين عامي 2016 و2018 وتطوير الصاروخ "أريحا 3" ليكون عابرا للقارات في مقابل عجز العراق عن الدفاع عن نفسه ضد التدخل التركي والإسرائيلي.

الحل الأميركي
سيسعى الجانب الأميركي إلى إيجاد حل للنتائج السابقة المتعلقة بأمن الولايات المتحدة والموقف الإستراتيجي الخاص بها، و
من المتوقع أن تتبع الولايات المتحدة إستراتيجية الاعتماد أساسا على السيطرة عن بعد: باستخدام القوات الجوية والصاروخية أساسا والقوات الخاصة، مع استخدام قوات من دول المنطقة وفقا لمبادرة إسطنبول للتعاون من حيث مبدأ تبادل العمليات بالمشاركة في عمليات يقودها الحلف وعلى نحو ما جرى في حالة التدخل في ليبيا.

ونتصور أن الوجود المحدود الذي يمكن توفير غطاء حصانة له يكون جزءا من الحل الذي توصل إليه الرئيس الأميركي مع رئيس الوزراء العراقي بعد محادثات بين العراق والولايات أعلن عنها خلال شهر نوفمبر/تشرين الثاني 2011 وزيارة رئيس الوزراء العراقي للبيت الأبيض بدعوة ن الرئيس الأميركي خلال شهر ديسمبر/كانون الأول.

وهناك الشركات الأمنية التي يمكن أن تكلف بمهام عسكرية أقرب إلى المهام التي تكلف بها القوات المسلحة وتستطيع أن تقوم بالكثير لتغطية أوجه العجز السابقة إلا أننا نتصور أن ما تستطيع القيام به في مجال الدفاع الجوي والصاروخي محدود للغاية.

يساعد على سرعة استعادة التوازن الإستراتيجي لصالح الولايات المتحدة عند الضرورة أن ينشأ أو يستكمل في المنطقة تخزين مسبق للأسلحة وللمعدات في مخازن طوارئ وفي سفن المارينز بحيث تحتاج الولايات المتحدة عند الضرورة إلى نقل الأفراد فقط دون الحاجة إلى نقل أسلحة معدات ثقيلة تحتاج إلى معدات كثيرة وزمن طويل نسبيا قبل استعدادها للدخول في الخدمة، هناك فعلا تخزين لهذه المعدات، لكنها تحتاج إلى مراجعة واستكمال على ضوء الموقف بعد الانسحاب.

قد يحتاج الأمر إلى نقل تمركز بعض القوات إلى دول مجاورة للعراق مثل الكويت صاحبة أكبر رقم قوات أميركية بعد العراق والسعودية باستخدام القواعد التي كانت تستخدمها والإمارات.

الحل العراقي
يختلف احتمال الحل العراقي وفقا لاحتمالات التغير في القيادة العراقية وأثر ذلك على المطالب الأمنية، ولكن أي حل يجب أن يشتمل على محاولة التنسيق مع دول الجوار كإيران وتركيا والوصول إلى اتفاقات معها لضمان الأمن.

"
عوضا عن الانسحاب الأميركي سيعمد العراق إلى زيادة الاعتماد على قوات الأمن والجيش والعمل على تجهيزهم بأسرع ما يمكن مع تدريبهم في معاهد حلف الأطلنطي وأميركا
"
كذلك زيادة الاعتماد على قوات الأمن العراقية والجيش العراقي والعمل على تجهيزهم بأسرع ما يمكن مع تدريبهم في معاهد حلف الأطلنطي والولايات المتحدة.

وأيضا الاستفادة من استغناء الولايات المتحدة عن بعض المعدات التي ترى ارتفاع تكلفة نقلها إلى الولايات المتحدة ومنحها للعراق أو بيعها له بأسعار منخفضة.

أخيرا سيلجأ العراق إلى شراء بعض الأسلحة من السوق العالمية والاتحاد الروسي على رأسها نظرا لأن أغلب ما لديه من معدات من أصل روسي، وعقد تحالفات مع دول عربية ودول مجاورة تختلف وفقا للجانب العراقي المسيطر وعلاقاته بدول الجوار، والاعتماد مؤقتا على شركات أمنية أجنبية وعراقية إذا توفرت.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك