صالح السنوسي

صالح السنوسي

أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بنغازي


 
هذا طريق مرت به وستمر به -على الأغلب- كل الثورات التي تطيح بنظام دكتاتوري مستبد يحيط بالمجتمع من كل جوانبه، ويسير أدق تفاصيل حياة الناس -بما في ذلك الألوان التي يجب أن تطلى بها منازلهم- مثلما كان الحال في ظل حكم معمر القذافي.
 
فقد انهار الحائط الذي كان يحجب عن الليبيين ضوء الحرية الذي حرموا منه منذ عقود، فانكشفت لهم فضاءات كانت محجوبة عنهم، وامتدت أمامهم دروب كثيرة تفضي إلى الآمال والطموحات، وانفتحت قبلها أيضا بوابات تكمن خلفها أخطار تبدو في ظاهرها جزءا من هذه الطموحات، وهو ما قد يؤدي إلى وقوع البعض ضحية أخطار تتقمص صورة آمال خادعة.
 
"
لم تجر أحداث الثورة الليبية في صورة مظاهرات واعتصامات على غرار الثورتين التونسية والمصرية بل أرغم القذافي الليبيين بعد أسابيع على التحول عن هذه الصورة السلمية إلى الدفاع عن أنفسهم بالسلاح
"
لعل الظروف التي أحاطت بالثورة الليبية ومعطيات الواقع التي شكلت أحداثها، جعلتها تختلف عما سبقها من ثورات ما عرف بالربيع العربي، فلم تجر أحداثها في صورة مظاهرات واعتصامات على غرار الثورتين التونسية والمصرية، بل أرغم القذافي الليبيين بعد أسابيع على التحول عن هذه الصورة السلمية إلى الدفاع عن أنفسهم بالسلاح، فدارت بينه وبينهم حرب دامية لم تسفر فقط في نهايتها عن سقوط القذافي، إنما أفرزت أيضا جملة من الوقائع التي أخذت تؤثر في مشهد تطور الأوضاع على الساحتين الداخلية والخارجية:
 
أولا- الساحة الداخلية: لقد صار لزاما على الليبيين أو الحكومة التي تمثلهم أن يتعاملوا مع عدة حقائق، أهمها:
 
1- الثوار العائدون من جبهات القتال:  كان توجه آلاف الثوار نحو جبهات القتال ضد كتائب القذافي مدعاة للفخر ولا يثير مشاكل اقتصادية أو اجتماعية نظرا لتكاتف كل فئات المجتمع وتحملها لكل تبعات الصراع، فوصل هذا التآزر إلى حد تقاسم السكن مع آلاف النازحين من المدن التي تتعرض للحرب والحصار من قبل قوات القذافي، كما أن الثوار لم تكن لهم من مطالب سوى تلك المتعلقة بالجبهة مثل السلاح والتموين، بل في أحيان كثيرة يكتفون بمطلب السلاح ويرضون بالقليل من الإعاشة، فقد كان في أفق طموحاتهم في تلك اللحظة هدف أكبر يشغلهم عن أية مطالب أخرى، وهو المتمثل في إسقاط القذافي.
 
ولكن بعد تحقق هذا الهدف وإعلان التحرير تبدى مشهد آخر كان موجودا ولكنه كان مغمورا في زحمة أحداث الصراع، حيث عاد في خلال أيام آلاف الثوار بسلاحهم ومطالبهم ورغباتهم المقموعة في زمن القذافي، كما أن بعضهم عادوا على غير الحال الذي كانوا عليه قبل التحاقهم بميادين القتال، فقد تبدلت أحوالهم النفسية واكتسبوا تجارب وطرقا في ردود الأفعال من قسوة حياة الحرب التي ألفوها طوال شهور من الصراع مع خصم لم يكن يعبأ بالقيم وقواعد الأخلاق.

لم يستطع استقبال الأبطال -الذي أُعد لهؤلاء في كل مدينة- أن يجيب على المطالب والتساؤلات التي أتوا بها في جعبتهم من ميادين القتال، فقد رجعوا منتصرين، والكثيرون منهم كانوا يتوقعوا أن تكون كل حاجياتهم مستجابة بمجرد سقوط القذافي وجلاء الغمة، والكثيرون منهم لم يستطيعوا مواصلة تعليمهم بعد المرحلة الإعدادية أو الثانوية، وكثيرون أيضا أولئك الذين يعانون من البطالة، حيث بلغت البطالة في بعض المدن التي همشها القذافي نسبة 30% من سكانها.
 
2- الجرحى والمفقودون والشهداء: هذه المصطلحات والتعبيرات  تعني أن هناك جرائم ومآسي وهناك ضحايا  ينتظرون الإنصاف والوفاء من الثورة التي ضحى من أجلها كل هؤلاء، فالعناية بآلاف الجرحى والمعاقين تعد مسألة ضاغطة على الحكومة الجديدة ولا تحتمل الانتظار. كذلك عشرات الآلاف من أسر الشهداء والمفقودين الذين يعتبرون أنفسهم أصحاب الأولوية قبل بقية شرائح المجتمع الأخرى في تلبية حاجاتهم ومطالبهم المادية والمعنوية، فهم أسر أولئك الذين ضحوا بأنفسهم وحرروا ثروة ليبيا من أيدي أسرة القذافي وأعوانه.
 
"
قد يفكر بعض  المسلحين الذين شاركوا في الثورة في استيفاء حقوقهم بالطريقة نفسها التي افتكوا بها ليبيا من براثن القذافي، وذلك أحد أكبر الأخطار التي تتخذ من الطموحات والآمال المشروعة صورة خادعة
"
3- مليشيات المدن: لقد اقتضى المسار المسلح للثورة الليبية أن تتشكل مليشيات في كل المدن من أجل الدفاع عنها ومن ثم مطاردة كتائب القذافي، وكان ذلك في وقتها خبرا سارا ويدعو إلى الفخر، ولكن بعد التحرير أصبحت هذه الظاهرة مشكلة تبحث عن حل، وهي أكبر العقبات التي تواجه حكومة السيد الكيب لأنها تعني انتشار المظاهر المسلحة التي أصبحت تقلق معظم الليبيين. أما الوجه الآخر لهذه المشكلة فيتمثل في ظهور من يتحدثون باسم هذه المدن، مذكرا بدورها في الثورة ومحتجا على تشكيلة الحكومة التي لم تضم وزراء ينتمون إلى هذه المدينة أو تلك، وهذا يعني مطالبة صريحة بمبدأ المحاصصة، وبالتالي سيصبح حقا مكتسبا في المستقبل رغم أنف المفهوم الوطني للديمقراطية.
 
كل هذا العبء حط بثقله في طريق الثورة ولا بد من إيجاد حلول له حتى لا تتعطل أو تتوقف عجلة التطور نحو بناء الدولة على الأسس والمبادئ التي ثار من أجلها الليبيون، فقد يفكر بعض من هؤلاء المسلحين في استيفاء هذه الحقوق بالطريقة نفسها التي افتكوا بها ليبيا من براثن القذافي، وذلك أحد أكبر الأخطار التي تتخذ من الطموحات والآمال المشروعة صورة خادعة.
 
ثانيا- على الصعيد الخارجي: لا شك أن تطور الأحداث وما يجري الآن من جدل داخل ليبيا وخارجها يرتبط بالظروف التي أحاطت بالثورة الليبية وأثرت في مسارها، فقد أرغم القذافي الليبيين على تحويل ثورتهم التي كانت سلمية في البداية إلى ثورة مسلحة، لكي يتسنى له قمعها وتركيعها بقوة السلاح. وبعد مضي أكثر من شهر على الصراع بين الجانبين، وبعد أن ارتكبت خلاله كتائب القذافي كل أنواع الجرائم ضد المدنيين، تدخل المجتمع الدولي لحماية المدن والقرى من البطش والحصار الذي تمارسه عليها هذه القوات.
 
وبالتالي دخل طرف ثالث على مسار الثورة، ولم يكن أمام الثوار بُدّ من التعامل مع هذا الطرف الدولي وأخذ آرائه ومقترحاته بعين الاعتبار في حدود دائرة  ميدان الصراع،  وذلك باعتباره حليفا فرضته  الظروف الاستثنائية وقوانين المفاضلة بين الخيارات الصعبة، وبما أن المجتمع الدولي يستطيع أن يضفي الشرعية ولكنه لا يستطيع تطبيقها إلا بواسطة القوى الكبرى، والتي أغلبها من قوى الغرب صاحبة المصالح الإستراتيجية الكونية، ولهذا فإن تدخلها ينطلق دائما من فرضية أنه ليس من أجل خدمة المجتمع الدولي فقط بل أيضا من أجل مصالحها.
 
ولم تكن الحالة الليبية استثناء من قواعد التعامل في نظام العلاقات الدولية، بل إن القذافي كان أكثر حرصا على إرضاء الغرب، لأنه حاكم فرد مستبد يخشى على ملكه من الضياع ولهذا فقد عمل كل ما في وسعه ليكون عند حسن ظن الغرب، ابتداء من تسليمه لما سمي بالبرنامج النووي إلى الولايات المتحدة، مرورا بعقد صفقات بعشرات المليارات كرشوة لهذه القوى، وانتهاء بإبرام عقود مع الشركات الغربية لتكون نصيرا له في حالة حصول سوء فهم بينه وبين حكومات الغرب.
 
فقد كان القذافي يقدم التنازلات ويقبل التفاوض على كل شيء ما عدا سلطته المطلقة، ولكن بعد انتصار ثورتين مجاورتين واندلاع الثورة الليبية وجد الغرب من مصلحته التخلي عن القذافي ومساعدة هذه الثورة ليقدم نفسه كحليف لها في اللحظة الصعبة، وذلك من أجل تحسين صورته السيئة في أذهان الشعوب العربية منذ أمد بعيد، ومن أجل -أيضا- المحافظة على مصالحه من حيث تجذيرها وشرعنتها باعتبارها تمثل علاقات بينه وبين ثورات شعبية كان حليفا لها وليست بينه وبين حكام مستبدين تكرههم شعوبهم وتكره الغرب معهم.
 
لا شك أن الليبيين وهم يتعاملون مع هؤلاء الحلفاء الأقوياء بعد التحرير، يدركون أن وقت الحديث عن المصالح قد حان، وأن هؤلاء سيرفعون من سقف مصالحهم كلما وجدوا أن الطرف الآخر أضعف من أن يقاوم مطالبهم، ولكن الليبيين ليسوا ضعفاء إلى الحد الذي يبدو ظاهريا للبعض، فهناك حقائق لا ينبغي تجاهلها عند النظر إلى جدل المصالح بينهم وبين هذه القوى، ولعل أهمها:
 
1- الغرب يدرك أنه يتعامل مع شعب ثائر تحرر من خوفه، وليس مع حاكم يخافه ويخاف من شعبه ويمكن التلويح له بورقة فقدانه هو وسلالته للسلطة.
 
"
الغرب يدرك أن الشعب الليبي ثار وحمل السلاح ليستعيد حريته وبلاده وثروته من قبضة القذافي، وليس من أجل أن يسلمها للغرب بل ليصبح هو صاحب حق التصرف فيها حسب ما تقتضيه حاجاته ومصالحه
"
2- الغرب يدرك أن الشعب الليبي ثار وحمل السلاح ليستعيد حريته وبلاده وثروته من قبضة القذافي، وليس من أجل أن يسلمها للغرب، بل ليصبح هو صاحب حق التصرف فيها حسب ما تقتضيه حاجاته ومصالحه.
 
3- لقد تخلص الغرب من القذافي لأن الليبيين لم يكونوا معه، بل حملوا السلاح وطاردوه إلى معقله الأخير، فلم يجلسوا في مدنهم وقراهم حتى تأتي فيالق جيوش الغرب لتخلصهم من القذافي وتبسط عليهم حمايتها وتفرض عليهم قوانينها وحكامها العسكريين، وبالتالي فإنه عند الجلوس بعد التحرير لن تكون الإملاءات من طرف واحد.
 
4- ليست لدى الغرب أوراق ضغط داخلية خطيرة يمكن أن يستخدمها، فلا توجد في ليبيا طوائف ومذاهب أو أديان مختلفة، وليست هناك عرقيات تتطلع إلى بناء دول خاصة بها، والقليل الذي يوجد منها يطالب بليبيا واحدة يتساوى فيها الجميع وتحتَرم فيها كل مكوناتها الثقافية، وهي مطالب رفعتها الثورة ولا تصلح أوراق ضغط في يد الغرب، هذا إلى جانب أن من مصلحة هذا الأخير تشجيع الأمن والاستقرار في ليبيا من أجل فائدته قبل فائدة الليبيين.
 
5- ليبيا تقع بين ثورتين رغم ما تواجهانه من مشاكل فإن شعبيهما يشكلان سندا قويا لها في حالة مواجهتها لضغوط غربية، وليس من مصلحة الغرب أن يصطدم بالشعوب الثلاثة وهي في حالة حراك ثوري، في الوقت الذي يقدم فيه نفسه كحليف ديمقراطي.
 
6- ليبيا تحتاج إلى بنية تحتية تقدر بمئات المليارات التي يمكن عند تساوي العروض أن يفوز بعطاءاتها الحلفاء الذين ساندوا الليبيين، وفي ذلك مصلحة ليبيا وليس مصلحة الغرب فقط.
 
7- البترول هو مصدر الدخل الأساسي في ليبيا، وأكبر مشتريه هي دول الغرب في عهد القذافي مثلما في عهد الثورة، أما الشروط وعقود الامتياز فهي تتأثر بقوانين العرض والطلب في السوق العالمي، ولا تستطيع حكومة ليبية تخضع لرقابة الشعب أن تمنح أية دولة بترولا بالمجان مثلما كان عليه الحال في عهد القذافي الذي لا يستطيع أن يسأله أحد عما يفعل.
 
لا يمكن لكل هذه المعطيات أن تعمل لمصلحة الليبيين تلقائيا -في جدلية المصالح بينهم وبين الغرب- ما لم ينجحوا في حل الإشكاليات الداخلية والمتمثلة في السيطرة على السلاح وإعادة تأهيل الثوار والتغلب على روح المناطقية، وعندئذ يستطيع المفاوض الليبي أن يقف على أرضية صلبة ويفعل كل تلك الحقائق وهو يدرك أنه رغم ما يبدو على الغرب من قوة جبارة في الظاهر، إلا إن الكثير من مصالحه متعارضة ولديه الكثير من نقاط الضعف والوهن الإستراتيجي.   

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك