إبراهيم فريحات

إبراهيم فريحات

أستاذ الأزمات الدولية في جامعة جورجتاون


كمتخصص وباحث في موضوع النزاعات الدولية، وافقت على الدعوة التي وجهت إلي لحضور مؤتمر حول موضوع "العدالة الانتقالية" (Transitional Justice) نظمته وزارة الخارجية البلغارية، لإطلاع المدعوين على تجربة بلغاريا في هذا المجال بعد سقوط النظام الشيوعي في نهاية الثمانينيات، والقضايا التي كان على النظام الجديد التعاطي معها، كاستعادة الملكيات التي صودرت إبان الحكم الشيوعي، ومحاكمات رموز النظام البائد، وتعويض ضحايا النظام وغيرها.
 
ورغم الإعلان المسبق عن التخصص الدقيق للمؤتمر في موضوع العدالة الانتقالية فإن النقاش بدأ يأخذ منحنى آخر في العديد من الأوقات –سواء كان ذلك من قبل العرب القادمين من دول الربيع العربي أو من غيرهم– إلى الموضوع الأكثر إثارة لدى العديدين، وهو "الإسلاميون قادمون"!
 
فوجئت -ولكن ليس كثيراً- بهذا الانحراف الحاد في بعض الجلسات عن موضوع المؤتمر. وسبب عدم دهشتي الكبيرة لذلك هو في الحقيقة علمي المسبق بعدم قدرة الأوروبيين على مقاومة الخوض في نقاشات تتحدث عما يرونه الخطر المحدق بوصول الإسلاميين إلى السلطة. أما سبب استغرابي العادي لمجريات النقاش فقد أثاره تركيز المشاركين من دول الربيع العربي على "الخوف من استيلاء الإسلاميين –لا سيما في مصر– على الحياة السياسية العامة" بعد الفوز الساحق في الانتخابات البرلمانية التي تشهدها البلاد.
 
"
الأحزاب الإسلامية –وكذلك غيرها– لم تجرب بالحكم بعد، ومن الصعب التكهن بما سيؤول إليه حال هذه الأحزاب والمسلكيات السياسية التي ستنتهجها عند وضع برامجها السياسية للتطبيق من نافذة سدة الحكم، على عكس ما كانت عليه في السابق، أي الخطاب السياسي من موقع المعارضة 
"
وجهة نظر من عرّفوا على أنفسهم بالليبراليين تركزت على مشاركتهم الكبيرة –إن لم تكن القيادية– في إحداث التغيير السلمي في مصر، وإنهاء نظام قمعي استمر في حكم مصر لعقود من الزمن، وهاهم "الإسلاميون (الإخوان منهم والسلفيون) يقطفون ثمار الثورة، ولربما يعملون على إنهاء الانتخابات والاستئثار بالحكم بمجرد وصولهم الفعلي للسلطة".
 
ربما يكون لتخوّف الليبراليين ما يبرره، ولكن من المؤكد أن المبالغة فيه ستؤدي إلى مشكلة حقيقية لكلا الطرفين الإسلامي والليبرالي على حد سواء. مبدأ التخوف مبرر لكون هذه هي المرة الأولى التي تخوض فيها الأحزاب السياسية انتخابات حرة ونزيهة بعد حقبة طال أمدها من تصميم وإجراء انتخابات على مقاس النظام المصري السابق.
 
ولكون هذه هي التجربة الأولى، فالأحزاب الإسلامية –وكذلك غيرها– لم تجرب بالحكم بعد، ومن الصعب التكهن بما سيؤول إليه حال هذه الأحزاب والمسلكيات السياسية التي ستنتهجها عند وضع برامجها السياسية للتطبيق من نافذة سدة الحكم، على عكس ما كانت عليه في السابق، أي الخطاب السياسي من موقع المعارضة.
 
بالإضافة لذلك، فإن الفوز الساحق الذي حققته الأحزاب الإسلامية في الانتخابات المصرية، والذي تعدى نسبة 50%، قد يجعل من الليبراليين مجرد لاعبين مكملين للعملية السياسية وليسوا مؤثرين بها. صحيح أنه كان هناك العديد من الطمأنات التي أرسلها الإسلاميون (لا سيما الإخوان) من خلال تصريحاتهم المتكررة بالامتثال لقواعد اللعبة الديمقراطية بعد فوزهم بالانتخابات، إلا أنه تجدر ملاحظة أن هذه الطمأنات لم تتعد كونها مجرد تصريحات لم تواكبها أي تغييرات جوهرية على سبيل المثال في النظم الداخلية للحركة.
 
كما أن وصف الإسلاميين لا يقتصر على الإخوان فقط، بل يتعداه ليشمل الأحزاب السلفية التي حققت نسبة نجاح لا بأس بها في الدورة الأولى للانتخابات المصرية بحصولها على نسبة 25% من الأصوات، والتي قامت بوضع صورة زهرات بدلاً من صور المرشحات النساء على قائمتها الانتخابية.
 
هذه المخاوف وإن كانت شرعية -على الأقل في نظر الليبراليين أنفسهم- فهي بالتأكيد لا تؤسس للتعميم المطلق على التجربة السياسية للإسلاميين، ولا لماهية مشاركتهم المستقبلية في الحكم حال وضع العملية الانتخابية أوزارها، فهناك العديد من القضايا التي يصعب القفز عنها عند محاولة التأسيس للحكم على مرحلة الإسلاميين، سواء كان ذلك ما سبق الربيع العربي أو ما ستتمخض عنه الانتفاضات الشعبية العربية.
 
أولاً: قد يكون للّيبراليين دور قيادي مميز في تفجير الثورات العربية لا سيما في مصر، ولكن يجدر التذكير بأن الثورات لا تحدث فجأة أو بين عشية وضحاها، بل تأتي نتيجة عملية تراكمية طويلة الأمد يساهم في تكوينها العديد من العوامل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تتفاعل فيما بينها، لتنتج حالة ما يمكن تسميته النضج العام للثورة، لتحتاج الثورة عندها فقط للحدث الذي يخدم كالشرارة لتفجيرها.
 
"
محمد البوعزيزي هو من قام بالثورة في تونس،  ولكن الحقيقة أن حادثة إحراق نفسه هي التي عملت كالشرارة لتفجير وضع عام ملتهب قامت بتهيئته سنون من القمع والاضطهاد اللذين مارسهما النظام السابق
"
وعليه فلا يمكن القول بأن محمد البوعزيزي هو من قام بالثورة في تونس، ولكن الحقيقة أن حادثة إحراق نفسه هي التي عملت كالشرارة لتفجير وضع عام ملتهب قامت بتهيئته سنون من القمع والاضطهاد اللذين مارسهما النظام السابق.
 
وعليه، فإن من غير الإنصاف إنكار دور الإسلاميين في مصر بالمساهمة في الثورة لما عانوه –كغيرهم من الأحزاب السياسية الأخرى– من قمع الأنظمة السياسية المختلفة طوال العقود المنصرمة، حتى لو لم يكونوا قد أخذوا الدور القيادي في ميدان التحرير أو لم يرفعوا الشعارات الإسلامية هناك.
 
ثانياً: بعد نجاح الثورات، عادة ما يقع الثوريون في إشكالية الخلط ما بين مفاهيم الثورة والشرعية، بحيث تصبح الثورة وقيمها هي الشرعية التي يتم على أساسها احتكار السلطة واستبعاد الآخرين. وعلى هذه القاعدة أصبحت ليبيا القذافي تحتفل بالأول من سبتمبر/أيلول كيوم وطني مقدس –يوم نجاح ثورة الفاتح– وأصبح العقيد يحكم باسم "الشرعية الثورية"، وفي مصر أيضاً تحول الحزب الوطني تحت مبارك ممثلاً للشرعية ومحتكراً لسلطة الدولة في آن واحد.
 
إن نجاح الثورة في دول الربيع العربي لا يعني بأي حال أن تنسب إحدى المجموعات الشرعية لنفسها، سواء كان دورها قيادياً بتفجير الثورة، أو ارتكز دورها على مقارعة النظام الدكتاتوري لعقود من الزمن. فلا يجوز للإسلاميين ولا للّيبراليين اختصار الشرعية في حزب واحد على حساب الآخرين.
 
إن الشرعية الحقيقية التي تنتجها الثورة هي تلك الشرعية التي تؤسس للجميع للمشاركة في عملية البناء، كل حسب طاقاته وقدراته. لقد كان القاسم المشترك ما بين جميع الأنظمة الدكتاتورية في مصر وغيرها هو اتباع سياسات الإقصاء والتهميش والإبعاد للآخر، وعليه فإن قوى الثورة مدعوة اليوم لانتهاج سياسة مغايرة بالكامل تقوم بالأساس على التعددية والاحتواء والشراكة والاحترام المتبادل بين جميع القوى العاملة على الساحة السياسية.
 
ولهذا السبب فإن انتقاد الإسلاميين والتخوف من فوزهم بالانتخابات يعد مخالفاً لروح التعددية التي يجب على الثورة التأسيس لها، فهم (الإسلاميون) جزء أصيل من النسيج المجتمعي، يشاركون الشرائح الاجتماعية الأخرى بما لهم وما عليهم، وفي النهاية لا يمكن لومهم لكونهم الأكثر تنظيماً وجاهزية للانتخابات.

ثالثاً: إصدار الأحكام المسبقة بـ"حتمية فشل الإسلاميين" في الحكم لن يساعد على تأسيس أرضية عمل مشترك لمرحلة ما بعد الدكتاتورية، هذا فضلاً عن أن "الاستنتاج الحتمي لفشل الإسلاميين في الحكم" لا يراعي القواعد الأساسية في استنتاج المنطق الفلسفي، حيث إن "فشل" تجربة في بلد معين لا يعني بالضرورة انسحابها على مناطق أخرى، لاختلاف الظروف واللاعبين وحتى الأيديولوجيات.
 
فلا يجوز تعميم تجربة الإسلاميين في غزة على تجربة مصر، نظراً لما لغزة من ظروفها الخاصة المتمثلة في الاحتلال الإسرائيلي والحصار المطبق لعدة سنوات، حيث إن مصر ببساطة لا تعايش مثل تلك الظروف.
 
وكذلك فإن التجربة الأفغانية تختلف عنها في مصر أو تونس باللاعبين وحتى بالمنهاج المستخدم لتفسير الإسلام. لذلك فإن من الإنصاف -ليس فقط للإسلاميين ولكن لليبراليين أنفسهم- عدم تبني مواقف مسبقة ومن ثم العمل على أساسها، حتى قبل أن تخضع للاختبار ومدى ملاءمتها للمرحلة المقبلة، فالفشل بالنهاية هو للجميع، خاصة في هذه المرحلة التي يستعد فيها المجتمع للانتقال من مرحلة حكم الفرد إلى حكم الجماعة والتعددية السياسية.
 
كذلك فإن تبني المواقف المسبقة سيفوت فرصة حقيقية لكل من الليبراليين والإسلاميين لاختبار برامج الإسلاميين ومدى قدرتها على التعامل مع التحديات التي يواجهها المجتمع في المرحلة المقبلة، مثل البطالة وغيرها، فإذا فشل الإسلاميون فإن ذلك سيفتح المجال أمام الليبراليين للتقدم للأمام، وللإسلاميين لمراجعة برامجهم والتعامل مع التحديات المجتمعية ببرامج أخرى معدلة.
 
"
من غير المجدي الحديث الآن عن أن "الإسلاميين سيصلون للسلطة" ثم ينقلبون على العملية الديمقراطية وإلغاء الانتخابات -حتى وإن كانوا فعلاً سيقومون بذلك- ناهيك عن التعامل مع ذلك كحقيقة
"
رابعاً: من غير المجدي الحديث الآن عن أن "الإسلاميين سيصلون للسلطة" ثم ينقلبون على العملية الديمقراطية وإلغاء الانتخابات -حتى وإن كانوا فعلاً سيقومون بذلك- ناهيك عن التعامل مع ذلك كحقيقة.
 
لقد استخدمت الأنظمة الدكتاتورية هذه المسألة كفزاعة لتبرير احتكارها للسلطة بغض النظر عما إذا كان الإسلاميون سينقلبون فعلاً على العملية الانتخابية أم لا. ومن المهم في هذا المضمار ملاحظة أن الربيع العربي قد أفرز حقائق جديدة على الأرض، من أهمها أن من استطاع التصدي لأنظمة دكتاتورية دموية سيكون بإمكانه التصدي للإسلاميين إن أساؤوا استخدام السلطة، أو انقلبوا على العملية الديمقراطية، أو حتى فشلوا في التعاطي مع التحديات التي تواجه مجتمعاتهم.
 
وبلغة أخرى، فقد انتهى عهد عربي كان اسم الحاكم يكتب فيه على كرسي الحكم، وحدث انقلاب شعبي على مفهوم التفرد في الحكم، ناهيك عن أن الربيع العربي قد أسهم في إحداث تواضع للمعارضة التقليدية العربية المتمثلة في الأحزاب السياسية الإسلامية منها والليبرالية، حيث أدركت هذه المعارضات -على اختلاف مشاربها الأيدلوجية- أن الفضل في القضاء على حقبة أوتوقراطية مظلمة من التاريخ العربي يعود لجميع شرائح الشعب –وليس إلى حزب واحد– التي تكاتفت جميعاً، وقدمت نموذجاً لما يمكن للعمل المشترك إنجازه.
 
وللحفاظ على قيمة العمل المشترك هذه، فإن على الأحزاب الليبرالية وغيرها إعطاء فرصة حقيقية للإسلاميين في حال فوزهم بانتخابات حرة ونزيهة بالحكم، فلربما ينجحون في التعاطي مع التحديات التي تواجه المجتمعات العربية، آخذين بعين الاعتبار أن نجاح الثورات العربية في تغيير أنظمة الحكم لا يعني بأي حال من الأحوال تبخر المشكلات التي أسهمت في قيام الثورات لا سيما الاقتصادية منها، فمجرد تغيير نظام زين العابدين لا يعني بأي حال انخفاض نسبة البطالة، بل على المنصف المرزوقي وحكومته تقديم حلول عملية، تعمل فعلاً على خلق فرص عمل للشباب في سيدي بوزيد –التي أطلقت شرارة الثورة– وغيرها من المدن التونسية.
 
يجب على الليبراليين والإسلاميين وغيرهم الترفع عن النظر إلى مكاسب انتخابية فئوية محدودة المدى، والتركيز -عوضاً عن ذلك- على تأسيس نظم انتخابية تكون جزءا من عملية إستراتيجية شاملة، ترسي قواعد ديمقراطية تكون الضامن الصلب لتعددية سياسية في الدولة.
 
بمعنى أن مقياس النجاح الحقيقي للأحزاب السياسية (الليبرالية والإسلامية) في مرحلة ما بعد الثورة لا يتمثل في عدد المقاعد التي يحصدها كل منهم، بل في مقدرة هذه الأحزاب على تجسيد قيم العمل المشترك والمقدرة على إدارة عملية انتخابية شفافة تحتكم لأسس وقواعد ديمقراطية، وهذا يعني أن مقدرة الأحزاب والسلطة السياسية في الدولة على إجراء الانتخابات في موعدها المحدد وضمن معايير دولية في النزاهة والشفافية هو أهم بكثير من عدد المقاعد التي سيحصل عليها كل طرف.
 
فعدد المقاعد هو العامل المتغير الذي يتبدل كل دورة انتخابية، أما المقدرة على عقد انتخابات مغايرة لما كان عليه الحال أيام النظام البائد فهو العامل الثابت الذي يساهم في عملية التحول المجتمعي لمرحلة ما بعد الربيع العربي.
 
"
يجب على الليبراليين والإسلاميين وغيرهم الترفع عن النظر إلى مكاسب انتخابية فئوية محدودة المدى، والتركيز -عوضاً عن ذلك- على تأسيس نظم انتخابية ديمقراطية
"
أخيراً، لا بد من التأكيد على أن النجاح في إرساء نظم انتخابية بمعايير دولية يمثل مساهمة حقيقية لولادة نموذج ديمقراطي ينشأ من داخل المجتمع ذاته –الأمر الذي يجعله قابلا للديمومة– ويراعي الديناميات المجتمعية الداخلية ويتأقلم معها، على عكس استيراد أنظمة ديمقراطية بقوالب جاهزة -يتم فرضها بآلة عسكرية أحياناً كما حدث في العراق- تبقى غريبة عن المجتمع ذاته وقابلة للانهيار في اللحظة التي تنعدم فيها شروط فرضها.
 
ولادة هذا النموذج الديمقراطي الناشئ من المجتمع ذاته يمثل فرصة تاريخية يجب استغلالها، وهي التي تشكل المكسب الإستراتيجي للأحزاب جميعها الليبرالية والإسلامية وغيرها، لا عدد المقاعد التي سيحصل عليها حزب في هذه الدورة الانتخابية أو تلك.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك