عبد الجليل زيد المرهون

عبد الجليل زيد المرهون

باحث وخبير إستراتيجي متخصص في شؤون النظام الإقليمي الخليجي.


 
أين يقف حزب البعث في عراق اليوم؟ كيف قارب السنوات الثماني التالية لخروجه من السلطة؟ وإلى أين تتجه خياراته في مرحلة ما بعد الانسحاب الأميركي؟
 
أولاً: البعث في سدة الحكم
تعود جذور حزب البعث في العراق إلى أربعينيات القرن العشرين، أي منذ العقد الأول لتأسيسه في سوريا، على يد ميشيل عفلق وصلاح البيطار. وحيث اتحد الحزب بعد ذلك مع الحزب الاشتراكي العربي، بقيادة أكرم حوراني، ليأخذ اسمه الحالي "حزب البعث العربي الاشتراكي".
 
ووفقاً لروايات الجيل الأول من بعثيي العراق، فإن أول من نشر البعث في بلاد الرافدين كان طالباً سورياً، يُدعى فايز خضوري. وفي العام 1955، انتخب فؤاد الركابي، كأول أمين قطري لبعث العراق. ويُعد الركابي بهذا المعنى أول مؤسس للحزب في بلاد الرافدين، إذ إن وجود البعث فيها لم يكن معترفاً به من قبل القيادة القومية، قبل ذلك التاريخ.
 
وبعد ثورة الرابع عشر من يوليو/تموز 1958، بقيادة عبد الكريم قاسم، تمكن الحزب من تعزيز وجوده في عموم العراق، بعد أن كان ثقله الرئيسي متركزاً في بغداد والمحافظات الجنوبية، وخاصة الناصرية، التي ينتمي إليها الركابي ذاته.
 
"
أفاد البعث من وجود عبد السلام عارف، الذي مثل مبدئياً الشخصية الثانية في النظام الجديد بعد الرئيس عبد الكريم قاسم, ولم يكن عارف بعثياً لكنه قومي، عُرف بتعاطفه مع أطروحات الرئيس عبد الناصر
"
وأفاد البعث من وجود عبد السلام عارف، الذي مثل مبدئياً الشخصية الثانية في النظام الجديد، بعد الرئيس قاسم. ولم يكن عارف بعثياً لكنه قومي، عُرف بتعاطفه مع أطروحات الرئيس جمال عبد الناصر، على الرغم من أنه ليس ناصرياً أيضاً.
 
تحرك البعث تحت ظلال عارف، وأصدر بمؤازرته صحيفة "الجمهورية" التي ترأسها سعدون حمادي، وقد صدرت بعد أيام فقط من ثورة 14 تموز، وهي أول صحيفة رسمية لبعث العراق، وقد أغلقت في العام ذاته، بعد إقالة عبد السلام عارف من الحكومة.
 
في الثامن من فبراير/شباط 1963، تمكن البعث من إسقاط نظام الرئيس عبد الكريم قاسم بانقلاب عسكري، تعاون فيه مع الضباط القوميين، وفي مقدمتهم عبد السلام عارف، الذي ظل يعتقد على الدوام أنه المفجر الحقيقي لثورة الرابع عشر من يوليو/تموز.
 
وقد ترافق هذا التطوّر مع تحولات فكرية عميقة، شهدها الحزب على المستوى القومي، قربت بعض قياداته من المفاهيم الطبقية، مغلفة بقشرة قومية ناعمة. وقد تمكن هذا التيار من فرض رؤيته في المؤتمر القومي السادس، الذي عقد في أكتوبر/تشرين الأول 1963.
وبالطبع، كتب كثير من القوميين عن هذه المرحلة المثيرة من تاريخ البعث، إلا أن ما يُمكن قوله فيما يرتبط بهذا المقال هو إن إحدى نتائج المؤتمر القومي السادس قد تمثلت في سقوط حكم البعث في العراق، في الثامن عشر من نوفمبر/تشرين الثاني 1963.
 
وبعد أقل من خمس سنوات، وتحديداً في السابع عشر من يوليو/تموز 1968، عاد البعث وتستلم السلطة في بغداد، ليبقى فيها 35 عاماً متصلا.
 
وفي الحقيقة، لم يكن البعث حينها في موقف يؤهله انتزاع الحكم، على الرغم من التساهل السياسي والأمني، الذي اتسم به عهد الرئيس عبد الرحمن عارف، الذي خلف أخاه عبد السلام.
 
إن الذي حدث هو أن الحزب قد أفاد من وضع لم يكن طرفاً في صنعه، تمثل بمأزق وزاري دفع عبد الرحمن عارف للتخطيط لتنحية اثنين من كبار مسؤوليه، هما عبد الرزاق النايف وإبراهيم الداود، اللذين كانا يشغلان قيادة منصبي المخابرات العسكرية والحرس الجمهوري، على التوالي.
 
هذا التطوّر، دفع النايف والداود للتعاون مع الضباط البعثيين، بقيادة أحمد حسن البكر، لإزاحة عبد الرحمن عارف، وتسليمهم السلطة.

وحيث أن النايف والداود لم يكونا وجهين مقبولين لدى الأوساط القومية، فإن ما عُرف بحركة الثلاثين من يوليو/تموز التصحيحية كانت في جوهرها مجرد إزاحة لهاتين الشخصيتين. بيد أن الحزب، ولاعتبارات تعبوية بالدرجة الأولى، رأى إعادة تسمية حركته بثورة السابع عشر - الثلاثين من تموز.
 
وأياً يكن الأمر، فقد طبع البعث بصماته على تاريخ العراق السياسي والاجتماعي لأكثر من ثلاثة عقود اعتباراً من ذلك التاريخ، كما أن غالبية التكوينات القطرية للحزب، على امتداد الوطن العربي، ظلت مرتبطة بالقيادة القومية في بغداد.
 
ووفقاً للأنظمة الداخلية المعتمدة، فإن هناك فصلاً بين الدولة والحزب، وإن الأولى ترتبط بالثاني وليس العكس. بيد أن التطورات الفعلية على الأرض لم تكن على هذا النحو، بحال من الأحوال.
 
والأكثر من ذلك، رمت علاقاتُ العراق الخارجية بتداعياتها المباشرة على خيارات الحزب، في مختلف الأقطار العربية التي وجد فيها.
 
ثانيًا: القيد الدستوري على البعث  
بعد عقود من الحكم، واجه بعث العراق ما يُمكن اعتباره تحديَ وجود، بدا خارج السيطرة على نحو تام. ولم يبدأ هذا التحدي عام 2003، بل قبل ذلك باثني عشر عاماً، عندما أطاحت "عاصفة الصحراء" بقوة العراق وحيدته إستراتيجياً، وعزلته عن محيطه العربي.
 
وفي عام 2003، سقطت حكومة الرئيس صدام حسين، ليفقد بعث العراق حاضنته الجيوسياسية، التي مثلت مصدر قوته الأول قطرياً وقومياً.

وقد قُدر عدد منتسبي الحزب في العراق في ذلك العام بحوالي مليون ومائتي ألف شخص. وبالطبع، هذا تقدير مبدئي جرى تداوله، إذ من الصعب معرفة العدد الحقيقي للمنتسبين، حتى بالعودة للسجلات الرسمية للحزب.

على صعيد علاقته بالسلطة الجديدة في بغداد، كان مفهوماً، منذ البدء، أن الحزب سوف يتواجه سياسياً وأمنياً مع هذه السلطة، حتى ولو غضت الطرف عن وجوده، أو أعادت تقنين هذا الوجود على أسس جديدة.

بيد أن الصدام الذي حدث بين الجانبين، والذي بدا خارج السيطرة بالمعنى السياسي، قد وجد خلفياته في صدور قانون اجتثاث البعث، وحل الجيش العراقي. وهذا بالطبع فضلاً عن وجود القوات الدولية، التي كان يشار إليها في البدء بالقوات المتعددة الجنسيات.
 
لقد جُرّم وجود البعث دستورياً، وفقاً للمادة السابعة من الدستور العراقي، الذي جرى التصويت عليه في استفتاء 15 أكتوبر/تشرين الأول 2005، حيث نصت هذه المادة على أنه "يحظر كل كيانٍ أو نهجٍ يتبنى العنصرية أو الإرهاب أو التكفير أو التطهير الطائفي، أو يُحرّض أو يُمهد أو يُمجد أو يُروج أو يبرر له، وبخاصة البعث الصدامي في العراق ورموزه، وتحت أي مسمىً كان. ولا يجوز أن يكون ذلك ضمن التعددية السياسية في العراق، وينظم ذلك بقانون".
 
"
ثمة حاجز قانوني ودستوري بات يحول دون تطبيع وضع البعث في العراق، الذي عرّفته الوثائق القانونية العراقية بأنه "حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي استولى على السلطة في العراق بتاريخ 17/7/1968
"
وقبل صدور الدستور، كانت قد أنشئت الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث، في 16 أبريل/نيسان 2003. وبعد سنوات خمس، جرى تضييق دائرة المشمولين بقانون اجتثاث البعث. وأنشئت هيئة جديدة تحت مسمى الهيئة الوطنية العليا للمساءلة والعدالة.
 
وقد نصت المادة السادسة من قانون هذه الهيئة على السماح لجميع الموظفين البعثيين في الدولة، من غير ذوي الدرجات الخاصة، ممن كانوا بدرجة عضو فرقة فما دون، بالعودة إلى دوائرهم أو الاستمرار في وظائفهم إن كانوا فيها.
 
وتوفر -بناء على ذلك- لأكثر من ثلاثين ألف بعثي حق العودة للخدمة في دوائر الدولة، وكانت الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث قد أقصت ما يقارب هذا العدد من مزاولة الخدمة المدنية والعسكرية والعمل السياسي، بما في ذلك الترشح للبرلمان أو مجالس المحافظات.
 
وتقرر، في الترتيب الجديد، أن يُحال إلى التقاعد جميع الموظفين ممن كانوا بدرجة عضو شعبة في حزب البعث، وجميع الموظفين الذين يشغلون إحدى الدرجات الخاصة ( مدير عام أو ما يعادلها فما فوق)، ممن كانوا بدرجة عضو فرقه، وجميع منتسبي الأجهزة الأمنية السابقة.
 
وما يُمكن قوله، على نحو مجمل، هو أن حاجزاً قانونياً ودستورياً بات يحول دون تطبيع وضع  البعث في العراق، الذي عرفته الوثائق القانونية العراقية بأنه "حزب البعث العربي الاشتراكي، الذي استولى على السلطة في العراق بتاريخ 17/7/1968".
 
ثالثًا: المفاوضات مع أجنحة البعث
وفي مقابل الحظر القانوني لنشاط حزب البعث، سعت الحكومات المتعاقبة في بغداد منذ عام 2003 إلى فتح قنوات حوار مع أجنحة وقيادات بعثية، بهدف إشراكها في العملية السياسية، دون مسمى حزبي.

وهناك حالياً ثلاثة أجنحة لبعث العراق، هي: جناح عزت إبراهيم الدوري، وهو يُمثل الكتلة الرئيسية في هذا الحزب، ويعتقد أنه موجود في مكان ما داخل العراق، وهو الذي يقود نشاط الحزب الميداني. كما عين الدوري أميناً عاماً للقيادة القومية، خلفاً للرئيس صدام حسين. الجناح الآخر، هو جناح يونس الأحمد.
 
والأحمد عضو قيادة قطرية سابق، ونائب أمين سر المكتب العسكري للحزب، في عهد الرئيس صدام حسين، كما كان مديراً لدائرة التوجيه السياسي في الجيش العراقي. ووفقاً لغالبية التقديرات، فإن جناح الأحمد لا يتمتع بثقل بارز في البنية الراهنة لبعث العراق.
 
الجناح الثالث، هو ما يُعرف بجناح مزهر عواد. ومزهر هو عضو قيادة قطرية سابق، وقد انشق عن جناح يونس الأحمد. ولقد جرت أولى المفاوضات مع بعث العراق في عام 2004 بعد معركة الفلوجة، وكان الهدف منها احتواء آثار المعركة. وتوسط في تلك المفاوضات مندوب العراق السابق لدى منظمة اليونسكو، عبد الأمير الأنباري.
 
وإبان رئاسته للحكومة، نظم إياد علاوي، لقاءات بين مسؤولين أميركيين ومندوبين عن البعث، جناح الدوري. كما طرحت بغداد حينها على عضو القيادة القطرية، فاضل المشهداني، فكرة تولي قيادة البعثيين تحت اسم جديد، إلا أن المشهداني رفض الفكرة، وهي في الأصل لم تكن قابلة للتطبيق.
 
"
مقابل الحظر القانوني لنشاط حزب البعث، سعت الحكومات المتعاقبة في بغداد منذ عام 2003 إلى فتح قنوات حوار مع أجنحة وقيادات بعثية، بهدف إشراكها في العملية السياسية، دون مسمى حزبي
"
وفي عام 2007 أجرى الأميركيون محادثات مع جناح الدوري، توسط فيها الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، وأدارها السفير الأميركي في صنعاء. وقبل ذلك بعامين، أجرى السفير الأميركي في بغداد آنذاك، زلماي خليل زاده، مفاوضات مع جناح يونس الأحمد، وقد أكدت حدوثها السفارة الأميركية.
 
وإضافة إلى تلك التحركات، فاوضت بغداد قيادات سابقة في الجيش العراقي، بهدف إعادة عدد من الضباط إلى سلك الخدمة، وقد دعم جناحا الدوري ويونس الأحمد هذه المفاوضات، التي جرت أهم جولاتها في عام 2009.
 
ويوجد حوالي عشرة آلاف ضابط من الجيش العراقي السابق، يتوزع أغلبهم بين سوريا والأردن ومصر واليمن ودولة الإمارات العربية المتحدة.
 
رابعًا: البعث وخياراته القادمة
وفيما يرتبط بحزب البعث تحديداً، لم تسفر أي من جولات التفاوض عن نتائج ملموسة. كذلك، فإن المطالب التي طرحها جناح الدوري تدعو عملياً إلى إنهاء كامل العملية السياسية الراهنة، وبدء عملية أخرى من نقطة الصفر. وقد نظرت بغداد إلى هذه المطالب باعتبارها شروطاً غير قابلة للتحقيق.
 
بقي أن نشير إلى أن هناك جناحا آخر لبعثيي العراق، انشق منذ عقود عن القيادة القومية في بغداد، وتحالف مع دمشق. ويُعرف هذا الفصيل عموماً بقيادة قطر العراق، وهو يرتبط بعلاقات وثيقة مع ما كان يُعرف بالمعارضة العراقية، الموجودة حالياً في سدة الحكم.
 
وليس من المعروف حجم تمثيل هذا الجناح في الشارع العراقي، وهو غير مشمول -من الناحية النظرية على الأقل- بمنطوق المادة السابعة من الدستور، التي تجرم الانتماء لحزب "البعث الصدامي".
 
وعلى الرغم من ذلك، فليس واضحاً بعد كيف ستتمكن بغداد من منح الشرعية لفريق من البعث، في الوقت الذي تجرّم فيه فريقا آخر. والمقصود هنا شرعية الكيانات السياسية، وليس أفراد الحزب، فهؤلاء موجودون في العراق على أي حال.
 
وفي نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، قال رئيس الوزراء العراقي، نوري المالكي: إن الحكومة لا تخلط بين البعثيين "الذين يعملون في دوائر الدولة ومؤسساتها"، وبين البعثيين الذين "يعملون على إسقاط العملية السياسية".
 
وكانت بغداد قد أعلنت، في 29 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، عن اعتقال 615 ناشطاً في حزب البعث، أغلبهم من المحافظات الجنوبية. وقد جرت هذه الاعتقالات على خلفية ما قيل إنه مخطط عسكري، تقرر تنفيذه في الفترة التالية للانسحاب الأميركي من العراق.
 
وقد نفى حزب البعث تورطه في أي مخطط من هذا القبيل، إلا أن الداخلية العراقية صرحت بأنها تمتلك أدلة على ما تقول. وينشط حزب البعث عسكرياً في إطار ائتلاف يُطلق عليه "جبهة الجهاد والتحرير والخلاص الوطني"، كان قد أعلن عن تأسيسه في أكتوبر/تشرين الأول من عام 2009، ويتزعمه عزت إبراهيم الدوري.
 
وبالطبع، ليس ثمة من يُمكنه الجزم بأن حزب البعث يمتلك من القدرات التنظيمية والأمنية ما يؤهله للقيام بانقلاب عسكري في عراق اليوم، وإذا جرت محاولة من هذا القبيل فلن تكون سوى نوع من الانتحار.
 
وأياً تكن السياقات، فإن القوات الأميركية سوف تكون قد أكملت انسحابها من العراق نهاية عام 2011، ويفترض أن تطوّراً من هذا القبيل يُمثل سبباً لزوال البعد العسكري في المواجهة بين حزب البعث والسلطة العراقية.
 
"
إذا كان المطلوب أن يكون العراق "للعرب ملاذا"، فمن باب أولى أن يكون ملاذاً لأبنائه، يعيشون فيه بأمن وسلام
"
إن هذا التطوّر سوف يشكل امتحاناً لبيانات الحزب المختلفة، التي تشير إلى أنه ليس معنياً بالصدام مع الأفراد، لمجرد انتسابهم لمؤسسات الدولة، سواء المدنية أو الأمنية.
 
ويفترض أن الحزب يُدرك أن قضية كهذه تعتبر من المحاذير، التي يعني الوقوع فيها جرّ العراق إلى أتون حرب أهلية، أو كحد أدنى، تعريضه لنوع من الاستنزاف، الذي يسلب مواطنيه نعمة الأمن والاستقرار.

ويفترض أن لا تغيب عن خلد أحد دروس وعبر التجربة المرة التي عاشتها الجزائر في تسعينيات القرن الماضي.
 
وإذا كان المطلوب أن يكون العراق "للعرب ملاذا"، فمن باب أولى أن يكون ملاذاً لأبنائه، يعيشون فيه بأمن وسلام.
 
إن كافة القوى السياسية معنية بالالتزام بالمصلحة الوطنية العليا للعراق، وفي المقدمة منها المحافظة على أمنه واستقراره، وعدم تعريضه لهزات تعرقل فرص التنمية الاقتصادية والاجتماعية فيه، وتحول دون نهوضه بدوره العربي والدولي.

المصدر : الجزيرة

التعليقات