نبيل السهلي

نبيل السهلي

كاتب وصحفي مستقل


 
لم تكن عملية إحراق مسجد النور في قرية برقة في محافظة رام الله والبيرة على يد مجموعة إرهابية من المستوطنين اليهود فجر يوم الخميس 15 ديسمبر/كانون الأول 2011 سوى حلقة في إطار سلسلة متكاملة وممنهجة من الاعتداءات على المساجد في فلسطين بغية تهويدها في نهاية المطاف.
 
لقد سعت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة إلى تزوير وتهويد المعالم العربية والإسلامية وفي المقدمة منها المساجد؛ ويلحظ المتابع للسياسات الصهيونية والإسرائيلية تجاه المساجد في فلسطين بأنها كانت محكمة ومدروسة، وتم التخطيط لها في المؤتمر الصهيوني الأول الذي عقد في مدينة بازل السويسرية في نهاية شهر أغسطس/آب من عام 1897.
 
ومحاولة منها لتهويد المساجد في فلسطين؛ عملت المؤسسة الصهيونية بداية جاهدة من أجل السيطرة على أراضي الوقف الإسلامي؛ ففي عام 1948 بلغت مساحة أراضي الوقف الخيري الإسلامي في فلسطين 178 ألفا و677 دونماً.
 
وقامت السلطات الإسرائيلية بوضع خطط بعد العام المذكور لمصادرة وتهويد تلك الأراضي والممتلكات والمواقع، وقد تم ذلك بالفعل عبر اتباع سياسات محددة يمكن إجمالها بما يلي: حلت إسرائيل المجلس الإسلامي الأعلى ولجنة الأوقاف الإسلامية؛ كما أصدرت قوانين جائرة للسيطرة على الأراضي الفلسطينية، ومن بينها ما يسمى قانون أملاك الغائبين، وسيطرت السلطات الإسرائيلية من خلاله على ممتلكات الأوقاف.
 
إضافة إلى ذلك تم إنشاء سلطة التطوير الإسرائيلية التي وضعت يدها على الأوقاف الإسلامية، من خلال شراء تلك الأوقاف من حارس أملاك الغائبين، الأمر الذي جعل القسم الأكبر من الأوقاف الإسلامية تحت سيطرة سلطة التطوير.
 
ومع استمرار عمليات إحراق المساجد في داخل الخط الأخضر وكذلك في الضفة الغربية؛ ودعم الجيش الإسرائيلي للمجموعة الإرهابية المشرفة على ذلك والمسماة "شارة الثمن"، يتأكد بكل وضوح مدى إصرار المؤسسة الصهيونية على ترسيخ فكرة يهودية الدولة عبر تهويد المساجد.
 
كانت السياسات الإسرائيلية السابقة بمثابة مقدمات لتدمير وتهويد المساجد في داخل الخط الأخضر؛ وقد عزز التوجه الصهيوني القانون الصهيوني الصادر في عام 1953، والذي بموجبه تم تبرير المبيعات من قبل حرس أملاك الغائبين إلى سلطة التطوير، وذلك بغية قوننة المصادرة للأملاك والأوقاف الإسلامية.
 
وخلال فترة وجيزة استطاعت سلطات الاحتلال الإسرائيلية -بين الأعوام من 1948 إلى 1967- هدم وتدمير 130 مسجداً في المناطق التي أنشئت عليها إسرائيل، وتمثل تلك المساجد نحو 41.5% من إجمالي عدد المساجد داخل الأخضر، التي وصل عددها إلى 313 مسجداً، إضافة إلى ذلك بات نحو8400 معلم عربي إسلامي في مواجهة سياسة التزوير والهدم الإسرائيلية.
 
ومن الإجراءات التي اتبعتها السلطات الإسرائيلية لتهويد المقدسات الإسلامية وفي المقدمة منها المساجد؛ القيام بحملة واسعة النطاق طالت عددا كبيرا من المساجد والمقابر الإسلامية في داخل الخط الأخضر، وتمّ تحويل مسجد بئر السبع إلى متحف للآثار، وكذلك هي الحال بالنسبة لمسجد صفد في الجليل الفلسطيني. وحولت  السلطات الإسرائيلية مسجد قرية قيسارية في قضاء حيفا على الساحل الفلسطيني إلى خمارة للشباب اليهود، في حين تمّ تحويل مسجد ظاهر العمر في مدينة طبريا في الجليل إلى مطعم، أما مسجد عين حوض -الذي لا يبعد أهل القرية عنه سواء أمتار قليلة- فبات مرقصاً ليلياً لليهود.
 
وفي مدينة حيفا حوّل الجيش الإسرائيلي مقبرة الاستقلال هناك إلى حي سكني لليهود. وثمة  محاولات حثيثة من قبل المؤسسة الإسرائيلية منذ السبعينيات من القرن المنصرم لهدم مقبرة قرية بلد الشيخ في جنوب شرق مدينة حيفا على سفح جبل الكرمل، حيث يوجد ضريح الشهيد المجاهد الكبير عز الدين القسام، الذي استشهد في أحراج يعبد قضاء جنين في شهر نوفمبر/تشرين الثاني من عام 1935، وهو المجاهد الذي أسس لثورة فلسطين الكبرى عام 1936.
 
ولم تتوقف السلطات الإسرائيلية عند هذا الحد، بل قامت بجرف العديد من المقابر الإسلامية في عكا ويافا والأقضية محاولة تهويد المنطقة. إضافة إلى سياسة هدم المقابر والمساجد وجرفها، قام الجيش الإسرائيلي -تحت حجج أمنية وغيرها- بتحويل المساجد المقامة التي لم يستطع هدمها داخل الخط الأخضر إلى معابد لليهود. وتشير الدراسات المتخصصة إلى أن الجيش الإسرائيلي حوّل 14 مسجداً  إلى معابد يهودية، ومنع المسلمين من الصلاة في 19 مسجدا، لتحول فيما بعد -على يد الجيش الإسرائيلي- إلى مرتع للقمار أو مطعم أو حظيرة خنازير أو خراف، مثل مسجد البصة ومسجد عين الزيتون في قضاء مدينة صفد، وهناك 50 مسجداً ومقامًا إما مغلقا أو مهملا أو مهددا بالهدم والإزالة من الوجود. 
 
وبشكل عام لا تتعدى المساجد المذكورة 10% من إجمالي مساجد فلسطين التي هدمت منذ إنشاء إسرائيل قبل أكثر من ثلاثة وستين عاماً (1948-2011).
 
ارتفعت وتيرة الاعتداءات على المساجد في الضفة الغربية منذ بداية عام 2010؛ وازدادت شدة في العام الحالي 2011؛ حيث تم الاعتداء وإحراق وتدمير عشرات المساجد في المدن والقرى في الضفة الغربية، وكان آخرها إحراق الطابق الأول والثاني من مسجد النور في قرية برقة في قضاء محافظة رام الله والبيرة فجر يوم الخميس 15 ديسمبر/كانون الأول 2011؛ وقبله بيوم واحد فقط إحراق مسجد عكاشة في مدينة القدس.
 
والثابت أن عمليات تهويد المساجد لم تنحصر في داخل الخط الأخضر؛ بل تعدت ذلك باتجاه الضفة الغربية، فبعد احتلالها الضفة وقطاع غزة في عام 1967، لم تتوقف إسرائيل عن سياساتها لجهة هدم وتهويد الأماكن المقدسة عند العرب المسلمين وكذلك المقدسات بعينها، فخلال أكثر من أربعة عقود من الاحتلال حصلت اعتداءات متكررة على المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل، وكان من أبرز الاعتداءات محاولة إحراق الأقصى في عام 1969، ومجزرة الحرم الإبراهيمي في عام 1993.
 
سبل حماية المساجد
بعد هذا العرض للسياسات الإسرائيلية تجاه المقدسات الإسلامية في فلسطين -وفي المقدمة منها المساجد- والتي أدت إلى تدمير العشرات منها، فضلاً عن تغيير أسماء المواقع المقدسة الأخرى، وكذلك محاولات السلطات الإسرائيلية تهويد ما تبقى منها، تحتم الضرورة الإسراع في حماية المقدسات الإسلامية في فلسطين وفي المقدمة منها المساجد، سواء داخل الخط الأخضر أو في الضفة الغربية بما فيها مدينة القدس ومعالمها التاريخية المقدسة؛ ومدينة الخليل أيضاً.
 
وقد يكون من باب أولى توحيد الخطاب العربي والإسلامي إزاء خطر السياسات الإسرائيلية التي تهدد المساجد في فلسطين التاريخية، فضلاً عن مطالبة المنظمات الدولية ذات الصلة بالحفاظ على دور العبادة والمقدسات بالضغط على إسرائيل وانصياعها للقرارات الدولية والأعراف الخاصة بالمقدسات والأوابد التاريخية.
 
"
المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين يطلق عليها اصطلاحاً إما آثار أو أماكن عبادة، تحظى بعناية وحماية قانونية فائقة تضمنها اتفاقيات جنيف الرابعة لعام 1949
"
وفي هذا السياق يجب الإشارة إلى أن المقدسات الإسلامية والمسيحية في فلسطين يطلق عليها اصطلاحاً إما آثار أو أماكن عبادة، تحظى بعناية وحماية قانونية فائقة تضمنها اتفاقيات جنيف الرابعة لعام 1949 وكذلك اتفاقيات لاهاي لسنة 1906.
 
وتبقى الإشارة إلى أن عملية إحراق المساجد وتدميرها في فلسطين من قبل المستوطنين اليهود وبدعم مباشر من المؤسسة الإسرائيلية تعتبر -بكل المعاني- استخفافاً وإهانةً لكافة المسلمين في العالم؛ ناهيك عن كون تلك الأفعال الصهيونية بحق المساجد تخالف الأعراف والمواثيق الدولية الخاصة بحماية الرموز الدينية للمناطق الواقعة تحت الاحتلال؛ وهذا بطبيعة الحال ينطبق على الأراضي الفلسطينية والمساجد والمقدسات الأخرى أيضاً.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك