مؤمن بسيسو

مؤمن بسيسو

كاتب فلسطيني


 
مع دوران عجلة الانتخابات البرلمانية في عديد الدول العربية في ظلال الربيع الثائر تلج المنطقة العربية عهدا جديدا من الحرية والديمقراطية والانفتاح، يؤذن بتغيرات دراماتيكية في خارطة العمل السياسي والحزبي العربي خلال المرحلة المقبلة.
 
لم يشكل فوز الإسلاميين عموما، والإخوان المسلمين خصوصا، مفاجأة لدى المراقب العليم بتضاريس الساحة الحزبية العربية، فقد كانوا في مقدمة القوى الحية الفاعلة التي تجرعت بطش الأنظمة وذاقت ويلات إجراءاتها ومخططاتها طيلة العقود الماضية، وحرموا كما غيرهم من حق العمل الحزبي والمشاركة السياسية تحت سيف الإقصاء والاستئصال الذي حاول منعهم من التعبير عن إرادة الجماهير وتجسيد برامجهم السياسية على امتداد الساحة السياسية العربية.
 
اليوم، يدخل الإسلاميون التاريخ العربي الحرّ من أوسع أبوابه، ويبدأ رصيد تجربتهم الفتيّة في العدّ التصاعدي تحت طائلة الاختبار الشعبي، ولن يشفع لهم ثقل وعظم التحديات التي يواجهونها في مرحلة ما بعد التصدّر والفوز بثقة الشعوب.
 
وبات لزاما على الإسلاميين إدراك حساسية اللحظة التاريخية التي حملتهم إلى سدة الحكم ومواقع المسؤولية في بعض البلدان العربية، والتنبه لأهم التحديات الداخلية والخارجية التي تتربص بتجربتهم الغضّة دوائر الحصار والاستهداف.
 
"
يواجه الإسلاميون العديد من التحديات في الإطارين: السياسي والاقتصادي، ولا مفر من الاعتراف أن هذه التحديات تبدو صعبة وشائكة ومعقدة وتواجه إرثا ثقيلا من مخلفات الأنظمة المنصرفة
"
في السياسة والاقتصاد
يواجه الإسلاميون العديد من التحديات في الإطارين: السياسي والاقتصادي، ولا مفر من الاعتراف أن هذه التحديات تبدو صعبة وشائكة ومعقدة وتواجه إرثا ثقيلا من مخلفات الأنظمة المنصرفة التي عالجت الملفات والقضايا المختلفة بمنطق المزاجية المفرطة والسطحية التامة.
 
التحدي الأول يكمن في مدى قدرة الإسلاميين على لمّ شعث الفرقاء تحت مظلة جامعة، وتخليق حالة من الالتقاء السياسي المصلحي على الحدود الدنيا على الأقل في إطار العمل الوطني المشترك.
 
لا يمكن الحديث عن وصف موحد لمشهد العلاقة بين الإسلاميين وخصومهم الفكريين والسياسيين في بعض الساحات العربية، فما جرى في تونس من سلاسة وانسيابية في ترتيب الأوراق الداخلية بين الإسلاميين والقوى القومية واليسارية والعلمانية، وما يُتوقع بشكل مشابه أيضا في المغرب، قد لا ينطبق بذات الكيفية على المشهد المصري الذي يختزن في طياته استقطابات هائلة لم تفرغ المعارك الانتخابية الأخيرة إلا جزءا محدودا منها.
 
ومع ذلك، فإن المهمة الأولى للإسلاميين، وخصوصا في مصر، لا تعدو التوجه نحو الداخل الوطني عبر خطاب واضح يحمل رسائل هادئة لطمأنة القوى السياسية المختلفة، والتخفيف من حدّة الصراع السياسي والفكري معها، توطئة لإرساء قواعد عمل مشتركة تقود نحو نسج ائتلافات معها في إطار قيم الشراكة تحت مظلة المؤسسات الرسمية الحاكمة مع بعضها، ونزع الفتيل وتهدئة الأجواء مع بعضها الآخر.
 
أما التحدي الثاني فيكمن في ضبط إيقاع الحياة السياسية والبرلمانية العربية بشكل يحفظ مكتسبات الثورة، ويضمن الاستقرار الداخلي، ويتيح تعاون وتكامل كافة أركان النظام السياسي.
 
وفي الحالة المصرية فإن الحرص على بقاء خطوط تواصل جيدة مع المجلس العسكري الحاكم يشكل أمرا ملحا، وصولا إلى إجراء الانتخابات الرئاسية واكتمال صياغة النظام السياسي المصري في هيئته الجديدة التي يعوّل عليها جميع المصريين بلا استثناء.
 
من المهم أن يسير الإسلاميون، وفي مقدمتهم إخوان مصر، بتؤدة بالغة في مرحلة ما بعد الانتصار، فالتحديات تترامى أمامهم بشكل مهول، ولا مفر من أداء سياسي راشد في مختلف المجالات، وعلاقات متوازنة مع القوى المؤثرة والمراكز المسيطرة كي تبحر سفينتهم بأدنى قدر من العوائق، وكي يتجاوزوا -كما في الحالة المصرية- عنق الزجاجة التي دلفت إليها مصر بفعل عهود الانحطاط السياسي والاجتماعي والثقافي التي كرسها نظام مبارك البائد.
 
ويبدو التحدي الثالث بالغ الأهمية، فالبرنامج السياسي والاقتصادي العام ذو النصوص المجملة والفضفاضة الذي يرفعه الإسلاميون يجب أن يتنزل على أرض الواقع على هيئة تفصيلية برنامجية واضحة، وأن يخرج عن إطار العموميات التي اشتهرت بها برامج الإسلاميين. فلا يكفي وضع الخطوط العريضة والشعارات العامة والمبادئ الإجمالية كأرضية لحكم الدولة، ولا يكفي التسلح بالصدق والإخلاص والعمل الدؤوب لمواجهة تعقيدات ومشكلات السياسة والاقتصاد.
 
هناك فرق بين البرامج الفضفاضة الحافلة بالنصوص العامة التي قد تصلح في مقاعد المعارضة البعيدة عن تحمل مسؤوليات الحكم والإدارة، وبين البرامج التفصيلية القادرة على رسم الأجوبة الدقيقة للقضايا الداخلية المختلفة، والاستجابة للتحديات المتعاظمة التي تفرضها الظروف الملبّدة إقليميا ودوليا.
 
ومن هنا فإن الإعداد الوافي لمرحلة ما بعد الفوز في الانتخابات، وتنزيل الشعارات والمبادئ إلى تجسيدات فعلية ملموسة على أرض الواقع عبر برنامج واقعي تفصيلي، من شأنه أن يدشّن عهدا جديدا يُحسب للإسلاميين ويلقي بظلاله الخيّرة على ربوع الأمة من مشرقها إلى مغربها.
 
"
الإخوان يواجهون تحديا مهما في كيفية استيعاب الحزب السلفي وتطويعه لتقبل أصول وقواعد الممارسة السياسية التي لا تحدّها الحدود والمبادئ الأيديولوجية الجامدة
"
فيما يبدو تحدي التعامل مع الواقع الإقليمي والدولي المعقد أساسيا، فالإسلاميون مضطرون للسير في حقول ألغام مترامية على امتداد محاور السياسة الإقليمية والدولية، إذ إن العمل السياسي من مربع الحكم المباشر ليس كممارسته من مربع المعارضة المجردة، وها هنا فإن الإسلاميين مقبلون على تجربة شائكة في مضمار العلاقة مع المحيط الإقليمي والدولي، وخصوصا في ظل حساسية بعض الملفات كملف الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وملف الاتفاقيات والمعاهدات والعلاقات مع الدولة العبرية، وما يصاحب ذلك من حسابات وتعقيدات.

ومع ذلك، فإن الطاقات الواسعة والكوادر المؤهلة ذات الرؤية الواضحة التي يمتلكها الإسلاميون من شأنها أن تعينهم على اجتياز وعثاء المرحلة، وتكسب تجربتهم الجديدة العمق الكامل والنضج المطلوب.
 
أما التحدي الأخير فيكتسب نكهة مصرية خالصة متمثلا في الحضور القوي للحزب السلفي الذي يخوض تجربة العمل السياسي للمرة الأولى دون أدنى فهم أو دراية.
 
وبالرغم من أن دخول السلفيين على الخط الانتخابي قد شتت الصوت الإسلامي وحرم الإخوان من نسبة مقدّرة، إلا أن الإخوان يبقون القوة الإسلامية الحركية الأولى على المستوى العربي والدولي، وأصحاب المنهج والرسالة والخبرة والتجربة، والأقدر على حمل وتبني مشروع الحكم وبرنامج الوصول إلى السلطة بأثمانه وتكاليفه المعروفة والمضيّ به إلى النهاية.
 
لذا، فإن الإخوان يواجهون تحديا هاما في كيفية استيعاب الحزب السلفي وتطويعه لتقبل أصول وقواعد الممارسة السياسية التي لا تحدّها الحدود والمبادئ الأيديولوجية الجامدة، وهي مهمة -بالتأكيد- ليست سهلة على الإطلاق في ضوء الانتقال المفاجئ للحزب إلى آفاق العمل السياسي دون تهيئة مسبقة.
 
خدما لا وعاظا
التحدي الاجتماعي والعلاقة مع الناس والجماهير يشكل تحديا بالغ الأهمية والخطورة، وذو آثار وانعكاسات كبرى على مستقبل الإسلاميين في المنطقة العربية كلها.
 
تتركز تجربة الإسلاميين أساسا طيلة مسيرتهم الحافلة في العمل الوعظي والمعالجات الدعوية والتربوية التي تشكل أصل وقاعدة الانطلاق لديهم، فيما غابوا عن مشهد الحكم تماما عبر الوسائل الديمقراطية باستثناء حالة حماس التي يكتنفها تعقيد خاص، ولم تتح لهم حرية العمل الاجتماعي المفتوح الخادم لمصالح الناس رغم حرصهم على التلاحم مع هموم ومشكلات الناس قدر الإمكان، لأسباب ذاتية تتعلق بغلبة الأولوية التربوية على الجوانب الأخرى، وأخرى موضوعية تتعلق بالقيود والمحن وأشكال التضييق التي اعترضت طريق الإسلاميين طيلة عهود القمع والاستبداد الغابرة.
 
لذا، فإن المرحلة المقبلة ينبغي أن تشهد تبدلا في أولويات الإسلاميين لجهة إعطاء الأفضلية لهموم الشارع العربي، ودوام التقرب إلى الناس، والعمل على التماس الحلول لمشكلاتهم وتخفيف ألوان معاناتهم دون انقطاع.
 
من البديهي التذكير أن العمل الحركي الإسلامي ليس عملا وعظيا مجردا، أو مجرد منظومة دعوة أخلاقية سلوكية فحسب بعيدا عن هموم ومشكلات الواقع والمجتمع.
 
صحيح أن العمل الدعوي والتربوي يشكل جانبا هاما وركنا أساسيا في مسيرة البناء والعمل الحركي الإسلامي، لكنه لا يشكل كل العمل والجهد والأداء، وما لم يتساوق مع الانغماس في حل وتبني هموم ومشكلات الناس فإنه يبقى قاصرا ومتقوقعا وعاجزا عن بلوغ المرامي والأهداف الإسلامية الكبرى التي تبغي إعادة صياغة المجتمع على أسس نظيفة وتحقيق الحرية والعدالة الاجتماعية للجميع بدون استثناء.
 
قد يكون مفهوما الاقتصار على الجانب الوعظي في مراحل النشأة والتكوين، لكن تطور آفاق العمل الحركي الإسلامي، ودخوله خط المنازلة الحادة والمراغمة الفعلية لمكونات البيئة المحلية والإقليمية والدولية، أفكارا ومعتقدات ونظما، جعل من النزول إلى واقع المجتمع وتلمس هموم الناس المعيشية اليومية احتياجا بالغ الضرورة والإلحاح، وشرطا جوهريا لا يقبل التأجيل.
 
"
النزول إلى واقع المجتمع لا يعني الانتشار الوعظي بين الناس على أهميته، بل بذل كل ما من شأنه خدمة الناس والتيسير عليهم في معاشهم اليومي، والبقاء على حالة من التواصل الفعال معهم دون أي انقطاع
"
النزول إلى واقع المجتمع لا يعني الانتشار الوعظي بين الناس على أهميته، بل بذل كل ما من شأنه خدمة الناس والتيسير عليهم في معاشهم اليومي، والبقاء على حالة من التواصل الفعال معهم دون أي انقطاع.
 
العمل الوعظي في فهم وعرف وعمل الإسلاميين يشكل تحصيل حاصل، ولا يعتوره خلل أو نقص على الأغلب مع حاجة دائمة للارتقاء والترشيد، لكن خدمة الناس تبقى "صنعة" فائقة الأهمية و"دورا" بالغ الخطورة لم يجرِ التعامل معه كما تم التعامل مع الجانب الوعظي في أكثر من تجربة إسلامية ومنطقة عربية.
 
واقع اليوم ليس كواقع الأمس، فالحركة الإسلامية في عموم المنطقة العربية لا تحتاج إلى كثير وعظ وإرشاد بقدر ما تحتاج إلى دقة وإحسان العمل وخدمة الناس والبحث الجاد والتحري التام عن حلول تفكك عقد الأزمات والمشكلات الاقتصادية والاجتماعية التي تؤرق بال المواطن العربي الذي تجرع مرارات الألم والقهر طيلة عهود الظلم والاستبداد الماضية.
 
مبدئيا، لا خشية على اختيارات الجماهير العربية بشكل عام، فالهوية الإسلامية تبقى قبلة شرائح واسعة من الناس والمجتمع بحكم المنهج والثقة والمصداقية، لكن الحديث لا يدور عن صك تأييد جماهيري مفتوح للإسلاميين، فمصير التجربة، أي تجربة حكم، يتحدد بحجم ما تناله من إنجازات وإخفاقات، وما تحققه من تلبية وتناغم مع هموم الناس واحتياجات المجتمع.
 
الحركة الإسلامية العربية التي تصدرت المشاهد الانتخابية في بعض البلدان العربية تقف اليوم أمام التحدي الأهم متمثلا في الدوران مع هموم الناس ومشكلاتها ومصالحها حيث دارت، فعليها أن تُكثر من الاهتمام بواقع شعوبها وحاله المزري لأن خدمة الناس وتحقيق القيم الكبرى بينها، كالحرية والعدالة والمساواة، تشكل دعوة عملية وبالغة الفعالية إلى الحق والإسلام.
 
سُئل برلماني عربي، بسيط الفهم والثقافة، لكنه أصيل الانتماء، طيب المعشر، حسن الأدب والأخلاق، ما الذي منحك حظوة الفوز بثقة الناس وأهّلك لدخول البرلمان للمرة الثالثة على التوالي بكل أريحية ودون أية إشكاليات أو منافسة حقيقية؟
 
لم يتغطرس البرلماني العربي أو يتحدث عن قدراته الخارقة في العمل السياسي أو فهمه السياسي أو ثرائه الأكاديمي، وقد كان بإمكانه أن يفعل أسوة بالكثيرين الذين انحرفت بوصلتهم واختلطت موازين القيم في نفوسهم، ولم يزد على قوله إنه يستطيع أن يرشح نفسه قبل موعد الانتخابات بيوم واحد ويحقق الفوز والنجاح بسهولة، والسر في ذلك كلمة واحدة فقط، هي: "اخدموا الناس بحبّ".
 
لم يتحدث الرجل عن خدمة الناس فحسب، بل أضاف إلى ذلك شرط الحبّ، فخدمة الناس يجب أن تكون صادقة، خالصة من الأعماق، مقترنة بإشاعة دفقات حقيقية من مشاعر الحبّ والوداد والأخوة والوفاء، لذا فإن الرجل -بعد مشيئة الله- سيحقق الفوز في الانتخابات القادمة في بلاده حال ترشحه لدورة برلمانية رابعة دون عناء.
 
"
شعار "اخدموا الناس بحبّ" يجب أن يشكل عنوان عمل ونشاط الإسلاميين في مرحلة ما بعد الانتصار، دون أي تقصير في معالجة التحديات وجوانب العمل الأخرى
"
وهكذا فإن شعار "اخدموا الناس بحب" يجب أن يشكل عنوان عمل ونشاط الإسلاميين في مرحلة ما بعد الانتصار، دون أي تقصير في معالجة التحديات وجوانب العمل الأخرى.
 
المرحلة الحالية هي مرحلة خدمة الشارع العربي في مختلف الميادين، ولينتظر بعدها الإسلاميون جمال النتائج وروعة الحصاد.
 
يبقى القول إن الإسلاميين يمرون بمنعطف تاريخي حاسم في ظل التحديات الكبرى التي يواجهونها في مرحلة ما بعد الفوز والانتصار التي يُتوقع أن تشهد استكمالا لها في مناطق عربية أخرى في إطار الاستحقاقات الانتخابية القادمة، وإن تجربتهم السياسية خلال الأعوام المقبلة سيكون لها ما بعدها، وستحدد، سلبا أو إيجابا، مدى وحجم وطبيعة دورهم ونفوذهم ومكانتهم إبان العقود القادمة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك